حيث إن المتعلم حين يلج أول مرة المدرسة يُصدم بلغة جديدة لا علاقة لها بلغته الأم أي العامية التي يتكلم بها مع ذويه في البيت والحي. ولكن هل حقا التدريس باللهجة العامية هو الحل السحري لأزمة التعليم بوطننا؟ إن العامية مجرد لهجة شعبية يتواصل بها العوام، ولقد حاول الرواد الأوائل للدعوة إلى العامية إقناع الناس بأن الاختلاف بين لغتي الحديث والكتابة هو سبب ضعف مستوى التعليم في البلاد العربية، ناسين أن العامية قاصرة عن التعبير في الكتابة. ثم إنهم دعوا إلى تعليم العامية في المدارس كي يسهل على الناس كلهم التواصل بالعامية كتابيًّا، إن الغرض الظاهر الذي كان يقدمه دعاة العامية هو تنبيه الأمة العربية إلى سبب التخلف عن ركب الحضارة الحديثة، ومن يتأمل تواريخ صدور الكتب الأولى لدراسة العاميات في الوطن العربي وأصحابها يتضح له أن الدعوة إلى العامية اقترنت بالغزو الاستعماري للعالم العربي، إن الهدف الخفي للدعوة إلى العامية هو قطع صلة الإنسان العربي بكل ما يتصل باللغة العربية من حضارة وآداب وثقافة بصفة عامة، وقد تبنى هذه الفكرة جماعة من المفكرين العرب فيما بعد، ومازالت الدعوة إلى العامية تظهر وتختفي، ومازال أصحابها يتذرعون بالأفكار نفسها التي صاغها المستشرقون رواد الدعوة إلى العامية. فإذا كان دعاة العامية يقولون إن على التعليم أن يعلم باللغة الأم؛ فالعامية العربية ليست اللغة الأم للعرب جميعهم، فالعامية العربية ليست عامية واحدة بل عاميات متعددة حتى في البلد الواحد، ثم إن أردنا تطبيق هذه الدعوة بعدالة فينبغي أن نعلم كل متعلم بعاميته، إذن ما الأحسن؛ التي قد لا تتجاوز قبيلته أو بلدته؟ فقط؟ إن الدعوة إلى العامية هي دعوة إلى التقوقع والانغلاق على الذات وهي دعوة إلى تمزيق أوصال الوحدة الثقافية في العالم العربي. الأمور اهتماما فإن مالها الفشل فمعالجة هذه المشكلات هي أن بناء تعليم وطني قوي. أما لغة التدريس فإن التفريط في اللغة الفصحى هو استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير فالفصحى ليست لغة تواصل فحسب بل هي لغة ثقافة وعلم وحضارة لا بد من العض في غمرة البحث عن العوامل التي سببت ضعف المستوى التعليمي في المغرب، وقد فات هؤلاء أن ضعف المستوى المعرفي ليس خاصا بالمواد التي تدرس بالفصحى، وإنما هو ضعف عام يشمل كل المواد الدراسية، ذلك بأن قياس العربية على اللاتينية وتوقع أن يكون لها المصير نفسه، أما عن وجود العامية إلى جانب الفصحى، فتلك ظاهرة لغوية عرفتها كل اللغات منذ زمن سحيق. وفي جميع البيئات اللغوية تتعايش لغات العلم والأدب مع لغات عامية يتداولها الناس، الفئات الاجتماعية وغيرها، وبهذا تكون الفصحى بما فيها من دقة في التعبير ودقة في دلالات الألفاظ. وتكون العامية لغة الناس في الأسواق، تتأسس على خطأ معرفي كبير هو توهم تكافؤ العامية مع الفصحى، دقيقة في معانيها، إن من الحقائق التي تغيب عمن لم يتمرس بالعربية ولم يعرف أسرارها هو أن الكلمة ذات دلالة دقيقة محددة، فكلمة "قعد أو كلمة "جلس" مثلاً لا تستويان عند بعض اللغويين فالجلوس يكون عن تمدد على الأرض، بينما يكون القعود بعد الوقوف. إن مما لا شك فيه أنه لا تصح المقارنة بين الفصحى والعاميات الكثيرة المسئلة منها أساسا، لأن أي لغة لم تخدم ولم يُشتغل عليها بمثل ما حظيت به العربية. ومدرسة الكوفة، وفي الشعر الشعبي الملحون قصائد جياد عرفت بفضائل الأخلاق،