اللغات هي وعاء للفكر الإنساني والتجارب والأحلام الإنسانية عبر التاريخ، وبدونها لم تكن لتتحقق النبوات، ولكان شأن الإنسان كما قال خالد بن صفوان: "ما الإنسانُ لولا اللسانُ إلا صورة مُمثلة، والعقل كما هو معلوم هو شرف الإنسان وجاهه، وبه يتميز عما سواه من الكائنات، ولذلك يقول أبو الطيب المتنبي: لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان والأمة العربية هي الأكثر حظا بين الأمم في هذا الصدد، لأن لغتها هي لغة الكتاب الخالد المنزل من السماء وهو القرآن الكريم، وذكره للحقائق العلمية ونحو ذلك، وصارت لغة عالمية، وقد شعر المسلمون جميعا بأهمية هذه اللغة، ونهض العرب والأعاجم معا لخدمتها بعد الإسلام، وذلك من أمثال: ابن المقفع (ت 143هـ) وسيبويه (ت 180هـ)، والجاحظ (ت255 هـ)، وغيرهم من العباقرة الأفذاذ. وقد حظيت هذه اللغة العربية الشريفة وآدابها منذ الجاهلية وبعد الإسلام بجهود جبارة لم تحظ بها أي لغة أخرى في زمانها، وحظيت بقية علومها بالتدوين والتقعيد كالصرف والعروض، وتم جمع الأدب ودواوينه، فتم تدوين علومها والتقعيد لتلك العلوم، ونشير هنا إلى خبر يؤكد همة أولئك الرجال، وكان قد ذكره النضر بن شميل وهو يبين طرفا من زهد الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) وصبره، أهمية البحث في التحديات التي تواجهها اللغة العربية السبب الأول: ويعود إلى الدين الحنيف، فهذه اللغة وعاء للفكر الإسلامي عبر خمسة عشر قرنا من الزمان، وهي الوسيلة لأداء العبادات وبخاصة الصلوات الخمس وتلاوة القرآن الكريم. السبب الثاني: لأن اللغة العربية لها وظيفة اجتماعية، فهي التي نتواصل بواسطتها من المحيط إلى الخليج، السبب الرابع: وهو سبب إنساني، فاللغة العربية ثروة ثقافية للإنسانية قاطبة، وقد استفادت منها اللغات الأخرى كالعبرية والفرنسية والإنكليزية، واندثار هذه اللغة أو اضمحلالها معناه ذهاب أحد أهم الموارد المغذية للغات الإنسانية. أبرز التحديات التي تواجهها اللغة العربية النوع الأول: تحديات داخلية وتتمثل في الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة العربية، حيث وجدنا من يدعو إلى هجر هذه اللغة الفصحى واستبدال العاميات المحكية بها، أو مزجها بالعاميات بدعوى التسهيل والتيسير، علما أن هنالك أمما كثيرة قد تطورت مع حفاظها على لغتها القومية كاليابان والصين وروسيا وسائر الدول الأوروبية. ولا يمكن أن نحملها مسئولية الفوضى والتقهقر الحضاري الذي تعيشه الأمة على مختلف الأصعدة. والنوع الثاني: تحديات خارجية وتتمثل في مزاحمة اللغات الأخرى لها، والمتمثل أخيرا بالعولمة التي تريد ابتلاع ثقافات المم والشعوب، والقضاء على هذا التنوع اللساني في العالم، حتى وجدنا دولة عظمى كفرنسا تضج من زحف العولمة، ويقرر زعماؤها بأن التنوع ضرورة، وذلك حفاظا على لغتهم من الانحسار والضياع بعد ذلك، فما بالك باللغة العربية التي لا يروج لها أحد، بل صرت تمشي في مدن العرب وأسواقها فلا تجد إلا إعلانات ملحونة بالعربية، وربما لا تجد العربية أصلا فوق بعض الحوانيت، وكأن اللغة العربية قد انقرضت من واقعنا الاجتماعي!. وخصائصنا النفسية والاجتماعية، ونحن لسنا ضد تعلم لغات الآخرين والاطلاع على ثقافاتهم، بل هذا عنصر أساسي من أي مشروع حضاري لنهضة هذه الأمة، ولكننا نرى أن الأولوية في التعليم ينبغي أن تكون للغة الأم وهي اللغة العربية، هذه اللغة التي كانت لغة العلم والحضارة في العالم ذات يوم، والتي يمكن لها أن تكون ذات مستقبل باهر، ولكن الخطورة الأكبر على هذه اللغة هي في التحديات الداخلية، أو استبدالها بالعاميات تحت شعار الواقعية، يأتي هذا البحث لمناقشة بعض التحديات التي تواجهها اللغة العربية في العصر الحديث وفي مقدمتها: التحديات الداخلية، وهي عنده ثلاثة: نستطيع أن نحصر هذه الدعوات في شعب ثلاث: تتناول أولاها اللغة، وتتناول ثانيتها الكتابة، ويدعو بعضها الآخر للتحول عنها إلى الحروف اللاتينية. وتتناول الشعبة الثالثة: الأدب، فيدعو بعضها إلى العناية بالآداب الحديثة، والكلمات الخلابة، ويوزعون اتهامهم في كل اتجاه، وقد حذر من هؤلاء كثير من الأدباء والشعراء ومنهم: الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، فقد قال في مقدمة ديوانه محذرا من دعاة العامية الذين يريدون قتل العروبة والعرب ما يلي: (لغة العروبة هي هذه اللغة الخلاقة المطواع، اللغة التي اتسعت لرسالة الرحمن، مبشر بها دونها، إنما هو كافر بها وبكم أيها العرب، عامل على قتلها وقتلكم) . وتفسير القرآن مشحون بالإسرائليات، والصرف فروض ومتاهات، والعروض قيود ودوائر تدير الرأس، ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها… يسمع أبناؤنا هذا كله مدويا عاليا، ولا يعرف أثر هذه الألفاظ الغامضة إلا من ابتلي بشرها، وصلي جمرتها، وكل ذلك عرفت) . مناقشة موضوعية للدعوة إلى تطوير اللغة العربية إننا يجب أن نفرق بين تطوير اللغة وبين تطوير طرق تعليم اللغة بإعداد المدرس الجيد، فالثاني أمر لا غبار عليه، سواء كان بالخروج على قواعدها ونبذ القواعد القديمة، لأنها تمثل روح هذه الأمة وفكرها، وينشرون في ذلك المقالات الطوال، ويقولون إن الشاذ فيها من غير القياسي كثير، والشذوذ في صيغ الأفعال وفي صيغ الجمع، والتأنيث وفي المصادر يملأ اللغات الأوروبية كلها، والشواهد عليه لا تحصى، وقالوا إن الكتابة فيها غير ميسرة، والتطور لا يُسعى إليه، ولا يُصطنع، ولكنه يفرض نفسه، فلا نجد بدا من الخضوع له. وأي نعمة وأي مزية في تطور اللغات الأوروبية حتى نسعى إلى افتعال نظيره في لغتنا؟ إن هذا التطور كان نكبة على أصحابه، قطعهم أمما بعدما كانوا أمة واحدة، ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت" . حيث نزل القرآن والعرب في قمة الفصاحة وأعلى البلاغة، فجاء القرآن وتبوأ بإعجازه عرش البلاغة العربية، وتوافى عليه من شعرائهم أفراد معدودون، ثم كان لهم من تهذيب اللغة، ولا يعترضها تناكر في اللغة، فقامت فيهم بذلك دولة الكلام، حتى جاءهم القرآن" . وهو الدليل والهادي، وهو المنهج والدستور لهذه الأمة، وعلى جميع الدعوات التطويرية أن يكون هدفها الأول ـ لو كانت مخلصة ـ أن تقرب الناس من بلاغة القرآن، وأن تحطم كل الحواجز التي تعيق عن فهم القرآن، وأن يكون هدفها إعادة بناء الذوق العربي ليكون أهلا للتفاعل مع مضمون الذكر الخالد، مستعدا لتلقي إشراقاته من جديد، حيث يرنو العالم كله إلى من ينقذه من حلكة الدجى الذي هو فيه، إن هذا العصر ليل فأنــــر أيها المسلم ليل الحائريـــن وسفين الحق في لج الهوى لا يرى غيرك ربان السفين أنت كنز الدر والياقوت فـــــي موجة الدنيا وإن لم يعرفوك محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك فهل بعد مملكة القرآن مزيد لمجتهد؟ حتى يأتي المستغربون في هذا الزمن ليهدموا تلك المملكة بهدم اللغة والدعوة إلى العامية بحجة الإصلاح اللغوي، إن التطور الإيجابي يكون بإحياء اللغة في الدرجة الأولى، ووضع نماذج الأدب القديم أمام المعاصرين ليحتذوها، ومن التقنيات الحديثة فيما يتعلق بعلم الأصوات، وغير ذلك مما قد يسهم بشكل فعال في إصلاح واقعنا اللغوي المعاصر. وإنما هو تطوير إيجابي في الغالب، إذ يتعلق بفكرة التعريب للمصطلحات الأجنبية، وسنناقش هذه الأفكار جميعا: تعريب المصطلحات الأجنبية وبخاصة في ميدان العلوم أمر تقتضيه طبيعة العصر، وذلك حتى لا يضطر أبناء العرب لدراسة العلوم باللغات الأجنبية، ويضيف ناقلا عن الشيخ إبراهيم اليازجي: "يا ليت شعري ما يصنع أحدنا لو دخل أحد المعارض الطبيعية أوالصناعية ورأى ثمة من المسميات العضوية من أنواع الحيوان وضروب النبات، ثم ما هو فاعل لو أراد الكلام في ما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية، والمكتشفات الطبية والكيماوية، فاللغة إذا بحاجة إلى تعريب كثيرمن الكلمات والمصطلحات الوافدة، فقد فعل ذلك السلف وهم في عز سلطانهم، فلما وجدوا منها استعصاء في بعض المواضع ذللوها، بل استخدموها من حيث وجب الأخذ بها تمكينا للغتهم، وخوفا من أن يعيقهم الجمود فيها عن حفظ مركزهم العظيم بين الأمم التي كانت تعاصرهم" . فادخلوا أبوابه المفتحة أمامكم، ولا تتأخروا فلستم وحدكم في هذا الوجود، ولا تقدم لكم إلا بلغتكم، فاعتنوا بها، وأصلحوها، وهيئوها لتكون آلة صالحة فيما تبتغون، ثم لا تقفوا بها موقف الجمود والعجمة تهددها على ألسنة العامة، وهي لا تلبث أن تدخل على ألسنة الخاصة، أقيموا في وجه هذا السيل الجارف سدا من الاشتقاق المعقول والترجمة الصحيحة، ونتيجة لاهتمام العلماء بالتعريب فقد بدأت جهود فردية بهذا الصدد، وانتهت تلك الجهود بعمل جماعي منظم انبثق عنه مجمع اللغة العربية، يقول عمر الدسوقي موجزا ملابسات قيام المجمع في تلك الفترة: "وقد حاول بعض العلماء قبل الحرب العالمية الأولى تكوين مجمع لغوي يضع كلمات جديدة، ثم انفض واجتهد كثير من المعربين في وضع كلمات جديدة، وأخيرا أنشئ مجمع فؤاد الأول للغة العربية في 13 من ديسمبر 1932 وقد سمي في سنة 1954 مجمع اللغة العربية، وأهم أغراضه المحافظة على سلامة اللغة العربية، وأن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة، وأن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة"" ثانيا: ترجمة آداب الأمم الأخرى والاستفادة منها والتجديد لا ينحصر بالتعريب ونحوه، بل يشمل الاستفادة من آداب الأمم الأخرى والفنون الأدبية والنقد الأدبي، أو نظم المسرحيات، وكيف يتصرفون ويتحللون من نظام القصيدة، بقدر ما يعنينا تلك الطريقة التي ترجمت بها، والمقدمة التي كتبت لها، على غير ما ألف نقاد ذلك الوقت من الاهتمام بالألفاظ والمعاني" " واللغات كثيرا ما تتشابه في قوانينها العامة، لذا فإن الاستفادة من آداب الآخرين وقوانين لغاتهم أمر لا بأس به، وقد فعله السابقون أمثال عبد الحميد الكاتب كما ذكر أبو هلال العسكري، يقول: "ومن عرف ترتيب المعاني واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات، ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له في الأولى، والمعرفة بوجوه الاستعمال " واستفاد النحاة أيضا من فلاسفة اليونان في تقسيم الكلام، يقول الدكتور إبراهيم أنيس في حديثه عن أجزاء الكلام: (قنع اللغويون القدماء بذلك التقسيم الثلاثي من اسم وفعل وحرف، متبعين في هذا ما جرى عليه فلاسفة اليونان وأهل المنطق من جعل أجزاء الكلام ثلاثة، سموها: الاسم والكلمة والأداة) ولكن الاستفادة لا تعني بالضرورة أن نطبق على اللغة العربية كل القوانين والأحكام التي تخص غيرها من اللغات كالإنكليزية مثلا، فلكل لغة شخصيتها وقوامها وخصائصها التي تميزها عن غيرها في النهاية، والتشابه في بعض الأمور لا يعني التطابق في كل شيء، في أول الكلمة وفي وسطها وفي آخرها، حيث يشترط فيها معرفة حركتها وحركة الحرف الذي قبلها، وهو ما لا يشترط في كتابة باقي حروف الكلمات العربية، ولشدة تعقد هذه القواعد وصعوبتها حتى على من يصيب معرفة حركة الهمزة، فإن جلهم يخطئون في كتابتها صحيحة، لا لتقويم إملائهم في كتابتها… ولا فائدة من إثقال اللغة وعامة المتعلمين بها غير تعثر إملائهم والضغط على ذاكرتهم بسببها). حيث يضيف الكاتب داعيا إلى إعادة النظر في صياغة قواعد النحو: (ومن المهم كذلك إعادة النظر في بناء قواعد اللغة وتعليمها… ومثل هذا يدعو إلى إعادة النظر في أمر كثير من قواعد النحو، وما نراه أن تعطي حركة الإصلاح اللغوي الأهمية لبناء التراكيب وسياق الأداء الذي يؤثر على إدراك المعاني بعيدا عن الشكليات والتراثيات والمهنيات التي تتعلق بالمعاني في بناء قواعد اللغة وتعليمها في عصر الثقافة للجميع) أما موضوع صعوبة كتابة الهمزة فأمر يدركه المربون، وطرق تقويمها، واقتراح الأساليب العملية لتلافي ضعف الطلبة في كتابة الهمزة على وجه الخصوص والإملاء بشكل عام، وذكر الحلول المقترحة والتي تتمثل في مجملها بكثرة الكتابة والتمارين والاستعمال، على أن تكون الكلمة في صورها الإعرابية المختلفة ويكون كذلك بالتقوية في قواعد اللغة العربية، فمن المظنون أن التلميذ إذا عرف الصور المختلفة لكتابة الكلمة وعرف الوضع الإعرابي لها، يكتب كتابة صحيحة وخاصة إذا انتهى ذلك كله بقاعدة سهلة أو مجموعة سهلة من القواعد يمكن تطبيقها عليها) . على أنه يمكن لنا الاستفادة من بعض الرخص في كتابة الهمزة، وقد ذكر الأستاذ الخولي قرار مجمع اللغة العربية بشأن كتابة الهمزة المتوسطة في بعض الحالات، وهو: (تعتبر الهمزة متوسطة إذا لحق بالكلمة ما يتصل بها رسما، مثل جزأين وجزاؤه، ويبدؤون، وقرر المجمع أيضا أن الهمزة في وسط الكلمة إذا كان ما قبلها ساكنا (وكان هذا الساكن حرف مد رسمت مفردة) ، وعليه كلمة سموءل تكتب هكذا كما في المثال: (أودع امرؤ القيس دروعه عند السموءل) ونرى الالتزام به، ولكن تسهيلا على الناس ودفعا للحرج نرى تجويز ما فعله القدماء أيضا فلا نخطئهم، ففي الكتب القديمة نجد قرأوا الهمزة على الألف وزيدت واو الجماعة، والواو ليست من أصل الكلمة، وكذلك نجد كلمة السموأل الهمزة فيها على الألف، وقد وردت مرات كثيرة في المعاجم بهذا الصدد، فإذا كتبت الهمزة على السطر فهي على الصورة الجديدة لقواعد الإملاء المتطورة، ولا ينبغي تخطئة من كتبها على الألف، وأما دعوة الدكتور أبو سليمان إلى مراجعة قواعد النحو، فهي دعوة جيدة، ومعمول بها لدى الوزارات والإدارات المعنية بتطوير المناهج في العالم العربي، فالمناهج في مراجعة مستمرة وتطوير مستمر، وينبغي أن نذلل الصعاب للناشئة ونحبب لهم النحو بعيدا عن الملابسات والتعقيدات والاختلافات بين مدارسه المختلفة، ولكن ينبغي أن نوضح هنا بأن تذليل الصعاب وتعليم النحو بأسلوب ميسر يقربه إلى نفوس الناشئة شيء، وهو أمر مرفوض، ولا أظن أحدا يقبله من أبناء العرب الغيورين على لغتهم ودينهم. رابعا: إقحام العامي مع الفصيح في معجم واحد! هناك من يدعو إلى إقحام الكلمات العامية مع الفصحى بحجة شيوعها والحاجة إليها، يقول إلياس أنطون إلياس تحت عنوان: ضرورة التساهل في قبول الكلمات الجديدة ما يلي: ( وخير لنا أن نجري على سنن العصر ونشايعه ولو على خطأ من أن نرتد إلى الماضي ونأخذ بلغته وأساليبه ولو كان على حق… ثم إن في اللهجات الكلامية للبلاد العربية المختلفة كثير من الألفاظ المشتركة التي تعبر أصدق تعبير عن حاجاتنا في العصر الحاضر ولكننا درجنا على التنكر لها وعلى تسميتها عامية أو سوقية أو دخيلة أو مبتذلة، ولست أرى مبررا لهذا التنكر إلا إذا كان الغرض جعل اللغة وقفا على طائفة خاصة) . ولا وجه لقوله بالأخذ بالشائع ولو كان خطأ، لأن الشائع اليوم قد يتغير غدا، ويصبح مهملا ويشيع مكانه لفظ جديد، فالشيوع ليس أمرا ثابتا ولا مستقلا عن عوامل الزمن والبيئة والحياة، فلا بد من شيء ثابت ترتكز عليه اللغة العربية، وهذا لن يكون سوى معجمها القديم الذي صفاه العلماء من الشوائب فكان كالإبريز الخالص. وفي خطوة أكثر جرأة ذهب الدكتور بسام ساعي في بحثه: (نحو معجم جديد للألف الثالثة) إلى ضرورة وضع معاجم للعامية، حيث رأى (أننا نحيط معاجمنا بهالة من القدسية القاتلة، وانه لا بد من فتح الحدود بين الفصحى والعامية، وعبر عن تقديره للبصريين لأخذهم بالقياس الذي رأى أن المجامع اللغوية قد أهملته، وأشار إلى أن تلك المجامع مطالبة باستقصاء العاميات من المحيط إلى الخليج، مع الاستناد إلى مجموعة من الضوابط… ودعا إلى تشكيل هيئات صغيرة في كل قطر لإعداد معجم لعاميته، وأخرى كبيرة تدرس تلك المعاجم وتنتقي منها، للخروج بمعجم جديد لتلك اللغة الوسيطة، لأن إقحام العامي مع الفصيح سيفسد الفصيح ولن يصلح العامي، مما يسبب فساد اللسان العربي الذي وحد العرب عبر آلاف السنين، وهو ما عبر عنه الشاعر هاشم الرفاعي بقوله: واختلفنا في الورى ألسنة يجهل المصري لفظ الحلبي وكافة الجاليات والأقليات العربية والإسلامية حول العالم، وهي اللغة التي يتعلمها ملايين المسلمين في البلاد التي تنطق بغير العربية، فكيف نفسد صفاءها بإقحام العاميات معها، يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي: (متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر من العوامل السابق ذكرها، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدا طويلا، فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجا يختلف عن منهج غيرها، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها، وبذلك يتولد من اللغة الأولى فصيلة أو شعبة من اللغات يختلف أفرادها بعضها عن بعض في كثير من الوجوه، ولكنها تظل مع ذلك متفقة في وجوه أخرى … وقد اتسعت مسافة الخلف بين اللهجات المتشعبة عن العربية، حتى أصبح بعضها شبه غريب عن بعض، فلهجة العراق ولهجات شمال أفريقيا في العصر الحاضر مثلا يجد المصري بعض الصعوبة في فهمها، والعاميات تختلف داخل القطر الواحد من مدينة لأخرى، يقول الأستاذ أحمد الشايب: (فأهل مصر لهم عاميتهم، وأهل العراق لهم عاميتهم، وكذلك المغاربة، كما أن لأهل الصعيد لغتهم العامية التي تخالف لغة سكان الشمال، ومعنى هذا توشك أن تكون هي اللغة القومية لكل قطر من أقطار الشرق العربي) وكثيرا ما يحمل اللفظ أكثر من معنى، فأي عبء على دارس العربية أكبر من هذا؟ وهي أن يلم بلهجات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج والعاميات التي فيها، ثم إن العاميات مختلفة من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر فكيف نختار منها ما نريد؟ وما هو مقياس الاختيار؟ أليست العودة إلى الفصحى هي الأفضل من التشتت وراء العاميات واللهجات الشائعة في الأقطار العربية؟ وللأسف الشديد بدأنا نجد جامعات ودور نشر ومؤسسات ثقافية وأكاديمية تتبنى مشاريع دمج الفصحى بالعامية، وذلك كما يقول أحمد الشايب (إما لأنها طور من أطوار التاريخ اللغوي والأدبي والاجتماعي، بل ماذا سيصنع الطالب العربي إزاء هذا الركام من الكلمات العامية وقواميسها، حتى هجر فيها النحو العربي، وثانيهما: ما غلب على معانيها من التفاهة والعرف، وتتكرر في كل وقت، إن الدعوة إلى العامية تجعل الأمة العربية مرشحة لتمزق ثقافي قد يكون أشد إيلاما من تمزق وحدتها السياسية؟ كيف نرفع من شأن لغتنا ونطور تعليم اللغة العربية: إن اللغة هي هوية الأمة الحضارية، والتمسك بها والسعي إلى إحيائها وتطوير الدراسات حولها دعامة من أولى دعائم النجاح الحضاري لكل أمة تسعى أن يكون لها مستقبل مشرق في الغد القريب، فنحن بحاجة إلى أمور، نذكر منها: يقول الشاعر القروي رشيد سليم الخوري في هذا الصدد: (فعلموا القرآن والحديث ونهج البلاغة في كل مدارسكم وجامعاتكم، وتتقوى ملكاتكم، وتزخر صدوركم بالحكمة، وتشرق طروسكم بساحر البيان) . رابعا: تعريب المصطلحات العلمية بشكل دائم وتوحيد جهود التعريب في العالم العربي، وتطوير هذه المعاجم بشكل دائم. سادسا: تعاون كافة أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في هذا الصدد، ثامنا: إعادة صياغة العقل العربي بما يعزز الشخصية الحضارية للإنسان العربي والتأكيد على الهوية وعدم الانجراف الحضاري مع تيار العولمة الذي بات يهدد ثقافات الأمم والشعوب جميعا.