باب : بيان شيء من أنواع السحرقال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال : «إنقوله : باب بيان شيء من أنواع السحر .وقد سبق أن السحر ينقسم إلى قسمين: كفر، فإن كانباستخدام الشياطين، وما أشبه ذلك فهو كفر.حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية .والأنواع : جمع نوع، والنوع أخص من الجنس ؛ لأن الجنس اسم يدخل تحته، وقد يكون الجنس نوعاً باعتبار ما فوقه، وقد يكون النوع جنساً باعتبار ما تحته .فالإنسان نوع باعتبار الحيوان والحيوان باعتبار الإنسان جنس؛ لأنالجسم يشمل الحيوان والجماد .وأنواع هنا باعتبار الجنس العام .وسبق أن السحر في اللغة : كل ما كان خفي السبب دقيقاً في إدراكهحتى عد الفخر الرازي من جملة أنواع السحر الساعات، وهي في القديم عبارة عن آلات مركبة، فكيف بالساعات الالكترونية اليوم ؟!العيافه والطرق والطير من الجبت قال عوف : العيافة زجر الطير،قوله : «العيافة»مصدر عاف يعيف عيافة وهي زجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل .عند العرب، كما قال أهل العلم في باب الصيد إن تعليم الطير بأن ينزجرإذا زجر؛ فهذا ليس من هذا الباب . وتارة يزجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل . فإذا زجر الطائر وذهب شمالا تشاءم، أو فهذا من الجبت.فسره عوف بأنه الخط يخط في الأرض، وكأنه من الطريق من طرق الأرض يطرقها إذا سار عليها، وتخطيطها مثل المشي عليها يكون له أثر في الأرض كأثر السير عليها .ومعنى الخط بالأرض معروف عندهم، يضربون به على الرمل على سبيل السحر والكهانة، ويفعله النساء غالباً، والله أعلم بكيفيتها، وتقول حصل كذاأو سيحصل كذا على ما هو معروف عندهم، أما خط الأرض ليكون سترة في الصلاة، أو لبيان حدودها ونحو ذلك،فليس داخلاً في الحديث .فإن قيل قد صح عن الرسول ﷺ أنه سئل عن نبي من الأنبياء يخطفقال : من وافق خطه فذاك .ويجاب عنه بجوابين :الأول : أن الرسول ﷺ علقه بأمر لا يمكن الحصول عليه؛الثاني : أنه إذا كان الخط بالوحي من الله تعالى كما في حال هذا النبي فلا بأس به ؛ لأن الله يجعل له علامة ينزل الوحي بها بخطوط يعلمه إياها .أما هذه الخطوط السحرية فهي من الوحي الشيطاني، فإن قيل طريقة الرسول ﷺ أنه يسد الأبواب جميعا خاصة في موضوع الشرك، فلماذا لم يقطع ويسد هذا الباب؟ فالجواب :كان هذا والله أعلم أمر معلوم ، وهو أن فيه نبياً من الأنبياء يخط،سبق أن الجبت السحر، قوله : «والطيرة» : أي : من الجبت على وزن فعلة وهي اسم مصدر تطير، والمصدر منه تطير وهي التشاؤم بمرئي أو مسموع ، وقيل : التشاؤم بمعلوم مرئيا كان أو مسموعاً، وهذا أشمل، فيشمل ما لا يرى ولا يسمعكالتطير بالزمان . وأصل التطير: التشاؤم لكن أضيفت إلى الطير؛ لأن غالب التشاؤم عند فعلقت به وإلا فإن تعريفها العام : التشاؤم بمرئي أو مسموع . وكان العرب يتشاءمون بالطير وبالزمان وبالمكان وبالأشخاص، وهذامن الشرك كما قال النبي .والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم ؛ فإنها تضيق عليه الدنيا،وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، وقال اليوم يوم سوء، ولم يبع ولم يشتر والعياذ بالله - وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول : إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، وقد نقضت عائشة رضي الله عنها هذا التشاؤم، بأنه عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال، لأنه ينكد عليهعيشه، فالواجب الاقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يعجبه الفأل . فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير ولا يتشاءم ، وحاول مرة بعد أخرى حتى يفتح الله عليك .قوله : من الجبت قال الحسن الجبت رنة الشيطان. قال صاحبتيسير العزيز الحميد .وجه ذلك : أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له، فماذا يعني كون الطائر يذهب يميناً أو شمالاً أو أماماً أو خلفاً فهذا لا أصل له، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك، فقد اعتمد على أمر خفي، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة ) .إليه . وكذلك الطرق من السحر؛ لأنهم يستعملونه في السحر، ويتوصلون بهوالطيرة كذلك ؛ لأنها مثل العيافة تماماً تستند إلى أمر خفي لا يصح الاعتماد عليه، وسيأتي في باب الطيرة ما يستثنى منه .قوله : إسناده جيد . . . . . قال الشيخ : إسناده جيد، وعندي أنه أقل من الجيد في الواقع، إلا أن وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ : «مناقتبس شعبةيكون هناك متابعات، وكان بعض العلماء يذهب إلى أن الحديث إذا صح متنه، وكان موافقاً للأصول، فإنه يتساهل في سنده، والعكس بالعكس، إذا كان مخالفاً للأصول ؛ فإنه لا يبالي بالسند، وهذا مسلك جيد بالنسبة لأخذ الحكم من الحديث، هذا مشكل ؛ فأنا أرى أن مثل هذا لا يحكم له بالجود، إذ جيد أرقى من حسن، لأنه ينبغي لنا أن نتحرى في الحديث عن الرسول ،الجواب : كلاهما مهمان، لكن المتن إذا كان صحيحاً تشهد له الأصول قد تستغنى عنه، أما السند فلابد منه يقول ابن المبارك : لولا السند القال كل من شاء ما شاء ) .قوله : «من» شرطية وفعل الشرط «اقتبس وجوابه فقد اقتبس». قوله : «اقتبس أي : تعلم . لأن التعلم وهو أخذ الطالب من العالم شيئا من علمه بمنزلة الرجل يقتبس من صاحب النار شعلة .قوله : «شعبة أي طائفة ومنه قوله تعالى: (وجعلناكم شعوباوقبائل ) أي طوائف وقبائل من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد رواه أبوداودقوله : من النجوم : المراد علم النجوم وليس المراد النجوم أنفسها ؛ لأن النجوم لا يمكن أن تقتبس وتتعلم. والمراد به هنا علم النجوم الذي يستدل به على الحوادث الأرضية . فيستدل مثلا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني علىأنه سيحدث كذا وكذا . وفي هذا النجم الآخر على أنه سيكون شقيا فيستدلون باختلاف أحوال النجوم على اختلاف الحوادث الأرضية، ولهذا جاء في حديث زيد بن خالد الجهني في غزوة الحديبية قال : صلى بنا رسول الله ذات ليلة على أثر سماء من الليل فقال : قال الله تعالى : «أصبح ومن قال ومنه نأخذ خطأ العوام الذين يقولون : إذا هبت الريح طلع النجم الفلاني ؛ لأن النجوم لا تأثير لها بالرياح، صحيح أن بعض الأوقات والفصول يكون فيها ريح ومطر، فهي ظرف لهما، وليست سبباً للريح أو المطر. وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين :الأول : علم التأثير وهو ما يستدل به على الحوادث الأرضية، فهذا محرمباطل لقول النبي ﷺ : من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ) وقوله في حديث زيد بن خالد: من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب لأنه لا علاقة بينها وبين الحوادث الأرضية . الثاني: علم التسيير، وهو ما يستدل به على الجهات والأوقات، فهذا وقد يكون واجباً أحيانا، كما قال الفقهاء : إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم والشمس والقمر، قال تعالى : وألقينا في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون) فلما ذكر الله العلامات الأرضية انتقل إلى العلامات السماوية فقال تعالى : وعلامات وبالنجم هم يهتدون) . ودخل وقت الربيع .قوله : فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد : المراد بالسحر هنا : ما هو أعم من السحر المعروف؛ لأن هذا من الاستدلال بالأمور الخفية التي لا حقيقة لها، وهكذا اختلاف النجوم لا تتغير بها الأحوال .فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه .أي كلما زاد شعبة من تعلم النجوم ازداد شعبة من السحر.ووجه ذلك : أن الشيء إذا كان من الشيء فإنه يزداد بزيادته .وجه مناسبة الحديث لترجمة المؤلف :أن من أنواع السحر تعلم النجوم ليستدل بها على الحوادث الأرضية .قوله : من عقد عقدة :«من» شرطية، والعقد معروف .قوله : «ثم نفث فيها : النفث النفخ بريق خفيف، والنفث من أجل السحر. أما لو عقد عقدة، ثم نفث فيها من أجل أن تحتكم بالرطوبة فليس بداخل في الحديث، والنفث من أجل السحر يفعلونه بعض الأحيان للصرف فيصرفون به الرجل عن زوجته، ولا سيما عند عقد النكاح فيبعد الرجل عن زوجته فلا يقوى على جماعها، فمن عقد هذه العقدة فقد وقع في السحر كما قالتعالى : ومن شر النفاثات في العقد .قوله : ومن سحر فقد أشرك : «من» هذه شرطية وفعل الشرط «سحر»وقوله : «فقد أشرك .هذا لا يتناول جميع السحر إنما من سحر بالطرق الشيطانية . لكن الذي يسحر بواسطة طاعة الشياطين واستخدامهم فيما يريد،قوله : ومن تعلق شيئا وكل إليه .تعلق شيئا : أي استمسك به واعتمد عليه .وكل إليه : أي جعل هذا الشيء الذي تعلق به عماداً له، ووكله الله إليه،وتخلى عنه . فيُوكل إلى هذا الشيء المحرم .ووجه آخر وهو أن من الناس من إذا سحر عن طريق النفخ بالعقدذهب إلى السحرة، وتعلق بهم، ولا يذهب إلى القراءات والأدوية المباحةوالأدعية المشروعة، ومن توكل على الله كفاه قال تعالى : ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ) وإذا كان الله حسبك فلابد أن تصل إلى ما تريد. ومن وكل إلى شيء من المخلوقين وكل إلى ضعف وعجز وعورة، وقد يشمل الحديث من اعتمد على نفسه، وصار معجباً بما يقول ويفعل، ولهذا ينبغي أن تكون دائماً متعلقاً بالله في كل أفعالك وأحوالك حتى في أهون الأمور.ونقول للإنسان: اعتمد على نفسك بالنسبة للناس، فلا تسألهم ولا تستذل أمامهما واستغن عنهم ما استطعت، أما بالنسبة الله فلا تستغن عنه، بل كن دائماً معتمداً على ربك حتى تتيسر لك الأمور، وسلكوا السبل الشرعية حصل لهم ما يريدون ومن هذا النوع أيضاً من تعلق شيئاً من هذه القبور، وجعلها ملجأه ومغيثه عند طلب الأمور، ولكن هذا المطلوب الذي حصل حصل عند دعائهم لا بدعائهم،والآية صريحة . قال تعالى : ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة .أن هؤلاء الذين يتعلقون بالسحر،مآربهم يوكلون إلى ذلك، وآخر أمرهم الخسارة والندم .العضه؟ هي النميمة : القالة بين الناس» . والغرض تنبيه المخاطب والاعتناء بما يلقىإليه لأهميته .قوله : «هل أنبئكم ما العضه :تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) .لأن الإنسان مشتاق إلى العلوم يجب أن يعلم، وقد يكون المراد به التنبيه ؛ لأن الموجه إليه الخطاب ينبغي أن ينتبه ليعلم وهي تصلح للجميع .ومعنى أنبئكم : أخبركم وهي مرادفة للخبر في اصطلاح المحدثين. من ناحية اللغة لا الاصطلاح : أن الإنباء لغة يكون في الأمور الهامة، والإخبار أعم منه يكون في الهامة وغير الهامة . والعضه بمعنىالقطع، وأياً كان فإنها تتضمن قطعاً وتفريقاً .فعيلة بمعنى مفعولة وهي من تم الحديث إلى غيره أي نقله، فيأتي لفلان ويقول : فلان يسبك، ونقله، فإن كان كاذبا فهو بهت ونميمة، فتنقلب هذه المودة إلى عداوة، فيحصل التفرق، وهذا يشبه السحر بالتفريق ؛ لأن السحر فيه تفريق قال تعالى : فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) .والنميمة من كبائر الذنوب، وهي سبب لعذاب القبر، ولاوهي أيضا سبب من أسباب فساد المجتمع ؛ لأن هذا النمام إذا أراد أن.من البيان السحرا .يسلط على كل صديقين متحابين، ويفرق بينهما بنميمته فسد المجتمع ؛ فإذا تفرقت صار كما قال الله عز وجل : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) وإذا لم يكن المجتمع كإنسان واحد فإنه لا يمكن أن يكون مجتمعاً،لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا و«من» يحتمل أن تكون ويحتمل أن تكون لبيان الجنس.قوله : «السحرا» :اللام للتوكيد و«سحرا» اسم إن . والبيان: هو الفصاحة والبلاغة،تعالى : خلق الإنسان علمه البيان) . والبيان نوعان :الأول : بيان ما لابد منه، وإذا عطش قال إني عطشت وهكذا .وهي التي قال فيها الرسول ﷺ : «إن من البيان لسحرا» . وعلى هذا التقسيم تكون «من» للتبعيض أي بعض البيان - وهو البيان الكامل الذي هو الفصاحة - سحرا .أما إذا جعلنا البيان بمعنى الفصاحة فقط صارت «من» لبيان الجنس . فيصرفه أو يعطفه، فيظن السامع أن هذا الحق باطل، يسحر السامع حقاً، ولفصاحته وبيانه يظن السامع أن هذا الحق باطل، فينصرف عنه، وهذا من السحر الذي يسمونه العطف والصرف والبيان يحصل به عطف وصرف فالبيان في الحقيقة بمعنى الفصاحة، ولا شك أنها تفعل فعل السحر، وابن القيم يقول عن الحور: حديثها السحر الحلال . وهل هذا على سبيل الذم ، أو لبيانالواقع ثم ينظر إلى أثره؟ الجواب : الأخير هو المراد فالبيان من حيث هو بيان، لا يمدح عليه، فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم ؛ لأنه استعمال لنعمة الله في معصيته، وإذا كان البيان يستعمل في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله فهو خير من العي، فهذا لا خير فيه والعي خير منه، والبيان لا شك أنه