شكلت النظرية الكينزية، التي قدمها جون مينارد كينز، ثورة في الفكر الاقتصادي الحديث، جاءت كعلاج لأزمة الكساد العالمي في ثلاثينات القرن الماضي، منتقدةً التحليل الكلاسيكي وتلقائية السوق. وقد أحدثت هذه النظرية تحولاً جذرياً في فهم آليات الاقتصاد، مما دفع العديد من الاقتصاديين إلى تبنيها. نشأت النظرية الكينزية إثر فشل الفكر الكلاسيكي في تفسير أزمات الاقتصاد الرأسمالي، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى والكساد العظيم (1929-1933)، الذي شهد انهيار نظام قاعدة الذهب، وارتفاع البطالة إلى 25%، وانخفاضاً حاداً في الأسعار. استند كينز في تحليله، الذي يُعتبر أبا للاقتصاد الكلي، إلى دراسة المدى القصير مع افتراض ثبات بعض العوامل، بهدف بلورة تحاليل اقتصادية متكاملة تتناول توازن الأسواق وأسباب الاختلال. ركزت النظرية على إمكانية التوازن في حالة الاستخدام غير الكامل، واقترحت برامج حكومية لحل مشكلة البطالة. تتمحور الأفكار الجوهرية للنظرية الكينزية حول مبدأ الطلب الفعال ونظرية العمالة، حيث يرى كينز أن مستوى العمالة الكلية يتوقف على الطلب الكلي على السلع والخدمات، وأن البطالة تنتج عن عدم كفاية هذا الطلب، ولا توجد قوى تلقائية تدفع بالاقتصاد الرأسمالي نحو التشغيل الكامل. يتحدد مستوى العمالة بتلاقي دالتي العرض الكلي والطلب الكلي. يتكون الطلب الكلي أساساً من الطلب على الاستهلاك (الذي يتزايد مع الدخل بمعدل أقل من زيادته)، والطلب على الاستثمار (الذي يتوقف على توقعات الربح والكفاءة الحدية لرأس المال مقارنة بسعر الفائدة). إذا كان الطلب الكلي غير كافٍ، يحدث التوازن عند مستوى أقل من التشغيل الكامل، مسبباً البطالة، وللوصول إلى التشغيل الكامل، يجب زيادة الاستهلاك أو الاستثمار. وإذا تجاوز الطلب الكلي مستوى التشغيل الكامل، قد يحدث التضخم، وقد يظهر حتى قبل التشغيل الكامل بسبب اختناقات الإنتاج أو ارتفاع الأجور. في نظرية الاستثمار والدخل، يرى كينز أن الاستثمار هو الذي يولد الادخار من خلال تأثيره على مستوى الدخل عبر "مضاعف الاستثمار"، خلافاً للفكر الكلاسيكي. الكفاءة الحدية لرأس المال وسعر الفائدة عاملان أساسيان في تحديد حجم الاستثمار. أما نظرية تفضيل السيولة، فقد فسرت طلب الأفراد على النقود بثلاثة دوافع: المعاملات، والاحتياط، والمضاربة، واعتبرت سعر الفائدة ظاهرة نقدية تتحدد بعرض النقود والطلب عليها، خاصة بدافع المضاربة، وليس مجرد مكافأة على الادخار. عند تقييم الفكر الكينزي، تبرز فروقات جوهرية مع النظرية الكلاسيكية، أبرزها: إقرار كينز بإمكانية استقرار الاقتصاد عند مستوى بطالة (خلافاً للتشغيل الكامل التلقائي الكلاسيكي)، وضرورة تدخل الدولة لمعالجة الأزمات (بدلاً من مبدأ "دعه يعمل، دعه يمر")، واعتبار الاستثمار مولداً للادخار وليس العكس، وتفسير سعر الفائدة كظاهرة نقدية. إيجابيات الفكر الكينزي تشمل نجاحه في تفسير البطالة والكساد، وإبراز أهمية الطلب الكلي، والدعوة لتدخل الدولة الفعال، وتأسيسه للاقتصاد الكلي، وإنقاذ النظام الرأسمالي. مع ذلك، وجهت انتقادات لكينز، منها: تركيزه على المدى القصير وإهماله لمشكلات النمو الطويل الأجل، وتجاهله لجانب العرض، وافتراض ثبات الأسعار والأجور، وتجاهل ظاهرة الاحتكار، إضافة إلى أن سياساته التوسعية قد تؤدي إلى التضخم. كما أدى ظهور نظريات اقتصادية منافسة لاحقاً (كالمدرسة النقدية) إلى تطوير التحليل الاقتصادي. ختاماً، لعبت النظرية الكينزية دوراً محورياً في فهم الأزمات الاقتصادية وقدمت حلولاً عملية لها، مؤكدة أن الطلب الكلي الفعال هو المحدد الأساسي للإنتاج والتشغيل. ورغم الانتقادات، يبقى كينز مؤسساً للاقتصاد الكلي، وقد أثرت أفكاره بعمق في السياسات الاقتصادية العالمية.