رمز المسيح في ( الذبيح الصاعد ) : لقد بينّا - في الفصل الثالث - علاقة الأسطورة بالأدب، والرموز لا تجد لها مكانا إلاَّ داخل العلاقات الاجتماعية الكثيرة. التي تسمو على كل متاع الأرض الزائل، فالأدب دوما معين لا ينضب إذا اعتمد على الأسطورة، بحيث يصبح كالمعدن المُشِع، إنّه يشعّ بحرية لا متناهية ويتأهب لِأَنْ يمدّ أشعته نحو ألف علاقة غير مؤكّدة، فهي ملجأ أو ملاذ يعطي بعدا جماليا للعمل الإبداعي " ولقد أصبح التراث بعامّة، والديني منه على وجه التحديد، يشكّل أهـم علاقات النّص الخارجية التي تتحكّم في بنيته، فكأنّ النّص يربطه رابطان : الرابط الأول يتمثل في التراث الدّيني المتحكّم في نسيجه وطريقة بنائه، فتوظيف التراث الدّيني المتعدّد هو محاولة للكتابة عن طريق التداعي في شعره، كما يبين مدى مقدرته على تحقيق رسالته يبدُ أنّ النص الشعري تحدده وتضبطه علاقة الناص بها وكذا علاقتها بالجو العام أو السياق التاريخي، وبهذا فهو يساهم في إعادة قراء كتب التراث الديني، بمنظور إبداعي جديد يتحول به النّص إلى صـدى أو تحويرأو اجترار، - الأمر الأول : طاقة الشّاعر على التوظيف : إذ بإمكانه أن يجعل حدث أو الواقعة أو الشخصية الدّينية رمزا استلهاميا يرمز به لأبعاد مختلفة الجوانب . الأمر الثاني : مدى مناسبة تلك الشخصية أو تلك الأحداث والوقائع للموضوع المطروق، الذي يرى نفسه هو المخلّص لبني وطنه من و لئن كان (مفدي) قد تربّى تربية دينية محافظة (إسلامية) بمسقط رأسه بوتي (ميزاب)، فهذا لا يعني أنه لا يتعدّى مرجعيّته الدّينية المحافظة، بل تجاوزها إلى مرجعيات دينية أخرى. ثم يعطيه بعدا جديدا يمتزج فيه القديم بالجديد والحاضر بالماضي، وما يقدمه الشّهيد الجزائري فداء لبلده وأمّته . فهو يصوّر كيف قام ( زبانا ) مثل المسيح لمّا تقدّم إلى الّذين يريدون صلبه عاريا، ووضعوا إكليلا من الشوك على رأسه، لأنّ المسيح علّق بالصليب والشهيد ( زبانا ) صعد المقصلة، وهذا نوع من التجانس في وحدة المصيـر : أي المسيح سمّر على الصليب (علاقة تشاكل) و زبانا سمّر على المقصلة (علاقة تشاكل) ظُلم من قبل الأعداء وكذا المسيح وزبانا . وكانّ مفدي يذكّرنا بقصيدة السياب : " المسيح بعد الصّلب "(7) وقصيدة : " غريب عن الخليج . إذ تمثل السيّاب هناك فكرة البعث " بالموت والشّهادة والانتصار بالفعل النفسي والفكري، إذ خيّل للقوم وشبّه لهم موته، فكأنّه جارى في ذلك على أسلوب القرآن، بعد أن تولّى عنه مضطهدوه وخلّفوه وحيدا. " فهذا المسيح هو السياب الذي. أُرهب وصُلب وقُتل ومُثِّلَ به، فلم تقو عليه حراب الطغيان ولا الخل والحنظل، ولا قبل لمضطهديه وحرابهم بإصابتها واستلابها، وقوى الظلام والموت وأبواب الجحيم كّلها لا تقوى عليها، الفكرة التي اضطهد وشرّد بها لا تنزح بنزوحه ولا تستسلم باستسلامه ولا تموت بموته . إنّ حسن استغلال ( مفدي ) للمادة الدّينية الموروثة، وجاعلُ الذينَ اتّبعوك فوقَ الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثمّ إليّ مرجعكم فأحكمُ بينكم فيما كنثُم فيه تختلفون " . و قال تعالى : " وقولُهم إنّا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ، وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا ". ثم إنّ عيسى المسيح في الخلق مثل آدم قال تعالى : " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم ثم قال له : كن فيكون ". لم يصلب : " وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله . - أُرسل بالإنجيل: " وقفينّا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدِّقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدّقا لما بين يديه من الثوراة وهدى وموعظة