يقف في مقدمتها العامل الاقتصادي (المادي) الذي له الأثر الواضح في تشكيل رؤية الأديب وموقفه من الحياة. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم في الماركسية، فوجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. فالأديب بحكم وضعه الطبقي، وترى الفلسفة المادية للماركسية أن لكل مجتمع بنيتين؛ دنيا: ويمثلها: النتاج المادي المتجلي في البنية الاقتصادية للمجتمع، وأن أي تغيير في قوى الإنتاج المادية وعلاقاته، لا بد من أن يحدث تغييراً في العلاقات الاجتماعية والنظم الفكرية. من هنا فإن الخطاب الأدبي والفني خطاب ينتمي، تبعاً للنظرية الماركسية إلى البنية العليا للمجتمع. فهو منعكس عن البنية الدنيا، ومتأثر بالتيارات الاقتصادية وبالانتماء الطبقي للأديب، ولا شك في أن المنطلق الاجتماعي للأدب جاء في مقابل المنطلق الفردي للمثاليين، ذلك المنطلق الذي يرى أن الأدب تعبير عن الفردية المطلقة للأديب، ما حدا بهم إلى رفع شعار ( الفن للفن) الذي نقض على أيدي الماديين، أصحاب المنهج الاجتماعي الجديد، فصار للأدب رسالة وللفن وظيفة، تعني رسالة الأدب والفن عند أصحاب المنهج الاجتماعي، وألا يعزل الأديب أو الفنان نفسه عن المجتمع في برج عاج. فللأدب والفن دور في رقي المجتمع، إن القول برسالة الأب والفن، لا بد من أن يقود المنهج الاجتماعي في النقد إلى عدد من المواقف والتصورات، وعلى الرغم من أن المقياس النقدي الثابت الجودة الأدب وأصالته في النظرية الماركسية، هو قدرة العمل الأدبي على تصوير الواقع الاجتماعي وإخلاصه في التعبير عن طبيعة علاقاته، لقد قدمت النظرية الماركسية في مجال الأدب ثلاثة مفهومات رئيسة هي: مفهوم الواقعية والواقعية النقدية، وإذا كان مفهوم الواقعية قد رافق مفهوم الانعكاس الاجتماعي المعدل إلى التعبير الصادق عن الواقع، فإن مفهوم الواقعية النقدية قد تجاوز محض التعبير، أما مفهوم الواقعية الاشتراكية، فهو المفهوم الذي تجاوزت فيه النظرية الماركسية رؤيتها السابقة بعد أن وجدت أن نقد الواقع وحده، وضروب القهر والضياع. ولعله ليس بإمكان أحد أن يقلل من أهمية الإضافة التي قدمتها الماركسية في مجال النظرية الأدبية عامة، وتفسير علاقة الأدب بالمجتمع خاصة، واستجلاء ملامح العلاقات الاجتماعية وقسمات البنى الطبقية والتشكلات الأيديولوجية. فليس بوسع أحد أن ينكر حقيقة مفادها أن الأدب ليس نبتاً شيطانياً، وعرفه وأدركه وخبره وتربى عليه وألفه واكتسبه، وهو ما يعني أنه ليس ثمة ما يمكن أن ينشأ من فراغ. ومثلما لا يستطيع الشعر أن يحل محل النشاط الاجتماعي، إن التسليم بالمنابع الاجتماعية للأدب، لا يعني المساواة بين الأدب ومنبعه، فقد يكون المنبع حافزاً للأديب ومبعثاً على إنتاجه، من دون أن يعني هذا بالضرورة أن طبيعة هذا الإنتاج من جنس المنبع نفسه. قد يقف السياق الاجتماعي عند حدود الحفز والتأثير، حتى إذا نظرنا فيما انتهى إليه، لم نجد إحالة واضحة عليه، ما وقع فيه عدد من نقادنا ودارسينا البارزين، حين قاسوا الظاهرة الأدبية بمنابعها، فعابوا عليها قصورها في تصوير المجتمع، رابطين ربطاً يحول دون النظر إلى الأعمال الأدبية في استقلالها وتميزها ورحابتها الموحية الدالة (٢)، حدث ذلك كثيراً مع نصوص الأدب الجاهلي، وهي خصيصته الجوهرية، إن الانشغال في الحديث عما يسمى بـ (اجتماعية الأدب والاهتمام به، من شأنه أن يصرف اهتمامنا عن جوهر الظاهرة الأدبية وحقيقتها الأساسية ونريد بها (أدبية الأدب). وإذا كان صحيحاً أن الأديب فرد في مجتمع وإنسان في طبقة، خلال مسيرة تطوره، بل ربما عبر أدباء عن مواقف وأيديولوجيات مختلفة عن انتماءاتهم الطبقية ومفارقة لها. من هنا يصبح من اللازم للناقد أن يذود المعلومات والوثائق المتصلة بالبيئة الخارجية للنص الأدبي عن عقله (۱)، لئلا تحرفه عن الكشف الخلاق وتعوقه عن الفهم والتحليل. ثانياً : المناهج المحايثة 1 - المنهجان؛ الشكلاني والنقد الجديد: كان النصف الأول من القرن العشرين إيذاناً بظهور منهجين نقديين أصبحا فيما بعد رافدين أساسيين من روافد ما سمي بالمنهج البنيوي أو البنائي في دراسة النص الأدبي وتحليله. يرجع المنهج الشكلاني الذي يمثل أحد الاتجاهين النقديين المذكورين لعدد من النقاد والدراسين الروس الذين أحدثوا انعطافة جديدة في نظرية الأدب وتحليل النص الأدبي، يعد المنهج الشكلاني ثمرة التقاء تجمعين أدبيين، هما: حلقة موسكو اللغوية وحلقة بطرسبورغ. فقي عام ١٩١٥ أسس مجموعة من الطلبة، بينهم (جاكبسون)، حلقة سميت حلقة موسكو اللغوية، ما لبثت أن استقطبت جل الشباب المهتمين باللسانيات، إلى جانب بعض الشعراء والمفكرين البارزين أمثال الشاعر ما يكوفسكي وجوستاف سبيت تلميذ الفيلسوف هوسرل. وعقب سنة من تأسيس حلقة موسكو، اجتمع في شتاء ١٩١٥-١٩١٦ عدد من الفيلولوجيين الشباب ومؤرخي الأدب في بطرسبورغ وكونوا جمعية لدراسة اللغة الشعرية عرفت باسم أبوياز (Opoyaz) (۲). عملت هاتان الجماعتان على تأسيس تقاليد حوار وإثارة جدل مهم بناء اتخذ شكل حلقات دراسية، مجسدين بذلك ازدواجية اهتماماتهم الألسنية والجمالية معاً، ساعين إلى تقليص الهوة بين حقليهما، مما ترك أثراً واضحاً في تجانس هذه الجماعة ومرونتها وتفاعلها (۳). بجعل الآثار الأدبية محور النشاط ومركز الاهتمام النقدي، في مقابل إغفال ما يتصل بها من عوامل ومرجعيات، ساعين إلى خلق علم أدبي مكتفين بالنظر في عناصر بنية النص الأدبي، من هنا سعى الشكلانيون إلى مقاربة النص الأدبي مقاربة محايثة، لا تحيل على وقائع خارجية عنها إلى ما يتجاوز لغتها ويتصل بالذات المنتجة لها أو بسياق إنتاجها ، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط. ويمكن القول إن الاهتمام الأساس لأصحاب هذا الاتجاه، تركز بشكل لافت في تحليل النص الأدبي، بوصفه نقطة البدء والمعاد، متنكبين لجميع المقاربات النقدية السابقة عليهم، التي أولت اهتمامها لما هو خارج النص من تاريخ وعلم نفس واجتماع. لكن تجاهل الشكلانيين للمناهج الخارجية في دراسة الأدب لم يكن يعني لديهم إنكارهم قيمتها، بقدر ما يعني تحديدهم مجال اشتغالهم النقدي و تمييزهم بين دراساتهم ودراسات العلوم الإنسانية وأهدافها، أحد أقطاب هذا الاتجاه: "إننا في دراستنا لا نتناول القضايا البيوغرافية أو النفسية المتعلقة بالإبداع، يجب أن نبحث عن مكانها في العلوم الأخرى (٢) أو في اعترافه في مناسبة أخرى بفاعلية الدراسات الماركسية للأدب، ولا مؤثراته الخارجية، فضلاً عن تأثرهم بالشعراء الرمزيين الروس. لتتحول إلى نصوص عادية من الكلام، ذات صفة معرفية، وهو ما يمنح التصور الشكلاني صدقيته، فالكيفية التي تعبر بها الآثار هي المظهر الجوهري للإنتاج الأدبي. منتهين في دراساتهم إلى أن ما يميز النصوص الأدبية من سائر الأنظمة الاجتماعية والفكرية هو بروز شكلها، فإذا كانت الدراسات تريد لنفسها صفة العلمية، وإذ يركز الشكلانيون على اللغة ودورها في العمل الأدبي فإنهم يعدون العمل الأدبي نظاماً منغلقاً وبنية مستقلة بذاتها ذات قوانين ونظم داخلية ينبغي الاقتصار عليها ورفض سائر المقاربات. وفي ذلك يقول فيكتور أرليخ: «إن مكمن خاصية الأدب ينبغي البحث عنها في الأثر الأدبي نفسه وليس في الأحوال النفسية للمؤلف أو القارئ» . ما قادهم إلى مراحل من التطور، خلال المرحلة الممتدة من ١٩١٥ - ۱۹۳۰ من عمر الحركة، منها مفهوم الشكل ومفهوم الوسيلة ومفهوم الوظيفة. ولعل الأكثر تميزاً مما عرفوا به فهمهم الجديد لما عرف عندهم بالشكل From وكان مصدر نعت خصومهم لهم بالشكلانيين، تلك التسمية التي لم ولطالما شكا الشكلانيون منها وحاولوا التنصل منها وإيجاد تسمية بديلة لها ، لكنهم فشلوا على ما يبدو في كل ما حاولوه. ما رأوا فيه ظاهرة لا تخلو من سطحية، يقول أيخنباوم : " يوصف منهجنا عند العموم (كذا) " بالشكلانية" وأفضل أن أسميه منهجاً مورفولوجياً، ولا سيما في مرحلة متقدمة من حركتهم، كما أنها ليست التي تشدنا تمييزهم بين عنصرين أساسيين من عناصر الرواية، إذ رأوا أن القصة هي مجموع الأحداث ومادة الرواية، لم يكن ليعني إنكارهم ما عداهما من عناصر مهمة أخرى.