خصائص الحيز في الرجل المزرعة» لابن هدوقة : ففي كل عمل من هذه الأعمال الثلاثة نلاحظ قتامة وظلاما وتطلعا الى التخلص من الحيز الراهن المتسم بالشقاء والقلق، فقد ألفينا شخصية الفلاح المضطهد الذي كان المعمر ليونارد يستنزف جهده ويضني صحته ابتغاء نيل محصول زراعي أغنى وأجود ألفينا هذه الشخصية، بعد الخوف الذي توجسته تنشد بحزم شديد حيزا جديدا تظفر فيه بأمنها وسلامها. حين تسرد شخصية الابن الخبر بأن شخصية الأب قررت الرحيل عن المزرعة : وفي الليل قرر أبي أن نغادر المزرعة، وحين تقرر شخصية الأب مغادرة المزرعة، ولن نعود إليها مادام بها ليونارده . وحين تنبىء الشخصية الأسرة بأن غدا لا يطلع النهار في هذه المزرعة . وحين تخبر الشخصية وهي هنا الابن الذي طعن المعمر ليونارد) الأسرة بإزماعها على الرحيل من حيز المزرعة الجحيم الى أفق آخر من الأرض ونذهب أمامنا ما امتدت طريق. وحين تطلب هذه الشخصية ذاتها الى الأب من أجل أن يغادر المزرعة التماسا للأمن من بطش الاستعمار بعد حادث طعن المعمر، صاحب المزرعة أبي ، لتغادر المكان قبل أن يشعر بنا السكان . وحين تزمع هذه الشخصية بعد الاستيئاس من رحيل الأب والأم وقررت الذهاب في طريق أخرى غير التي سلكها أبواي فهذه المواقف كلها تجسد هذه الرغبة العارمة، والحياة كل الحياة في التماس الحركة التي يكون الحيز مسارها فكل شخصية ماضية للبحث لها عن حيز غير الذي توجد فيه. واذا كنا ألفينا صاحب الحيز الأول وهو الأب يقرر، فإن هذه الرغبة تستحيل في نهايته الى صراع يضطرم أواره بين الأب وابنه . فقد طعن الابن المعمر ليونارد بخنجر كان معه، بعد ان حظر الأسرة من العودة الى الدار التي كانت تقطنها، عن رغبته في الرحيل الذي انتقلت عدواه الى ابنه. فالابن يصر على الرحيل والأبوان يصران على البقاء بالمزرعة الابن يبحث اذن عن حيز جديد غير الى البقاء في دائرة حيز على الرغم من انه فقد حيزه الأول الشرعي وهو المنزل. فقد كان الحيز هنا مصدر صراع بين شخصيتي الأب وابنه : فحين يريد المتصارع من أجلهما الموقعين : فالحيز الأول الذي هو ما هو، المجهول الخارج عن مدى مزرعة ليونارد ينتقل من رغبة الأب الذي كان حريصا عليه مخاطرا بنفسه من أجله بغتة الى ابنه. داخل المزرعة فينتقل أيضا بغتة من رغبة الابن الى رغبة أبيه . سلوك المعمر الذي رصد الفلاح وأسرته على أطراف مزرعته، الاياب الى داخل حيزها الواسع. رغبته في اعادة هؤلاء الى حيز مزرعته بل يمكن اضافة العم احمد، وهو الشخصية المتعاطفة مع ليونارد المعمر الشخصية الوحيدة التي أحاطت بالنيا خبرا، ليونارد ليترصد الأسرة الفارة من شره واضطهاده، ويرغمها على الاياب مجهول فعلى ما فيه من خضرة وماء وحياة ونشاط فإنه لا يرضي الشخصية التي تعزف عنه الحرمانها من هذه النعم كلها. نجده موطن أمل وسعادة. فهنا نلاحظ ضيقا شديدا بحيز معلوم، من أجل امتلا امتلاك حيز أو استكشافه. ونلاحظ بعد ذلك أن الحيز في آخر الأمر على اضـ اضطراب طبيعته يستميز باتخاذه شكلين ممتدين طويلين: أحدهما يذهب في اتجاه، وقد اختاره طوعا أو كرها. فهذا الشكل الذي تتمثله والذي يوحي إلينا به هذا المقطع من النص، ويمكن من هذه الرؤية، أو الايديولوجية . ومنها ما يرفض هذه الشرعية وينكرها انكارا. وعده له من باب الجهل أو المكابرة ليس غيرا. فقد اختلفت شخصيات الفلاحين فيما بينها حول هذا الموقف وراحت كل واحدة تتعصب لرأيها تعصباء ولكن الشيخ الوطني نلفيه يجيب أبا رقية متحديا اياه : . . فهذا الجواب الصارم المقنع يحمل ايديولوجية قائمة على منطق الأشياء وحقائقها؛ بالمفهوم السياسي والتاريخي، وانما هو له من حيث المفهوم الاستعماري القائم على الاستلاب واللصوصية والاستيلاء بالقوة على ممتلكات الآخرين. ويتجلى هذا الموقف الرافض لشرعية الحيز بالقياس الى صاحبه المزعوم في قول احدى شخصيات القصة : سرق (ليونارد) منا هذه الأرض (22). ولم يبتع الأرض بالرسوم القانونية المسلمة في جميع الأعراف والشرائع، والشبعان من الجوعان. ونستخلص روح هذا الموقف من خلال سلوك شخصية الابن وطعنها الشخصية المعمر ليونارد. فقد كانت علة هذا الطعن المباعت متمثلة في ازماع المعمر على حظر الأسرة من العودة الى حيزها الأول الشرعي، ويبجس العنف في نفس الفتى الذي فزع الى خنجره فأوعاه في صدر المعمر والشخصية نفسها تحكي ذلك عن نفسها ونحن هنا لا نتفق مع الراوي المعمرة تتحدث عن الغضب الطافح الذي اعتورها فتقول: «نبع في نفسي عندما مررنا بدارنا ومنعنا المعمر ليونارد من العودة إليها كل أولئك والأمر يتصل بالحيز العام في قصة الرجل المزرعة. أما خصائص هذا الحيز فتمتاز بالقتامة والضجر والظلام محيط بهذا الحيز من جميع أقطاره. فكأن هذا الظلام دسه النص ليحول بيننا وبين تصور حيز واضح المعالم مشرق المناكب والظلام عنصر يدسه المبدعون في أعمالهم الأدبية على اختلافها للتعمية على القارىء وتهيئة الجو الملائم لسلوك الشخصيات وتحركها بعنف وحرية. فمثل هذا الظلام المخيم على الحيز هو الذي ظاهر شخصية الابن الثائر على أن يشهر خنجره ثم يطعن به صدر المعمر الظالم. كقوله : وكان الظلام يخيم على الطريق؛ وافترقنا في الظلام . . فالظلام هو السائد والمخيم على الطريق، والمزرعة، فالظلام هو الصفة الغالبة على حال هذا الحيز الذي رأيناه يتشكل أولها حيز المزرعة بما فيها من حيوانات وأشجار ونباتات، وبمن فيها من لأنه غير معروف بصورة دقيقة لدى الشخصيات والسارد جميعا؛