1)في ساعة الأصيل هذه والشمس تجنح نحو الغروب وأنا متربع على قمة هذا الكتيب مثلما كنت أفعل في شبابي تتراءى لي تلك الذكريات، مدناً بجادات عريضة مستوحاة من مدن أخرى تنتصب هنا، أرى ناطحات سحاب وحدائق حيث لم يكن ينبت غير الحصى. أرى سراباً أصبح حجارة وفولاذاً. لكن القيام به كان شديد الإغراء. أخرجت من عمق الصحراء بلاداً يعرف أهل الغرب اسمها، فهل تعرفون اسمي أنا؟ حسناً، سأعلمكم به: اسمي زايد بن سلطان آل نهيان. لم أفعل ذلك لمجدي أبداً، أولئك الذين تحملوا بصبر أعباء حياة صعبة، اسمي زايد بن سلطان آل نهيان. أنا حفيد زايد الكبير. (3) طوال قرون لم يطرأ تغيير يُذكر على هذه المنطقة من العالم حيث ولدت تموجات الكثبان والشواطئ الفضية أنعم من المخمل. أسسوا وكالات تجارية وطوروا تجارة اللؤلؤ والذهب ثم أبحروا بعيداً. ثم شهد القرن التاسع عشر وصول الإنجليز الذين وضعوا المنطقة تحت حمايتهم حتى عام 1971. وفي واحة ليوا حط بنو ياس الرحال، ولا نزال في أعماق نفوسنا بدواً. من هو الشاعر إن لم يكن إنساناً يستشف من خلال ظلمات هذا العالم علة وجوده ويلمح خيوط الفجر الأولى؟. واستخدام سيارات الدفع الرباعي وحلول التلفزيون مكان نيران المخيم، إلا أن تقاليدنا ما زالت راسخة وعنيدة. (5 ) كان جدي قد بلغ العشرين من العمر عندما أصبح حاكماً لأبوظبي عام 1855. كان يشع بالحكمة وبعد النظر. طوال مدة حكمه المديدة - 55 عاماً - لم يعتمد في تثبيت سلطته على القوة بل على التوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات. وتمكن من إحلال الوئام في هذه البيئة الصحراوية القاسية. ومع ذلك أشعر فيها بأنني في أفضل حال. وكلما أتاحت لي مسؤولياتي الفرصة كنت أقصد سفوح الكثبان الرملية لكي أستعيد أصالتي. زهاء أربعة أشهر في السنة، كان الغواصون يعملون طوال اليوم، يستعينون بحجر كبير لتسريع نزولهم، ويبقون تحت الماء ما بين دقيقتين إلى أربع دقائق. وبعضهم كان يصعد وأنفه ينزف دماً. ثمرة النخلة المباركة الوفية التي تشبه أهلها انتماء وصبراً وجلادة وعطاء. كان الماء متوفراً بغزارة في واحة العين، وفي ما بعد تابعت عمله وطورته. وأنا في مغرب حياتي أعتقد أنني عثرت على الجواب: أعطِ، الضوء المتألق الذي أنار أربعين عاماً من حياتي. وأفكر في أمي "سلامة بنت بطي"، وأن أفضل السلام على النزاع دوماً. لقد حلفنا أمامها ألا يقتتل الإخوة أبداً،