قيمة اللغة العربية في حفظ كيان الأمم *إِنَّ أَرْضَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَانَتْ مَنْبِنَا لِلْعَرَبِيَّةِ مُنْذُ الْقِدَمِ ، ملاذاً ومرجعاً لِلْقُرْآنِ مُنْذُ هَلَّ القُرْآنُ بِنُورِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، تَحْمِيهَا مِنْ عُدْوَانِ الْعَادِينَ ، وَبَعْدُ . فَمَا أَهَمِيَّةُ هَذِهِ اللُّغَةِ الَّتِي بَذَلَ لَهَا أَسْلَافُنَا مَا بَذَلُوا ، وَجَاهَدُوا مِنْ أَجْلِ حِفْظِهَا وَبَقَائِهَا مَا جَاهَدُوا ، فَضَرَبُوا إِلَيْهَا أَكْبَادَ الإِبِلِ لِيَتَنَاقَلُوهَا بِالرِّوَايَةِ وَأَرَاقُوا عَلَى عَتَبَاتِهَا نُورَ عُيُونِهِمْ لِيَحْفَظُوهَا بِالتَّدْوِينِ . وَتَبَتَّلُوا لَهَا وأعطوا كل اهتمامهم لِيَجْمَعُوهَا فِي الْمُعْجَمَاتِ الَّتِي تَحْفَظُ مُتُونَهَا ، وَيَحُوطُوهَا بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي تَضْبِطُ نِظَامَهَا ، وَيُثَبِّتُوهَا فِي آلَافِ آلَافِ الكُتُبِ الَّتِي تَضُمُّ شِعْرَهَا وَنَثْرَهَا . ثُمَّ اسْتَقَلُّوا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي جَنْبِ هَذِهِ اللُّغَةِ الْكَرِيمَةِ مَا قِيمَةُ هَذِهِ اللُّغَةِ الَّتِي نَفْسَحُ لَهَا الْيَوْمَ مَجَالاً رَحِيباً فِي مَدَارِسِنَا وَمَعَاهِدِنَا وَكُلِّيَّاتِنَا ، وَنُخَصِّصُ لَهَا وَقْتًا طَوِيلاً فِي خُطَطِنَا وَمَنَاهِجِنَا ، وَنُعْطِيهَا نَصِيباً كَبِيراً مِنْ جُهْدِ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا ؟. إِنَّهَا لُغَتُنَا الَّتِي حَفِظَتْ عَلَيْنَا شَخْصِيَّتَنَا عَبْرَ التَّارِيخ . وَرَبَطَتْ شُعُوبَ أُمَّتِنَا بِرِبَاطِهَا الْوَثِيقِ . وَقَرَّبَتْ بَيْنَ أَمْزِجَةِ مُوَاطِنِينَا وَمَشَاعِرِهِمْ ، وَوَاءَمَتْ بَيْنَ تَقَالِيدِهِمْ وَأَفْكَارِهِمْ . فَصَانَ كِيَانَهُمْ مِنْ أَنْ يَتَمَزَّقَ ، وَحَفِظَ شَمْلَهُمْ مِنْ أَنْ يَتَفَرَّقَ . وَوَحَّدَ كَلِمَتَهُمْ عَلَى دَفْعِ الْعُدْوَانِ كُلَّمَا تَعَرَّضُوا لِلْعُدْوَانِ . الْقَوِيمِ ، وَمُسْتَوْدَعُ حَضَارَتِنَا الزَّاهِرَةِ ، وَخِزَانَةُ تُرَاثِنَا الرُّوحِي وَالْعَقْلِي . وَلَيْسَتْ لُغَتُنَا أَيُّهَا السَّادَةُ بِدْعاً فِي حِفْظِ كِيَانِ الأُمَمِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَأْنُ اللُّغَاتِ جَمِيعاً . فَنَحْنُ إِذَا اسْتَعْرَضْنَا طَائِفَةَ الْأُمَمِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أُورُبًا وَجَدْنَا أَثَرَ اللُّغَةِ فِي ظُهُورِهَا جَلِيًّا وَاضِحاً . وَلِكُلِّ نِظَامٍ حُكُومَةٌ . وَظَلَّ الأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى شَعَرَ قَادَةُ الْفِكْرِ فِي أَلْمَانِيَا بِقُدْرَةِ اللُّغَةِ عَلَى جَمْعِ الْأَشْتَاتِ إِلَى الْأَشْتَاتِ ، وَتَوْحِيدِ الْأَصْوَاتِ مَعَ الْأَصْوَاتِ . فَهَبَّ ( هَرْدِرْ ) الاديب الالماني عام 1744 ميلادي إنشاء حركة العاصفة الادبية والتي كانت فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الْقَرْنِ الثَّامِنَ عَشْرَ يُنَادِي : بِأَنَّ اللَّغَةَ هِيَ الأَسَاسُ الَّذِي تُرْسَى عَلَيْهِ دَعَائِمُ الْوَحْدَةِ ، وَالنَّوَاةُ الَّتِي تَتَجَمَّعُ حَوْلَهَا الشُّعُوبُ وَلَاقَتْ دَعْوَتُهُ هَذِهِ هَوَى مِنْ نُفُوسِ أُدَبَاءِ الْحَرَكَةِ الإِبْدَاعِيَّةِ فِي ( أَلْمَانْيَا » ، فَعَكَفُوا عَلَى تُرَائِهِمُ الْقَدِيمِ أَيَّامَ كَانَتْ أُمَّتُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَاتَّخَذُوا مِنْ مَاثِرِ أَسْلَافِهِمْ مَادَّةٌ خِصْبَةٌ لِأَدَبِهِمْ ، وَمِنْ بُطُولَاتِ قَادَتِهِمْ مَوْضُوعَاتٍ مُثِيرَةً لِشِعْرِهِمْ . وَنَسَجُوا حَوْلَ ذَلِكَ قِصَصاً رَائِعَةٌ هَوَتْ إِلَيْهَا أَفْئِدَةُ الشَّبَابِ ، وَقَصَائِدَ بَارِعَةٌ مَلَكَتْ أَلْبَابَ الْفِتْيَانِ وَالْفَتَيَاتِ . وَأَبْرَزُوا فِتْنَتَهَا الْأَخَاذَةَ، فَشَعَرَ الْأَبْنَاءُ بِمَفَاخِرِ الْآبَاءِ، وَقَامَ فِي هَذِهِ الْمُقَاطَعَاتِ ، مُجْتَمَعُ « أَلْمَانِي ) مُوَقَّدُ الْمَشَاعِرِ وَالْغَايَاتِ ، مُتَطَلِّعٌ إِلَى الانْضِوَاءِ تَحْتَ ( الإِيرَ لَنْدِيِّينَ ) ، وَجَمَعَ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ شَبَابِهِمْ وَبَاعَهُمْ عَبِيداً فِي « أَمْرِيكَا » ، وَنَفَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ رِجَالِهِمْ خَارِج البلاد . )) وَسَعَى هُوَ وَمَنْ تَلَاهُ فِي الْحُكْمِ لِمَحْوِ شَخْصِيَّةِ إِيزَلَيْدَا بِالْقَضَاءِ عَلَى لُغَتِهَا حَتَّى تَمَّ لِلْإِنْكِلِيزِ مَا أَرَادُوا وَانْدَثَرَتِ اللُّغَةُ ( الإِيوَلَنْدِيَّةُ » ، وَغَدَتْ شَيْئًا أَثَرِيًّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا حِفْنَةٌ مِنَ الرِّجَالِ ، وَأُدْمِجَتْ «إِيزَلَنْدَا» فِي الكِيَانِ البريطاني » الْكَبِيرِ ، وَأَصْبَحَ لَهَا نُوَّابٌ يُمَتِّلُونَهَا فِي مَجْلِسِ الْعُمُومِ . وَلَمَّا تَنَبَّهَ الشُّعُورُ الْوَطَنِيُّ لَدَى بَعْضٍ رِجَالِهَا ، وَأَنْ يُحَقِّقُوا لَهَا شَخْصِيَّتَهَا الْمُمَيَّزَةَ، وَأَنْ يَفْصِلُوهَا عَنِ الشَّعْبِ الْبِرِيطَانِي » ، رَأَوْا أَنَّ مَنْطِقَ الْحَيَاةِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ ، مَا دَامَتْ لُغَتُهُمْ هِيَ اللُّغَةُ « الْإِنْكِلِيزِيَّةُ » . وَتُحَقِّقُ وَحْدَتَهُ . وَأَسْعَفَهُمُ الْقَدَرُ بِمُعَلِّمِ يُنْقِنُ لُغَةَ الْآبَاءِ وَالْأَبْدَادِ ؛ دَفَعَهُ شُعُورُهُ بِوَاجِبِهِ إِلَى وَضْعِ الْكُتُبِ السَّهْلَةِ الَّتِي تُيَسِّرُ لِمُوَاطِنِيهِ تَعَلَّمَ اللُّغَةِ ، وَيُؤَازِرُونَهُ فِي تَعْلِيمِهَا حَتَّى اسْتَعَادَتْ مَكَانَهَا مِنْ أَلْسِنَةِ الْمُوَاطِنِينَ ، وَعَمَّتْ بَيْنَهُمْ وَشَاعَتْ . وَاسْتَعَادَةِ كِيَانِهِمْ . وَلَمَّا تَمَّ لِإِيزَلَنْدَا ذَلِكَ ، قَدَّرَ الْمُوَاطِنُونَ لِلْمُعَلِّمِ الْعَظِيمِ يَدَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَكْبَرُوا أَثَرَهُ فِي تَحْرِيرِ بِلَادِهِمْ ، فَكَافَأُوهُ عَلَى صَنِيعِهِ بِأَنِ انْتَخَبُوهُ لِيَكُونَ أَوَّلَ رَئِيسٍ لِجُمْهُورِيَّةِ إِيرَ لَنْدَا» الْحُرَّةِ ،***وَلُغَتُنَا الْعَرَبِيَّةُ أَيُّهَا السَّادَةُ لَيْسَتْ قَوْمِيَّةً فَحَسْبُ ، وَإِنَّمَا هِيَ لُغَةٌ دِينِيَّةٌ أَيْضاً . وَتَجْعَلُ مِنْهُمْ سَنَداً قَوِيًّا لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَلَمُ الشَّعَثِ الْمُتَفَرِّقِ .وَاسْتَيْقَنَ مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى حِفْظِ كِيَانِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ،فَشَنَّ هُجُومَهُ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْمَيَادِينِ . وَيَرْتَادُونَ الْفَضَاءَ ، وَيُسَخَّرُونَ قُوَى الْكَوْنِ . يَمْلِكُ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْاسْتِعْمَارِ لَا يَقِلُّونَ فِي قُدُرَاتِهِمْ عَنْ عُلَمَاءِ الْكَوْنِ وَالذَّرَّةِ نَذَرُوا أَنْفُسَهُمْ لِرَسْمِ الْخُطَطِ الَّتِي يَسْتَذِلُّونَ بِهَا الشُّعُوبَ ،