ظلت الولايات العربية زهاء فترة تراوحت بين ثلاثة وأربعة قرون من القرن السادس عشر إلى أوائل القرن العشرين، بمنأى عن الزحف الأوروبي الاستعماري عليها ما بقيت الدولة العثمانية قوية مهيبة الجانب. فلما دخلت الدولة في دور الاضمحلال وتبين للدول الأوروبية أن الدولة العثمانية عاجزة عن التصدي للدول الاستعمارية، تعرض العالم العربي للغزو الأوروبي النصراني الاستعماري، كما تعرضت أقاليم أخرى إسلامية وغير إسلامية في قارات آسيا وإفريقيا واستراليا، وكانت فرنسا من أسبق الدول الأوروبية في الزحف والسيطرة على الأقاليم العربية. فنجحت في احتلال نيابة الجزائر عام (١٢٤٦هـ / ١٨٣٠م). ولا شك أن من أهم العوامل التي شجعت فرنسا على احتلال الجزائر أن الدولة العثمانية كانت قد فقدت أسطولها في معركة نفارين البحرية ٢٠ أكتوبر ١٨٢٧م (١٢٤٣هـ)، ولما كان اقتطاع فرنسا للجزائر بصفة الأخيرة إقليماً إسلامياً عربياً من أقاليم الدولة العثمانية سابقة خطيرة قد تحتذيها دولة استعمارية أخرى تجاه الوطن العربي لم تستسلم الدولة العثمانية لانتزاع الجزائرمنها (١).حاولت الدولة العثمانية بالطرق الدبلوماسية استرداد الجزائر، وبذلت مساع مكثفة لدى بريطانيا والنمسا وروسيا ولدى فرنسا أيضاً تؤكد حقها في بقاء هذا الإقليم في إطار الدولة تأسيساً على أن السيادة العثمانية عليه معترف بها من المجموعة الدولية وأن الجزائريين هم رعايا السلطان ولم تجد الدولة العثمانية تأييداً من بريطانيا لوقوع أحداث هامة في أوروبا شغلت بريطانيا عن كل شيء. وهكذا فشلت الدولة العثمانية في اتصالاتها مع الدول الأوروبية، وحاولت استخدام القوة لاسترداد الجزائر إلا أنها عدلت عن ذلك بسبب عدم تمكنها من شن حرب على فرنسا الضعف الأسطول العثماني والجيش العثماني كذلك. وأدى ذلك إلى قيام حرب باردة بين الجزائر والدولة العثمانية ونجحت الدولة العثمانية في إنهاء حكم القرمانليين في طرابلس عام (١٢٥١هـ / ١٨٣٥م) وإعادة هذه النيابة إلى الحكم العثماني واستغلت الدولة هذا الوضع الجديد فتظاهرت بإرسال قوات برية من الأناضول إلى طرابلس ومنها إلى الجزائر عبر تونس ولكن فرنسا هددت الدولة العثمانية بإرسال أسطولها وخشي الأسطول العثماني من الاحتكاك بالأسطول الفرنسي، فغادر طرابلس إلى مالطة ثم إلى استانبول وبذلك قنعت الدولة العثمانية بهذه الحرب الباردةوالتي انتهت عند هذا الحد ).وبعد الاحتلال الفرنسي للجزائر عام (١٢٤٦هـ / ١٨٣٠م)، توقف الزحف الأوروبي الاستعماري على الولايات العربية مدة ناهزت الخمسين عاماً بسبب اشتداد حدة التنافس بين الدول الأوروبية على تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية وتوزيعها أسلاباً فيما بينها، وما صحب هذا التنافس من حروب ومؤتمرات و معاهدات ازدحم بها تاريخ الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وانتهجت هذه الدول سياسة التعويض وسياسة المصالحة على حساب الدولة العثمانية في مؤتمر برلين عام (۱۲۹۵ هـ / ۱۸۷۸م)، وبسطت فرنسا حمايتها على تونس عام (١٢٩٩هـ / (۱۸۸۱م)، واحتلت بريطانيا مصر عام (١٣٠٠هـ / (۱۸۸۲). وكان قد سبق فرض الحماية والاحتلال على هذين البلدين العربيين الإسلاميين انتهاج سياسة التغلغل السلمي عن طريق تقديم قروض أوروبية ضخمة، بحيث عجزنا عن سداد القروض وفوائدها مما أدى إلى التدخل في الشؤون المالية وبعد ذلك في الشؤون السياسية وانتهت بالغزو العسكري ). واشتركت بريطانيا مع مصر في حملة مشتركة عام (١٣١٤ هـ / ١٨٩٦م)، لاسترداد السودان واتخذت من هذا الاشتراك ذريعة لإقامة حكم ثنائي بريطاني مصري في السودان عام (۱۳۱۷ هـ / ۱۸۹۹م). وكان هذا الحكم الثنائي في لحمته وسداه فصلا فعلياً بين شطري الوادي واستئثاراً من بريطانيا بالانفراد في حكم السودان (٢)، وما لبثت بريطانيا أن عصفت بالمظهر الشكلي لهذا الحكم الثنائي. ثم احتلت إيطاليا طرابلس وبرقه في عام (١٣٣٠ هـ / ١٩١١م). وفي مطلع الحرب العالمية الأولى احتلت القوات البريطانية البصرة في العراق،