وَقَفَ الأَعْرابِيُّ يَتَطَلِّعُ حَوْلَهُ حائِراً خائِفاً: في أَيِّ اتّجاهٍ يَسيرُ في هَذِهِ الصَّحْراءِ الكَبيرَةِ الغادِرَةِ لِيَصِلَ إِلَى مَضارِبِهِ؟ لَقَدْ قَضى النَّهارَ بِطولِهِ مَعَ ابْنِهِ وَهُما شارِ دانِ تائِهانِ، وَكأَنَّ الدُّنْيا قَدْ سُدَّتْ أَبْوابُها أَمامَهُما. وَفيما هُو عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ لَهُ ابْنُهُ راجِياً: رُحْماكَ! لِنَسْتَرِحْ قَليلاً، فَالجوعُ وَالعَطَشُ قَدْ هَدًا قِوايَ! اضْطَرَبَ قَلْبُ الوالِدِ المِسْكينِ، وَجَلَسَ أَرْضاً قُرْبَ ابْنِهِ وَراحَ يُخَفِّفُ عَنْهُ: فَلَوْلا العاصِفَةُ المَلْعونَةُ الَّتي هَبَّتْ عَلَيْنا بِالأَمْسِ، فَبِتُّ لا أهْتَدي إِلى طَريقٍ فيها. وَبَعْدَ ساعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ اسْتَرْجَعا قِواهُما. وَسارَ والدُهُ إِلى جانِبِهِ، ثُمَّ أَوْقَفَ ناقَتَهُ وَصاحَ بِوالِدِهِ: إِلى حَيْثُ أَشارَ ابْنُهُ، وَظَنَّ الأَمْرَ سَراباً خَدَعَ ابْنَهُ. وَلَكِنَّهُ ما لَبِثَ أَنْ لَمَحَ بَصيصاً بَعيداً فَأَدْرَكَ أَنَّ ابْنَهُ لَمْ يَكَنْ واهِماً. وَفِي الحالِ دَبَّتْ فيهِما قُوَّةُ الأَمَلِ، وَأَنْظارُهُما مُعَلَّقَةٌ بِنُقْطَةِ النّورِ البَعيدَةِ وَكَأَنَّها الخَلاصُ بَعْدَ قَليلِ طَرَقَ مَسامِعَهُما نُباحٌ راحَ يَقْتَرِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَيَسيرُ أَمامَهُما وَكَأَنَّهُ يَدُلَّهُما عَلى طَريقٍ، - لَقَدْ أَرْسَلَ أَصْحابُ النّارِ هَذا الكَلْبَ لِيَقودَنا إِلَيْهِمْ. وَتَبِعا الكَلْبَ حَتّى وَصَلا إِلى حَيِّ، وَرَحّبَ بِهِما قائلاً: - أَهْلاً وَسَهْلاً بِالضَّيْفَيْنِ الكَريمَيْنِ! تَزَلْتُمْ عَلَى الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ! وَأَقْبَلَ الأَعْرابيُّ وَابْنُهُ عَلى الرَّجُلِ وَالسَّعادَةُ تَغْمُرُ قَلْبَيْهِما. - شُكْراً وَحَمْداً لَكَ أَيُّها الرَّجُلُ الكَريمُ المِضْيافُ! فَنارُكَ أَنْقَذَتْنا مِنْ مَوْتٍ مَحْتَوْمِ! أَنا وَوَلَدي هَذا مَدينانِ لَكَ بِالحَياةِ. - أَنْتَ حاتِمٌ الطَّائيُّ؟! أَنْتَ مَنْ ضُرِبَ المَثَلُ بِكَرَمِهِ وَخَيْرِهِ وَنُبْلِ قَلْبِهِ؟ أَنْتَ مَنْ أَوْقَدَ ناراً لِيَراها مَنْ ضَلّوا طَريقَهُمْ في اللَّيْلِ فيَهْتَدوا بِها إِلَيْكَ؟. لَمْ يَكَنْ حاتِمٌ الطَّائِيُّ غَنِيًّا، إِلى أَنْ جاءَتْ سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ قَلَّ فيها الماءُ وَالعُشْبُ، في اِحْدى اللّيالي نَفِدَ الطَّعامُ مِنْ بَيْتِ حاتِمٍ، فَجَلَسَ حاتِمٌ إِلى وَلَدَيْهِ عَدِيِّ وَعَبْدِ اللهِ يُخْبِرُهُما القِصَصَ الطَّويلَةَ المُشَوِّقَةَ حَتّى ناما. وَقامَتِ الأُمُّ إِلَى ابْنِهِما سِنانِ تَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ. وَهَكَذا نامَ الأَوْلادُ الثَّلاثَةُ وَنَسوا الجوعَ وَلَوْ إِلى حينٍ. إِذْ مَضى عَلَيْهِما يَوْمانِ لَمْ يَذوقا فيهِما طَعاماً. فَعَرَفَتْ حِيلَتَهُ: كانَ يُريدُ لها أَنْ تَنامَ كَما نامَ أَوْلادُهُما حَتّى تَنْسى جوعَها، فَتَظاهَرَتْ بِالنَّومِ لِتُريحَهُ مِنْ هَمِّهِ وَمِنْ خَوْفِهِ عَلى العائِلَةِ. وَلَمّا فَتَحَ حاتِمٌ دَخَلَتْ جارَتُهُمُ البَيْتَ مَلْهوفَةً وَصاحَتْ: - أَتَيْتُكَ يا حاتِمُ أَطْلُبُ العَوْنَ. دَمَعَتْ عَيْنا حاتِمٍ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: - اذْهَبي إِلى أَوْلادِكِ وَعودي بِهِمْ إِلَيَّ. وَبَعْدَ قَليلٍ عادَتْ تَحْمِلُ وَلَدَيْنِ وَيَتْبَعُها أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ أَنْهَكَ الجوعُ قِواهُمْ جَمِيعا. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ اسْتَيْقَظَ أَوْلادُ حاتِمِ وَصاحوا بِلَوْعَةٍ: وَفي الحالِ قامَ حاتِمٌ إِلى فَرَسِهِ الأَصيلَةِ الّتي أَحَبَّها كَنَفْسِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حاتِمٌ إِلى الحَيِّ يُنادي: زَحَفَ أَهْلُ الحَيِّ إِلى بَيْتِ حاتِمِ وَأَقْبَلوا عَلى الطَّعامِ يَسُدّونَ بِهِ جوعَهُمُ الطَّاغِيَ. أَمّا حاتِمٌ فَقَدْ جَلَسَ في زاوِيَةٍ مِنَ البَيْتِ يَنْظُرُ إِلى ضُيوفِهِ بِسَعَادَةٍ. لَمْ يَذُقْ مِنَ الطَّعامِ شَيْئًا إلّا بَعْدَما أَنْهى الجَميعُ الأكلَ. فَدُفِنَ في رَأْسِ تَلَّةٍ تُشْرِفُ عَلى وادٍ ظَليلٍ يَجْري فيهِ نَهْرٌ صَغْيرٌ. وَيَسْتَظِلّونَ بِأَشْجارِ واديهِ وَيَنْعَمونَ فَتَحَلْقوا حَوْلَهُ وَراحوا يَتَناقَلونَ أَخْبارَ حاتِمٍ. وَضَحِكَ رُفَقاؤُهُ وَقالوا لَهُ: - مَن تُكَلَّمُ؟. - تَقولُ قَبيلَةُ ((طَيْءٍ) إِنَّ حاتِماً لَمْ يَأْتِهِ زائِرٌ إلَّا أَكْرَمَهُ وَأَطعَمَهُ. ثُمَّ نَزَلوا إِلى الْوادي وَناموا. وَفي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ اسْتَيْقَظَ الجَميعُ على صُراخٍ رَفيقِهِمِ الهازِلِ: - ناقَتي! ناقَتي! لَقَدْ عَقَرَ حاتِمٌ ناقَتي! رَأَيْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَبِيَدِهِ سَيْفُهُ. فَتَقَدَّمَ مِنْ ناقَتي وَعَقَرَها! أَسْرَعوا إِلى النّاقةِ فَوَجَدوها عَلى الأَرضِ تَتَمَرَّغُ أَلَماً، وَفي الصَّباحِ رَكِبَ الجَميعُ نِياقَهُمْ إلَّا صاحِبَ النَّاقَةِ المَذْبوحَةِ، وَلاحَ لَهُمْ مِنْ بَعيدٍ رَجُلْ يُقْبِلُ نَحْوَهُمْ عَلى جَمَلِهِ، أَتاني والدي هَذِهِ الَّيْلَ في المَنامِ وَقال لي: ((يا عَدِيًّ! إِنّي قَدْ ذَبَحْتُ اللَّيْلَةَ ناقَةَ أَحَدِ الشُّبّانِ النَّازِلينَ بِقَبْري لأُطْعِمَهُ وَأَصْحابَهُ. بَيْنَما تَسَمَّرَ الشُّبَّانُ في مَكانِهِمْ غَيْرَ مُصَدِّقينَ ما جَرى.