هذا هو التعليل عند ابن عاشور باعتباره منطلقا نظريا أسس نظرية المقاصد عنده، لأن البحث في المقاصد يتأسس على الموقف الذي يكونه الباحث إزاء التعليل انشغل ابن عاشور انبناء على موقفه من التعليل بعلل الأحكام عند تفسيره النصوص الشريعة وبحثه في أحكامها.تلك هي أبرز المفاهيم التي أسست الموقف الفلسفي التشريعي العام في نظرية ابن عاشور للمقاصد الشرعية. فالفطرة مفهوم لعب دورا تأسيسيا في بناء النظرية، فبعد مطابقته للشرع أصولاً وفروعا قامت كل المقاصد الشرعية عليه بما في ذلك كلي كلياتها وهو جلب المصالح ودرء المفاسد، وصلح بذلك استثماره في فقه الاجتهاد تعقلاً للمقاصد واستنباطا للأحكام. أما مفهوم المصلحة فقد تميزت دراسته بخصوصية نظرية كيفت البحث المصلحي، وثانيا في بيان جلب المصالحودرء المفاسد في مظهري ضبط الحقوق في المعاملات ورفع التعارض بين المصالح فيها، وثالثا في تحقيق القول في المصلحة المقصودة شرعًا. وأما التعليل فهو أحد المواقف المنهجية التي تجعل من التفكير في الشريعة داخل النظرية، تفكيرا عقلانيا، أولاً لأنه أحد إمكانيات حل مشكلة تناهي النصوص ولا تناهي الحوادث وثانيًا لأنه وسيلة في إدراك خاصية الضبط والتحديد. والحاصل أنه ثوى خلف كل مفهوم من المفاهيم السابقة طبيعة تأسيسية مستقلة وجهت خصوصية دوره في تشكيل النظرية.لكن بناء نظرية المقاصد لا يتوقف على زمرة من المواقف الفلسفية التشريعية فحسب، بل يستند على طرق وتقنيات في إثبات مقتضياتها. تدل لوازم تلك المواقف إزاء الفطرة والمصلحة والتعليل، على ضرورة الكشف عن الوسائل التي تعتمد في إثبات المقاصد الشرعية، بعبارة إذا مثلث المواقف السابقة البناء الفكري للنظرية فإن تلك الوسائل ترسم البناء المنهجي لنظرية المقاصد عند الإمام ابن عاشور، وهو ما سنفصل فيه القول في الفصل الثاني من هذا الباب.