مقدمة: عوامل ازدهار الحياة الثقافية في الأردن تتبع هذه الدراسة مسار تطور الحياة الثقافية في الأردن، بد ًءا من بواكيرها مع تأسيس إمارة شرقي الأردن، مرو ًرا بمراحل النمو والتطور، وصو ًلً إلى عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين. • ظهرت بواكير الحياة الثقافية في الأردن مع تأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921، فبعد زوال الدولة العثمانية التي عانى العرب في أواخرها من تراجع على مستوى الحضارة والثقافة، شهدت البلاد العربية بوادر حركة يقظة وتنوير تسعى إلى النهوض بالعرب في مختلف البلاد العربية. • لعبالأميرعبداللهبنالحسيندوًرارئيسًيافيالنهوضبالحياةالثقافيةفيالأردنبرعايةأميرية، وحرص على نشر التعليم. • تمثلت مظاهر ازدهار الحياة الثقافية في تلك المرحلة في : • صدور أول صحيفة أردنية "الحق يعلو" مع وصوله إلى معان عام ۱۹۲۰ وتكونت آنذاك من عمودين كتبا بخط اليد، واشتملت على مقالًت متنوعة تتناول الأوضاع السياسية وأخبار الحرب في المنطقة العربية، ثم انتقلت إلى عمان. -تأسيس مجالس أدبية في البلاط الأميري مما أسهم في حفز الكثير من المواهب على الظهور، كما نجم عن ذلك في ما بعد بروز شخصية أدبية أردنية تتحرك في فضاء قومي عربي -توسيع التعليم الرسمي وافتتاح المدارس الحكومية، لتحل بالتدريج محل الكتاتيب التي كانت منتشرة في المدن والقرى والبوادي الأردنية في العهد العثماني، التي يقتصر التعليم فيها على تعلم القراءة والكتابة وحفظ بعض أجزاء من القرآن، ومعرفة محدودة بعمليات الحساب الأولية. -وقد تركزت المضامين الفنية للأدب الأردني على الهموم الوطنية والقومية بأسلوب التصوير والمبالغة في النقد، حيث كانت النزعة الصحفية المفعمة بالوعظ وال ِحكم تطفو على السطح، وتطغى على ذهن المؤلفين والكتاب، -كما أن أعمال مرحلة البواكير كانت تفتقر إلى عمق التحليل، ولًمست أحداثها ووقائعها قشرة الواقع من غير الغوص في النفس الإنسانية وتعرف ما يجري في أعماقها . التي امتدت من استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946 إلى حرب 1967، نم ًوا ملحوظا في المجال الثقافي : *تنوع مضامين الأدب الأردني ليشمل الهموم الوطنية والقومية، وذلك بعد أن ألقت هزيمة حرب ١٩٤٨ بظلالها على الأردن في جميع النواحي سياسيا واجتماعيا وجغرافيا، حيث أصبحت الضفة الغربية تحت السيادة الأردنية، فقد أعلنت في عام ١٩٥٠ الوحدة بين المملكة الأردنية الهاشمية والضفة الغربية، فأصبحت قضية فلسطين قضية الأردن الرئيسة، وفي تلك الأثناء هزت فاجعة النكسةً الوجدان الشعبي العربي، وأقلقت ضمائر الشعراء والأدباء وهيجت كوامن المخزون التراثي والقومي لديهم، فأثمرت أدبا حزينا ضاجا بالشكوى من أوضاع العرب وحالتهم المتردية. *ازدياد عدد الصحف والمجلات والدوريات بالتساوق مع هذه الأحداث الأليمة والقاسية في التاريخ العربي المعاصر: 5- مجلة (الأفق الجديد) بعناية جمعة حماد في أيلول ١٩�١م. 4- مجلة (الإثنين) 1- مجلة (القلم الجديد) الفكرية) التي أنشأها -تواصل أدباء الأردن مع أدباء العرب. و(الهلال) جسوراً للتواصل بين الشعراء والكتاب -نشوء حركات سياسية أدبية وفنية جديدة، وكان لهذا النشاط أثره في ال ِنتاج الثقافي، وشقت حركة الجديد مسارها الطبيعي، وبدأ أنصارها في البحث عن مسالك حديثة للتعبير عما يقلقهم، ويحتاج إلى رؤية متجددة ومعالجة أعمق وأشد جذبا، فحققوا بعض النجاح الظاهر في هذا الصدد. -بلورة هوية أدبية أردنية ذات خصوصية محلية تستمد مشروعيتها من بلورة الحياة الثقافية في البلدان العربية المجاورة الأخرى، وقد تنبه أحد الكُتاب في مقدمة إحدى مجموعاته القصصية إلى ذلك، بقوله: "هناك القصة المصرية، وهذه محاولة لإيجاد القصة الأردنية". **وأخذ هذه الفكرة الأديب الأردني عيسى الناعوري وتوسع في إيضاحها، تحت عنوان: "أدب أردني أم أدب عربي". -كما تميزت هذه المرحلة بأن مستجدات الواقع حملت أفكارا جديدة ذات أرضية مختلفة ومنطلقات مغايرة للسابق؛ مما حفز الكتاب عامة والشعراء خاصة على ضرورة البحث عن وسائل مكافئة لهذه التحولًت، فقد تراوحت فتوحاتهم وإنجازاتهم تب ًعا لفراداتهم ومدى تحسسهم للمخاطر التي تواجه الوطن والأمة، ومدى استيعابهم دورهم في الصراع القائم ومسؤوليتهم أمام شعبهم، مما حدا بالكثير منهم إلى محاورة الواقع ومحاولة الولوج في أعماقه بأدوات فنية ووسائل تعبيرية تحمل آثار الحاضر، لكن لً تنفك عن قيود الماضي وتقاليده؛ أي أن معظم المحاولًت التجديدية الناجحة في هذه المرحلة بقيت تحمل بصمات المرحلة التقليدية إلى جانب مياسم التجديد، الذي فرضته حدة المتغيرات والًضرابات السياسية والًجتماعية، والتنافس الحزبي ومحاولًت استقطاب الشعراء إلى هذه الجهة أو تلك، وشدة التأثر بالحركة الأدبية العربية عامة والشعرية خاصة، وبروز شخصية بعض الشعراء العرب الكبار في كثير من قصائد الشعراء الأردنيين، واقتفاء أثرهم في عدد من أغراض الشعر القومية والوطنية. لقد كان الأردن امتداداً لحلم قومي انبرى له الهاشميون منذ انطلاق رصاصة الثورة العربية الكبرى عام �١٩١ بيد أن مجاديف هذا الحلم تكسرت نتيجة تدخل قوى عظمى غربية أدت إلى تقسيم بلاد الشام وظهور وعد بلفور وما تبعه من هزائم جاءت على شكل نكبة ثم نكسة ثم حرب استنزاف تمكن فيها العدو من احتلال كامل فلسطين التي كانت بمنزلة التوأم للأردن، ونتيجة لتلك التداعيات تجرع المثقف الأردني الهزيمة بمرارة، لقد تجلت هزيمة الجيوش العربية في أشعار الأدباء الأردنيين وفي كتاباته السردية ومنهم: الأديب تيسير السبول الذي انتحر مضرجا بدماء العروبة التي للمرحوم الناعوري راضي صدوق تلاشت باحتلال إسرائيل لكامل أراضي الضفة الغربية، فلطالما ُو ِسم الأدب الأردني بالأدب القومي مستجيباً لهموم أمته وقضاياها العادلة، ومذ لحظتها فإن مضامين العروبة وتداعيات فقدان العرب لفلسطين هي من أبرز المضامين التي راحت تَ ِسم النص الأدبي المنتج في الأردن. ازدها ًرا ملحو ًظا في الحياة الثقافية والعمل الثقافي حينذاك، فقد اتخذ الشكل المؤسسي مستندا إلى تراكمات في العمل الثقافي الحكومي والأهلي : • عام 1962: تأسيس الجامعة الأردنية وبداية تأثيرها الكبير في الحياة الثقافية والفكرية والأدبية في الأردن. اتضح توجهها الثقافي في حثها طلبتها على الأنشطة اللامنهجية، والًنضمام إلى الأندية الثقافية المتعددة. يضاف إلى ذلك أثرها في ازدهار الحركة المسرحية، ودورها الرئيس في تنشيط المشهد الأدبي والثقافي والفكري الأردني إذ تخرج فيها شعراء وقصاص وروائيون كان لهم حضور محلي وإقليمي واضح. فإن الجامعة الأردنية تعد محطة لًلتقاء الثقافات العالمية؛ إذ يدرس فيها طلبة وافدون ينتمون إلى قرابة سبعين جنسية من مختلف أنحاء العالم، تمنحهم الجامعة فرصة الًطلاع على الثقافة الأردنية من جهة، وتمكنهم في الوقت نفسه من إبراز ثقافاتهم في أنشطة متنوعة، • عام 1964: إنشاء وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، وأنيطت بها العناية بمختلف الشؤون الثقافية والإعلامية، والفنون الشعبية والمسرحية، • عام 1966: - إنشاء دائرة الثقافة والفنون لتكون إطارا راعيا للنشاط الثقافي في المملكة، بالإضافة إلى ملء الفراغ على صعيد الخدمات الثقافية، والتعاون مع الكتاب والمثقفين والفنانين ودعم نشاطاتهم. وقد ارتبطت هذه الدائرة بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار. - وصدور أول مجلة ثقافية بعنوان "أفكار" - إنشاء المعهد الموسيقي وفرقة الفنون الشعبية و(أسرة المسرح الأردني) التي استمر نشاطها حتى • عام 1967: تأسيس جمعية المكتبات الأردنية. • عام 1968: إنشاء أول قصر للثقافة في مدينة الحسين للشباب. • عام 1970: تأسيس نادي إحياء التراث الشعبي والذي أقام المتحف الشعبي لل ُحلي والأزياء الشعبية في • عام 1973: إنشاء المركز الثقافي الملكي. • عام 1974: تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين وصدور مجلتي "صوت الجيل" و"الفنون الشعبية. " • عام 1975: إنشاء المكتبة الوطنية. • عام 1977: إنشاء وزارة الثقافة والشباب التي أسند إليها العمل الثقافي، وقامت على أساسها وزارة الثقافة لًحقا. • عام 1988: إنشاء أول وزارة للثقافة والتراث القومي. • عام 2006: إشهار مشروع المدن الثقافية الأردنية، بحيث يخصص عام ثقافي لكن مدينة أردنية (محافظة). • عام 2007 إلى 2017: تنفيذ مشروع المدن الثقافية في مختلف محافظات المملكة:  معان عام 2011 مأدبا عام 2012 عجلون عام 2013 الطفيلة عام 2014 جرش عام 2015 العقبة عام 2016 انتهاء بالمفرق عام 2017 وبذا يكون المشروع قد شمل على مدار أحد عشر عاما محافظات المملكة جميعها. ولما كان المشروع يهدف إلى نشر الثقافة في أرجاء الأردن، فقد تمثلت أهدافه المرجوة في تحقيق عدالة توزيع مكتسبات التنمية الثقافية، وتعزيز تنمية الحراك الثقافي في مدينة الثقافة والإسهام في بناء البنية التحتية للثقافة في الأقاليم والمحافظات، وتشجيع الإبداع والمبدعين والترويج للمنتج الثقافي لأبناء المحافظات، وفي المحصلة تمثل الهدف العام في جعل مدينة الثقافة أرضا خصبة للفعل اًلثقافي الدائم والفعال. كما وشرعت الوزارة في إشهار مشروع الألوية لتكون عاصمة للثقافة، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على المحافظات وذلك في محاولة لتوسيع مظلة الرعاية الثقافية في الأطراف. الحركة الشعرية في الأردن: 1- الأمير عبد الله الأول كان للأمير عبد الله بن الحسين دور بارز في النهضة الأدبية في الأردن، وذلك من خلال رعايته للشعراء والأدباء، وإقامة مجالس أدبية في بلاطه، مما ساهم في نشوء حركة شعرية وثقافية فاعلة. أه ّم جوانب دور الأمير عبد الله: • كان الأمير عبد الله شاعرا ذا ثقافة واطلاع واسعين في فنون الأدب والشعر، وحافظا لآيِ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ولعيو ِن الشعر العربي، وفي هذا السياق، يقول تيسير ظبيان: "حين كنا نستمع إليه نحس كأننا نستمع إلى روايات الأصمعي أو أبي عبيدة، ولً نعرف أصحابها. وكان يحفظ عن ظهر قلب ُمفضليات الضبي، وأغاني الأصفهاني، و ِعقد اب ِن عبد ربه". وعيسى الناعوري، وأمين أبو ال ِشعر. • وإلى جانب هؤلًء ضمت تلك المجالس أدباء من الأشقاء العرب؛ حيث وفد إلى عمان الكثير منهم، أبرزهم: فؤاد الخطيب شاعر الثورة العربية الكبرى، ومحمد أديب العامري فيرد بعضهم على بعض، وقد وصف تيسير ظبيان تلك المجالس،  تكتحل عيناي في جميع ِسني حياتي بمشاهدة مجلس أجل شأنًا وأشد هيبة وأوقع قدرا وأنبه ِذكرا وأطيب أث ًرا وأوقع في النفس وأحب إلى القلب من تلك المجالس الخاصة، التي كانت تعقد من حين لآخر في قصر رغدان أو بسمان أو المشتى برعاية الأمير عبد الله بن الحسين؛ لما كان يدور فيها من مساجلات شعرية ومطارحات أدبية ومناقشات دينية وعلمية ومحاورات سياسية على مستوى رفيع، وكان الأمير يضفي على تلك المجالس جوا من الوقار والجلال، مشو ًبا بشيء من الفكاهة والمرح"؛ وبذا كان للبلاط الأميري وهذه المجالس دور فاعل في تعزيز الحركتين الأدبية والفكرية. • وُيسجلللأميرعبداللهأنهكانيساجلالشعراءويشاركفيالنقاشاتالنقدية، وكانتتدورفيمجلسهمطارحات شعرية متنوعة تتناول شتى القضايا الشخصية والًجتماعية والوطنية • لقد كان لاحتضان بلاط الأمير عبد الله الشعراء أثر بالغ في ترسيخ التقليدية في الشعر، وأسهم الشعراء الذين انضموا إلى الثورة العربية الكبرى، أمثال فؤاد الخطيب (۱۹۵۷-۱۸۸۰)، في ولادة تجارب شعرية تمنح من أصيل الشعر العربي تجاربها الأسلوبية وطرائقها الفنية، وهو ما ظهر في شعر نديم الملاح (۱۸۹۳ - ۱۹۷۳)، وعرار (مصطفى وهبي التل) (۱۸۹۹ -۱۹٤۹) المعروف بشاعر الأردن، وحسني فريز (۱۹۰۷ -۱۹۹۰)، 2- عرار (مصطفى وهبي التل) لمع حينذاك اسم مصطفى وهبي التل "عرار"، وأصبح علما متداولً في أوساط الشعراء والكتاب كافة، ودرجت كثير من أشعاره -التي رددها في العديد من المناسبات الوطنية والًجتماعية- على لسان العامة، وذلك لبساطة أسلوبه، ولنظمه في موضوعات قومية وشعبية، ولم يغره بريق المال؛ وفي هذا الصدد، لا زيف ولا افتعال، ونفسه كانت عميقة التجاوب مع مجتمعه وحوادث وطنه والأشخاص الذين كانوا يرتبطون بهذه الحوادث". وعلى الرغم من أصالة القصائد الشعرية وتجذرها في محاكاة الشعر العربي العريق، فإن بعض الشعراء استطاع أن يظهر ملامح التجربة المحلية الخاصة، واهتمامه بالبيئة الأردنية، واتكاؤه على المفردات اللغوية الدارجة والأمثال الشعبية، كما يظهر في ديوانه "عشيات وادي اليابس"؛ إذ صاغ عرار تجربته السياسية والوطنية شعرا يحاكي الواقع ويعبر عما يعانيه الشعب العربي عامة والأردني خاصة، وعما يعانيه هو بالذات. وطرق عرار في شعره جل الأغراض الشعرية، وانحاز إلى الحب والحرية والوطن والأمة، فتلمس هموم الأردنيين وآمالهم بعاطفة صادقة، حمل هموم الناس عامة وأحزانهم وأفراحهم. ومما ميز شعر عرار توظيفه التعابير العامية القريبة من الناس في مواضع تكسب هذه التعابير قيمة جمالية فريدة. وكان عرار يعمد إلى الصور البسيطة، وألفاظه الشعبية الدارجة،