الآية 1:﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: أي نَزَّهَ اللهَ تعالى - عن كل ما لا يليق به - جميع الكائنات التي في السماوات والأرض (إذ ما مِن شيءٍ إلا يُسَبِّح بحمده، ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الْعَزِيزُ ﴾ في انتقامه من أعدائه, ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في تدبيره لأوليائه. والآية 3:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾: يعني لماذا لا توفون بالعهود التي بينكم وبين الله تعالى، والوعود التي بينكم وبين الناس؟!، ولماذا تأمرون الناس بالخير وتنسون أنفسكم فلا تفعلوه؟! (وهذا إنكارٌ على كل مَن يُخالف فِعلُه قولَه)، فقد﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾:أي عَظُم كُرهاً عند الله أن تقولوا بألسنتكم ما لا تفعلونه، الآية 4:﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ﴾ - أي لإعلاء كلمته وإظهار دينه - ﴿ صَفًّا ﴾ أي صفوفاً مُتراصّة (لا تخاف من الأعداء) ﴿ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ أي كأنهم بُنيان مُحكَم لا يَنفذ منه العدو. الآية 5:﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ أي اذكر لقومك أيها الرسول حين قال موسى لقومه: ﴿ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ﴾ بالأقوال السيئة ومُخالفة الأوامر, ﴿ وَقَدْ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني: وأنتم تعلمون ﴿ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾؟!، ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا ﴾ يعني فلمّا انصرفوا عن الحق بعد أن علموه، وأصروا على العِصيان: ﴿ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ أي صَرَفَ الله قلوبهم عن قَبول الهُدى والعمل به؛ عقوبةً لهم على ضلالهم الذي اختاروه لأنفسهم ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ أي لا يوفق الخارجين عن طاعته إلى ما فيه هدايتهم وسعادتهم (وذلك بعد أن توغلوا في الفجور والضلال واختاروه على الهدى). ومَحبةً في قلوب الخَلق، الآية 6:﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ لقومه: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾، وقد جئتكم ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ ﴾ أي لِما جاءَ قبلي ﴿ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾ المُنَزَّلة على أخي موسى، ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ يعني: وشاهدًا بصدق رسول يأتي من بعدي اسمه "أحمد" (وهو اسم من أسماء النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ يعني: فلمّا جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالآيات الواضحات من عند الله تعالى, والتي تدل على صِدق رسالته ووجوب اتِّباعه في العقيدة والشريعة: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال الجاحدونَ بنُبُوّته: ﴿ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي هـذا الذي جئتَنا به سِحرٌ ظاهر. الآية 7:﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ يعني: ومَن أشد ظلمًا ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ أي اختلق على الله الكذب, وحَرَّم ما لم يُحَرِّمه اللهُ تعالى ﴿ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ﴾ يعني: وقد فعل ذلك وهو يُدعَى إلى الدخول في الإسلام وإخلاص العبادة لله وحده، والرسول يدعو ويُبَيِّن: فالأمر حينئذٍ أعظم وأشد ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي لا يوفِّق الذين ظلموا أنفسهم - بإصرارهم على الكفر والشرك - إلى طريق الحق والصواب. ﴿ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ أي مُظهِر الحق - بإتمام دينه - ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. الآية 9:﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ محمدًا صلى الله عليه وسلم ﴿ بِالْهُدَى ﴾ وهو القرآن ﴿ وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ وهو دين الإسلام ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ أي لِيُعلِيَهُ على كل الأديان الباطلة المُخالِفة للإسلام ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ ذلك، من الآية 10 إلى الآية 13: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ ﴾ يعني هل أُرشِدكم إلى تجارةٍ عظيمةِ الشأن ﴿ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾؟ ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي تداومون على إيمانكم بالله ورسوله ﴿ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ لنُصرة دينه وإعلاء كلمته (حتى يُعبَد وحده ولا يُعبَد غيره)﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ من تجارة الدنيا وشهواتها الرخيصة العاجلة ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾، فإن فعلتم ذلك أيها المؤمنون: ﴿ يَغْفِرْ ﴾ اللهُ ﴿ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ فلا يعاقبكم عليها ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ ﴾ أي حدائق جميلة المَنظر ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي تجري الأنهار من تحت أشجارها المتدلية وقصورها العالية ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً ﴾ أي مساكنَ حَسَنَة البناء، ﴿ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ أي في جنات الخلود ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ الذي لا فوز مِثله، ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا ﴾ يعني: ويُعطِكم سبحانه نعمةً أخرى تحبونها - أيها المؤمنون - وهي: ﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ على عدوكم ﴿ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ يعني: وفتحٌ عاجل يتم على أيديكم (وهو فتح مكة وباقي المدن والقرى، ﴿ وَبَشِّرِ ﴾ - أيها النبي - ﴿ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الطائعين، الآية 14: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ﴾ أي كونوا أنصارًا لدين الله تعالى ورسوله والمؤمنين, وكونوا في استجابتكم لأمر ربكم ﴿ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ ﴾ وهُم أصفياء عيسى (الذين اختارهم لصُحبته): ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾؟ يعني مَن يَنصرني ويُعينني في كل ما يُقرِّب إلى الله تعالى ويأمر به؟، فـ﴿ قَالَ ﴾ له ﴿ الْحَوَارِيُّونَ ﴾: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ أي نحن أنصار دين اللهِ والداعونَ إليه.