فإن اسمها لم يستعمل في الأدب العربي إلا حديثًا، كالذي قالوا عن الأدب الألماني فيه عشق كثير، فأنت تقرأ طبقات الشعراء لابن قتيبة مثلًا، فتجد فيه قول الشعر للرغبة أو الرهبة، وكذلك في كتاب العمدة لابن رشيق وفي غيره من الكتب. على كل حال فهي عنصر هام، وقد كثر في تعبير الأدباء المحدثين أن فلانًا مشبوب العاطفة أو هو ذو عاطفة بليدة، وهذه العاطفة هي التي تمنح الأدب الصفة التي نسميها بالخلود، فالعلم الذي كان في زمن الإلياذة قد مات وبقيت الإلياذة، والعلم الذي كان في زمن المتنبي مات وبقى شعر المتنبي، والسبب في ذلك أن العلم خاضع للعقل، والعقل سريع التغير حتى في الإنسان الواحد من صباه إلى شبابه إلى شيخوخته، فقد يرى الرأي في زمن ثم يرى غيره في زمن آخر وهكذا.أما العاطفة فلا تتغير إلا قليلًا، فمثلًا عاطفة الحزن على ميت قد تضبط عند الألمان والإنجليز، ولا تكون مضبوطة عند المصريين، وعاطفة الإعجاب بالبطولة قد تتخذ شكل عبادة الأبطال عند البدائيين، وقد تبعث على إقامة تماثيل عند الأوروبيين، ولكنها في جوهرها ثابتة عند الجميع،وأيضًا فإن العلم يتعلق بالموضوع، والموضوع تتغير قوانينه كلما جد جديد. أما العاطفة فتتعلق بشي ذاتي قليل التغير، وما خلا من العاطفة كالتقاويم والنتائج والأخبار المحلية والمعادلات الجبرية وقوانين اللوغاريتمات وكتب الإحصاء، فلا تسمى أدبًا بحال من الأحوال. وكذلك كتب الرياضة وكتب علم طبقات الأرض أو علم النفس. على حين أننا نعد أبياتًا من الشعر ولو تافهة في فتاة أو زهرة أو خصلة من الشعر أدبًا. ذلك لأن النوع الأول غير مرتبط بالعواطف والثاني مرتبط بها.وكتب التاريخ قد تعد أدبًا وقد لا تعد، فإذا كان كتاب التاريخ لا يشتمل إلا على حقائق مجردة من العواطف ومستندة فقط على الوثائق والإحصاءات لم يعد أدبًا. أما إذا مزج فيه المؤرخ حقائقه بعواطفه، وأتبع الحادثة برأيه فيها، وبعث عند القارئ ما حمسه أو خذله كان أدبًا بمقدار ما فيه من عاطفة.وإذا كانت العواطف أساسًا من أسس الأدب وهي التي تجعله خالدًا، وكانت العواطف لا تتغير حُبِّب إلينا قراءة الشعر مرارًا. فنحن لا نمل من إعادة قراءة المتنبي أو أبي العلاء، على حين أننا نمل بسرعة من قراءة كتاب علمي متى كنا نعلم ما فيه؛ وشيء آخر وهو أن العاطفة أوسع مجالًا لتوضيح الشخصية، ففهم الحقائق العلمية فهمًا مطابقًا للواقع والتعبير عنها يشترك فيه الناس على السواء تقريبًا، فنحن إذا قلنا: الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين كانت هذه الحقيقة عامة يستوي الناس إلى درجة كبيرة في فهمها والتعبير عنها. فليس فيها كبير مجال للتعبير عن الشخصية، ولكن ما أشعر به إذا رأيت نجمًا في السماء يخالف ما شعر به من بجانبي، وتعبير عنه يخالف تعبير صاحبي، على حين أن الفلكيين في كلامهم عن النجوم وأحجامها، وبعدها وحركاتها متقاربون في الإدراك العقلي والتعبير القولي. وعندما تدخل العاطفة في الشعور والتعبير تظهر الشخصية ويكون الأدب.وإذا أردت أن تعرف شخصًا أعالم هو أم أديب أم هو عالم وأديب معًا، فانظر بنتاجه أيؤثر كلامه في العقل أم في العاطفة أم فيهما معًا، فالأول عالم والثاني أديب والثالث عالم وأديب معًا.معنى الأدب: وهم يعرفون الأدب عادة بأنه تفسير الحياة واستخراج معانيها. ومن الواضح أن استخراج معاني الحياة والتعبير عنها إنما يرجعان إلى ما للإنسان من قوة عاطفة؛ لأن الحياة بمعناها الواسع لا تسيطر عليها الحقائق الخارجية ولا الظروف الخارجية ولا التفكير العقلي بقدر ما تسيطر عليها العواطف، والعواطف هي التي تحركنا إلى العمل وهي التي توجه الإدارة،ولذلك نلحظ أن أعمال الحياد ليس ينطبق عليها كلها المنطق، لأن المنطق قانون العقل لا العواطف، والحياة خاضعة للعواطف والعقل معًا، ولذلك نراهم يقولون إذا عجزوا عن تطبيق المنطق العقلي: إن هذا ما يقتضيه منطق الواقع، بل قد يكون منطق العاطفة أحيانًا مخالفًا لمنطق العقل، كالعطف على ابن عاقّ، وتفضيل ابن الزوجة الجميلة ولو لم يكن كفئًا، كما كان من هارون الرشيد في تقديمه الأمين على المأمون.والأدب أداته العواطف، وهو الذي يحدث عن شعور الكاتب ويثير شعور القارئ ويسجل أدق مشاعر الحياة وأعمقها.ولكن إذا نحن سلمنا بأن ما كان مصدره العواطف أدب، فهل يمكننا أن نسلم بصحة العكس، وهو أن ما لا يصدر عن عاطفة ولا يثير عاطفة لا يسمى أدبًا؟والجواب أن هذا صحيح أيضًا، وهو أن ما لا يحرك عاطفة ولا يثيرها لا يسمى أدبًا، فالتاريخ إذا صدر عن عاطفة وأثار عاطفة سمي أدبًا وإلا كان علمًا. والشروط التي وضعوها لكتابة التاريخ كالدقة والإلمام بجميع نواحي الموضوع والإنصاف في الحكم هي شروط من الناحية التاريخية، فإذا فقدناها لم يعد كتاب تاريخ، ولكنه إذا كان ذا أثر في العواطف ظلت ناحيته الأدبية باقية. والسبب في أننا نعد كاتبًا أو ناقدًا أو باحثًا أديبًا وآخر غير أديب، أن الأول يثير الحقائق التي يذكرها ويقويها ويلهبها باللعب بالعواطف.ثم إنه أحيانًا تكون كميات العناصر الأخرى كبيرة، وهي عنصر العقل والخيال والأسلوب، وبعض الأمثال، فهذه يختلف النقاد فيها، وهو العاطفة، وبعضهم يعدها أدبًا لما كان من التعويض بزيادة العناصر الأخرى، وقالوا إنه إذا زادت كمية الخيال وقوي الأسلوب فمن البعيد ألا يؤثر في العاطفة.وعلى الجملة فإثارة العواطف هي العنصر الظاهر في الأدب، فإذا كانت هذه الإثارة هي أهم غرض للكاتب أو الأديب كان لنا من هذا شعر أو أدب كفن من الفنون الجميلة، بل ربما كان علمًا، وإذا كانت الإثارة وسيلة لا غاية فقصد إليها الأديب أو كان غرضًا عرضيًّا لا أساسيًّا، قلنا: إن على هذه الكتابة مسحة من الأدب بقدر ما فيها من إثارة العواطف.ومن هذا نستطيع التفرقة بين العالم والأديب بأن العالم يلاحظ الأشياء ويستكشف ظواهرها وقوانينها وعلاقتها بالأشياء الأخرى وعلاقتها بالظروف التي تحيط بها، على حين أن الأديب يلاحظ الأشياء من حيث علاقتها بعواطفه وطبيعته الأخلاقية. فالعالم النباتي مثلًا يدرس النبات، يدرس كل شيء فيه على طبيعته الخاصة به، فيدرس أوجه الشبه بينه وبين أمثاله من النباتات الأخرى، ويدرس وظيفة كل جزء منه، ويدرس التغيرات التي تطرأ عليه كلما نما حتى وصل به إلى الموت والفناء. وغرضه من ذلك عقلي محض، يسعى وراء الحقائق والقوانين التي تنتظم وهذا النبات. أما الأديب فكل هذه الأشياء التي تتصل بالنبات ثانوية عنده، وإنما ينظر إليه ليسأل نفسه لمَ خلق؟ إن أجزاءه المختلفة متناسبة متناسقة وهو يلائم الأوساط التي عاش فيها، وهذا ما يضمن البقاء لها … ولكن لم كان كل ذلك؟ ثم لا يلبث أن يجيب عن هذا بأن النبات خلق لجماله، إن كثيرًا من أنواع الكتابة عليه ظل من العلم وظل من الأدب، ولكن هذا لا يمنع من التفرقة الواضحة التي ذكرناها بين العلم والأدب. والحق أن إثارة العواطف وتشبيبها عنصر كبير في الأدب، ولكن ليست هي كل العناصر فلا بد كل الآثار الفنية من مزج الحقائق العلمية بالعواطف الإنسانية بالخيال. وهذا هو ما يفرق بين الأدب والموسيقى. وعلام تدل من الناحية العقلية، نعم، إن التلذذ بالموسيقى قد يزداد إذا قرن بشعر لذيذ، ولكن هذا لا يمنع من أن نقول: إن الموسيقى تستثير الشعور بنفسها، وأوضح دليل على ذلك أدوار الموسيقى، كالأدوار التي لا تصحب بشعر غنائي، فإنها تلذ بنفسها من غير أن يفهم أي معنى منها، بل إن بعض الأفراد يقلل لذتهم اقترانها بما يفهم منه معنى عقلي. فالموسيقى أوضح لغة للعواطف، لا يشاركها في ذلك إلا الضحك والبكاء والصراخ وما إلى ذلك، فهي جميعًا لغات العواطف، ولكن الموسيقى أقواها وتأثيرها أسرع في الانتقال، ولكن تسترعي العواطف. أما الأدب فليس شأنه شأن الموسيقى فهو يعتمد على قدر صالح من المعاني ويصحبه المقدار الفني الأدبي الذي يثير العاطفة.ويظهر أن الموسيقى في هذا هي التي ينطبق عليها ما ذكرنا دون أنواع الفنون الأخرى، فالنقش والتصوير مثلًا لا بد أن يضعا أمام أعيننا شيئًا جميلًا، فلهما مادة يقومان عليها بخلاف الموسيقى فلا مادة لها أو على الأقل ليس لها مادة ظاهرة. وشأن الأدب شأن الفنون غير الموسيقى، فهو يسترعي العواطف، لكن لا بالمباشرة بل بواسطة ما فيه من معان وأفكار، حتى الشعر نفسه لا بد أن يكون ذا معنى وفيه حقائق ومادة عقلية تعتمد عليها المشاعر، وبدون هذه الحقائق والمعاني لا يستطيع الأدب أن يثير العاطفة.