تعريف المنظمات الدولية وأنوعهالقد تعددت التعريفات التي أطلقت على المنظمة الدولية، إلا أنها تتفق فيما بينها حول العناصر المكونة لها وهي الصفة الدولية والإرادة الذاتية والاستمرارية.ويمكن تعريف المنظمة الدولية بأنها هيئة دائمة لها إرادة ذاتية مستقلة يتم التعبير عنها في المجتمع الدولي، وفي مواجهة الدول الأعضاء تقوم على أساس التعامل الاختياري بين الدول في مجال أو مجالات يحددها الاتفاق المنشئ لها، وتباشر الاختصاصات التي يتضمنها ميثاق إنشائها بواسطة أجهزة دائمة خاصة 1. الصفة الدوليةيشترط أن يكون أعضاء المنظمات الدولية دولاً مستقلة، وليس هيئات بين الأفراد أو هيئات غير حكومية خاصة أو عامة كالشركات الخاصة والهيئات الخيرية التي تنشأ من دول مختلفة مثل الصليب الأحمر الدولي والاتحاد البرلماني الدولي التي تخضع للقانون الداخلي، ولا تدخل في مجال دراستنا.ووجود المنظمة يستند إلى إتفاقية دولية مكتوبة - تسمى دستوراً أو نظاماً أساسياً أو ميثاقاً أو معاهدة يتم إبرامها بين دول ذات سيادة وتحدد هذه الاتفاقية أهداف واختصاصات المنظمة وأجهزتها الدخول إلى المنظمة أجباري وليس -والاتفاقية الدولية المنشأة للمنظمة هي تعبير عن موافقة الدول الاختيارية المكونة لها، لذلك فإن اتحاد إرادات الدول حول نشأة المنظمة وأهدافها ومبادئها واختصاصاتها وأسلوب عملها أمر لازم لقيامها.وقد جرى العمل في الأمم المتحدة على التمييز بين المنظمات الدولية الحكومية والمنظمات الدولية غير الحكومية، ولا تمثل فيها حكومات الدول،ومن أمثلة المنظمات الدولية غير الحكومية، اتحاد الحقوقيين العرب واتحاد المحامين العرب، والاتحاد الدولي للمحامين وغيرها من الاتحادات التي تتمتع بالشخصية المعنوية الخاضعة للقانون الداخلي لدولة ما أو لعدة دول ومع ذلك فأن المنظمات الدولية الحكومية تسمح بالعضوية الاستثنائية للمنظمات غير الحكومية والأقاليم التي لا تتمتع بالاستقلال والسيادة الكاملين مثال ذلك أن ميثاق عصبة الأمم (م25) وميثاق الأمم المتحدة (م71) يسمحان بإقامة تعاون مع منظمات الصليب الأحمر الوطنية كما أجيز للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التشاور مع الهيئات غير الحكومية إذا رأي ذلك مناسباً.كما أن بعض الأقاليم كانت تتمتع بعضوية المنظمات الدولية، بالرغم من عدم تمتعها بصفة الدولة، مثال ذلك إقليم تريستا - على الحدود الإيطالية اليوغسلافية الخاضع لإدارة هاتين الدولتين، والذي كان يتمتع بعضوية المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي خلال الفترة من (1947) - 1954)، وكذلك إقليم السارك الذي كان يتمتع بنظام خاص قبل إعلان سكانه رغبتهم في العودة إلي ألمانيا سنة 1956 حيث كان هذا الإقليم خلال الفترة من (1950) - 1956) عضواً في مجلس أوربا فضلاً عن قبول بعض الأقاليم غير المستقلة كأعضاء منتسبين في العديد من المنظمات المتخصصة.كما تمنح بعض المنظمات الدولية العضوية للأفراد، كمحكمة العدل الدولية التي يتكون قضاتها من الأشخاص المشهود لهم بالكفاءة (م/ 2 من النظام الأساسي للمحكمة) وقد تقرر مواثيق بعض المنظمات الدولية أن يكون نسبة معينة من الممثلين غير حكوميين، كاشتراك العمال وأرباب العمال في عضوية المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية، فالتمثيل ليس قاصراً على الدول وحدها.وتكتسب المنظمة الصفة الدولية، بغض النظر عن عدد الدول الأعضاء فيها، جامعة الدولة العربية لا يتعدى أعضاؤه العشرون دولة ومع ذلك فهي منظمة دولية.وتمتع المنظمة بالصفة الدولية لا يعطيها مركزاً متميزاً، وسلطات عليا فوق سلطات الدول الأعضاء، فهي منظمات بين الدول وليست فوق الدول.2 الإرادة الذاتية :إن ما يميز المنظمة الدولية عن المؤتمرات الدولية التي تعقد بين الدول هو أن المؤتمر الدولي أسلوب لتنسيق العلاقات بين الدول، وأن ما يصدر عنه من قرارات لا تلزم إلا الدول التي وافقت عليها، وبالتالي فأن القرارات الصادرة عنه لا تستمد قوتها الملزمة إلا من إرادة الدول المشتركة فيها، وبالشروط والكيفية التي قررتها عند موافقتها عليها، أما المنظمة الدولية فإنها تتمتع بإرادة ذاتية ناتجة عن الشخصية القانونية التي منحتها لها الدول المنشئة لها، تمكنها من المحدد لها () التعبير عنها وفق القواعد التي يقررها الميثاق المنشئ لها وفي نطاق الاختصاصفالمنظمة الدولية تتمتع بإرادة ذاتية مستقلة ومتميزة عن إرادات الدول الأعضاء، لأن إرادات الدول الأعضاء في المنظمة اشتركت في تكوين إرادة جديدة مستقلة ومتميزة عن إرادتهم، وهي إرادة المنظمة التي تنسب إلي كل الدول الأعضاء، مما يؤدي إلي التزام الدول الأعضاء بالقرارات الصادرة عن المنظمة متى توافرت شروط صحتها، كما أن صدور القرارات بالإجماع أو بالأغلبية البسيطة أو الأغلبية المطلقة عن المنظمة ما هي إلا وسيلة لتحقيق الإرادة الذاتية للمنظمة وتعبير عن إرادتها المنفصلة عن إرادة الدول الأعضاء لأنها تصدر باسم المنظمة، وتنصرف أثارها إلى الدول الأعضاء فيها، والنظام القانوني الدولي لا يعترف الا بإرادة المنظمة ولا يرتب أي أثر قانوني إلا على ما يصدر عنها من قرارات أو توصيات فهو لا يعترف بإرادات الدول المكونة لها.العنصر الثالث الواجب توفره لقيام المنظمة الدولية، وهو ما يميزها عن المؤتمرات التي تعقد بصفة عارضة، أو تكون دورية، لكنها تنعقد لبحث موضوع معين ثم تنفض في حين أن المنظمة الدولية تنشأ بصفة دائمه دون تحديد مدة أو تحديد مدة طويلة قابلة للتجديد لتحقيق الأهداف المنصوص عليها في ميثاق إنشائها عن طريق الأجهزة الملحقة بها.واشتراط استمرارية المنظمة قصد به رعاية المصالح المشتركة والمستمرة لأعضائها، كما أن هذا الاستمرار هو وحده الكفيل بتحقيق استقلال المنظمة في مواجهة أعضائها بعكس الحال أن لم تكن مستمرة فإنها تظل مرتبطة بإرادة الدول بالنسبة لكل تصرف يصدر عنها، وهو ما يتنافي مع عنصر أساسي في المنظمة الدولية وهو عنصر الإرادة الذاتية وهكذا فإن المنظمة تستمر طالما ظلت هذه المصالح قائمة وتوافرت لدى الدول الأعضاء القناعة بضرورة استمرارها .الفصل الثانيانواع المنظمات الدوليةيتسم العصر الذي نعيشه بتعدد المنظمات الدولية وتنوعها تبعاً لاختلاف الميادين التي تعمل بها، ولذلك فهي تتعدد بتعدد الزوايا التي ينظر منها إلي المنظمة، أو إلى نطاق العضوية فيها، أو إلي أهداف المنظمة وسنتولى1 معيار السلطات :يمكن تقسيم المنظمات الدولية تبعاً لما تتمتع به المنظمة الدولية من سلطات،من أمثلة الأولى المنظمات التي بإمكانها إصدار قرارات ملزمة للدول الأعضاء وتمارس جزءاً من اختصاصات السيادة لهذه الدول قرارات مجلس الأمن في أحوال تهديد الأمن ووقوع العدوان - أحكام محكمة العدل الدولية) أو التي تتمتع بسلطات ذاتية تباشرها دون أن تحل محل الأجهزة في الدول الأعضاء، أو أنها تحل محل تلك الأجهزة المختصة بالتشريع والتنفيذ والقضاء في الدول الأعضاء (سلطات مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات عسكرية في حالة وقوع عدوان والمنظمات فوق الوطنية، ومن أمثلتها الاتحاد الأوروبي، كما سيتضح عند دراستنا للتنظيم الإقليمي الأوروبي.ويري بعض الفقهاء بأن مثل هذه المنظمات تقترب من أشكال الاتحادات الفدرالية.أما الثانية فهي التي لا تتمتع بأي سلطة حقيقية في مواجهة الدول الأعضاء، وإنما يقتصر دورها في تبادل المعلومات ونشرها وإجراء البحوث والتعبير عن رغبات أو أراء الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية)، فدورها يقتصر على تحقيق التعاون بين الدول لذلك يطلق عليها اسم منظمات تعاون 2 معيار العضوية :يمكن تقسيم المنظمات الدولية بالاستناد إلي معيار العضوية إلى منظمات دولية عالمية ومنظمات إقليمية.فالمنظمات العالمية، العضوية فيها مفتوحة لكل الدول دون تمييز أعمالاً لمبدأ المساواة في السيادة طالما توفرت في الدولة طالبة الانضمام الشروط التي يتطلبها ميثاق المنظمة منظمة الأمم المتحدة ومع ذلك فإن كل الدول لا تستطيع أن تتمتع بعضوية هذه المنظمات الأسباب ترجع إما إلي خضوعها للاستعمار الذي حرمها من التعبير عن نفسها، وبالتالي عدم حصولها على الاستقلال، وإما لعدم توافر الشروط التي اشترطها الميثاق لانضمام الدول المستقلة، حلف الأطلس -حلف وأرسو) أو إلي رابطة إقليمية جغرافية، بحيث لا يتمتع بعضويتها إلا الدول التي تقع في إطار إقليم أو قارة معينة وتتوفر فيها شروط الانضمام (جامعة الدول العربية السوق الأوروبية المشتركة - منظمة الوحدة الإفريقية - منظمة الدول الأمريكية).وقد تكون المنظمات ذات موارد ومصالح معينة، وهنا تكون العضويةقاصرة على تلك الدول التي لها هذه الموارد والمصالح المشتركة، كمنظمة الدول المصدرة للنفط بينما يري البعض بأن فكرة الإقليمية فرضت نفسها على ظاهرة التنظيم الدولي إلى جانب فكرة العالمية،وميثاق الأمم المتحدة على عكس عهد عصبة الأمم أتاح للدول التي ترتبط بعضها بالبعض الآخر برابطة إقليمية من أي نوع أن تنشئ فيما بينها منتظماً إقليمياً، لمعالجة الأمور المتعلقة بحرية السلم والأمن الدوليين بما لا يتعارض ومقاصد الأمم المتحدة (م/ 52 من الميثاق)كما أن نفس المادة - الفقرة الثانية - دعت الدول الأعضاء إلى بذل كل جهد لتدبير الحل السلمي للمنازعات المحلية عن طريق المنظمات الإقليمية قبل عرضها على مجلس الأمن.وفقاً لهذا المعيار يمكن تقسيم المنظمات الدولية إلى منظمات دولية ذات أهداف عامة، ومنظمات دولية متخصصة.فالأولى تمارس اختصاصات تغطي كافة الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع الدولي، فأهدافها متعددة كما هو الحال بالنسبة لعصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية.أما الثانية فيقتصر نشاطها على نوع معين من أنواع النشاط كما هو الحالبالنسبة لأغلب الوكالات الدولية المتخصصة المرتبطة بالأمم المتحدة.ويمكن تقسيم المنظمات الدولية المتخصصة إلى منظمات عاملة في المجال الاقتصادي والمالي: البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي، وفي مجال الاتصالات اتحاد البريد الدولي والاتحاد الدولي للمواصلات السلكية واللاسلكية، وفي مجال العمل والصحة منظمة العمل الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية.كما يمكن تقسيم المنظمات الإقليمية في المجال العلمي إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وفي المجال الاقتصادي السوق الأوروبية المشتركة ومنظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) والواقع أن المنظمات الدولية على اختلافها تشترك في الغالب في خصيصة واحدة، وهي استهداف تنظيم العلاقات الدولية وتحقيق التعاون الدولي بين جميع الدول،