كَانَ شَابٌ مُتَزَوِّجًا وَعِنْدَهُ أَطْفَالٌ، فَيَخَرُجُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى الصَّحَرَاءِ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ بِهِ نَبَاتَاتٌ وَأَعْشَابٌ وَأَشْجَارُ؛ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّابُّ يُحِبُّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنَ الرَّعْيِ وَقْتَ الغُرُوبِ يُسْرِعُ بِحَلْبِ شَاةٍ فِي إِنَاءٍ، خَرَجَ الشَّابُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ لِيَرْعَى الغَنَمَ، وَفِي هَذَا اليَوْمِ لَمْ يَجِدُ الشَّابُ مَكَانًا قَرِيبًا بِهِ زَرْعٌ أَوْ نَبَاتَاتٌ أَوْ أَشْجَارٌ، فَظَلَّ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَحَمِدَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى أَنْ رَزَقَهُ مَا يُطْعِمُ بِهِ غَنَمَهُ، وَوَقَفَ الشَّابُّ تَحْتَ الشَّجَرِ وَمَعَهُ غَنَمَهُ، وَبَدَأَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ أَعْصَانَ الشَّجَرِ، فَتَسَاقَطَ الوَرَقُ النَّاشِفُ عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَ الغَنَمِ فَبَدَأَتِ الأَغْنَامُ تَأْكُلُ مِنْهُ. وَالْأَغْنَامُ لَمْ تَكُنْ قَدْ شَبِعَتْ بَعْدُ، فَاضْطَرَّ الشَّابُّ أَنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى تَشْبَعَ الْأَغْنَامُ، فَسَاقَهَا الشَّابُّ عَائِدًا بِهَا إِلَى البَيْتِ، أَحْضَرَ الشَّابُّ فَوْرَ عَوْدَتِهِ إِلَى البَيْتِ وَعَاءً، وَحَلَبَ شَاةً حَتَّى مَلَأُ الإِنَاءُ لَبَنًا، ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ كَي يَشْرَبَا لَبَنَهُمَا، فَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْأَبَوَينِ أَنْ يَنَامَا بَعْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ، لَمْ يَرْضَ الشَّابُّ أَنْ يُوقِظَ أَبَوَيْهِ حَتَّى لا يُقْلِقَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَشْرَبَ أَحَدٌ مِنَ اللَّبَنِ قَبْلَهُمَا، فَوَقَفَ بِجِوَارِهِمَا وَإِنَاءُ اللَّبَنِ عَلَى كَفِّهِ، وَكَانَ أَولادُهُ وَزَوْجَتُهُ جَائِعَينِ جِدًّا، وَرَغْمَ ذَلِكَ ظَلَّ وَاقِفًا وَلَمْ يُطْعِمْ أَحَدًا مِنَ اللَّبَنِ. ظَلَّ الشَّابُّ وَاقِفًا وَإِنَاءُ اللَّبَنِ عَلَى كَفِّهِ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَ أَبَوَاهُ، فَوَجَدَا ابْنَهُمَا وَاقِفًا وَإِنَاءُ اللَّبَنِ عَلَى كَفِّهِ، ثُمَّ أَطْعَمَ الشَّابُّ أَوْلادَهُ وَزَوْجَتَهُ، وَقَدْ فَعَلَ الشَّابُّ هَذَا بِرًّا بَوَالِدَيْهِ، وَطَلَبًا لِرِضَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. خَرَجَ ذَلِكَ الشَّابُّ مَعَ صَدِيقَيْنِ فِي رِحْلَةٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِالصَّحَرَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى غَارِ فِي جَبَلٍ لِيَنَامُوا فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا الغَارَ الْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَحَاوَلُوا تَحْرِيكَهَا فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا. اقْتَرَحَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَذْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَلاً صَالِحًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ، فَذَكَرَ الشَّابُّ مَا فَعَلَهُ مَعَ أَبَوَيْهِ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ قَلِيلاً، ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِي عَمَلاً قَامَ بِهِ وَدَعَا اللَّهَ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ قَلِيلاً أَيْضًا. ثُمَّ جَاءَ الدَّوْرُ عَلَى الرَّجُلِ الثَّالِثِ، فَذَكَرَ عَمَلاً صَالِحًا قَامَ بِهِ مِنْ أَجْلِ اللَّهِ، وَنَجَّاهُمَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ ذَلِكَ البَلاءِ بِفَضْلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي فَعَلُوهَا،