كيف أقرأ العمل الأدبي الأدب نشاط إبداعي يتشكل في شكل لغوي. ومعنى هذا أنه تجربة إنسانية للأديب المبدع، تأخذ طريقها إلى الآخرين عن طريق الشكل اللغوي الذي تتشكل فيه. ويتلقى منه مئات الانطباعات، بل يختزنها. وهذا الاختزان أبعد ما يكون عن التجميد. وتباين التجارب، وتتآلف، الذي يجعل منها كيانا محسوسا جماليًّا . وإن بدت هينةً في الظاهر؛ بل وإن بدا في الظاهر أنه لا رحلة على الإطلاق. والواقع أن انعدام هذه الرحلة في الظاهر مرتبط على نحوٍ مطرد بجودة العمل الأدبي، فكلما كان الأديب المبدع متمكنا من فنه، بدا وكأنه يؤديه دون جهد ظاهر، وذلك دليل عدم النضج. فحتى في الحِرَف، والمهارات اليدوية تبدو المعاناة واضحة ومجهدة لدى المبتدئين، أما الذين أتفنوا صنعتهم فإنهم يؤدونها وكأنهم لا يبذلون أدنى قدرٍ من الجهد. لا لأنه هكذا يجب أن يقال. وقد يريده الشاعر ويشقى به أشد الشقاء ثم جيئنا بالقصيد فنقول أجل هذا الكلام يوشك أن يقال بغير قائل! وصاحب الكلام يعلم أنه لو لم يرده ويقتسره على ما أراد، أو اليأس، أو ما شئت مما يعبر عنه في تشكيل شعريّ يستغرق بيتًا في قصيدة ليس مظهرًا جزئيًا لإحساس خاص بمقدار ما هو خيط يشتبك اشتباكًا يستعصي على الانفصام في نسيج معقدٍ من المواقف والتجارب المتباينة التي يقدمها الواقع إلى الأديب المبدع، والتي يتأملها هذا الأديب المبدع في فتراتٍ متباعدة، وضغطت، حتى أخذت شكلها اللغوي المناسب. وبهذه يصبح معنى العمل الأدبي دائمًا معنى عامًا، لا يرتبط بأي تفسير جزئي محدود، أو بعبارة أخرى يصبح معنى مجازيًا رمزيًّا. وذلك لأن هذا العمل لا يدين في جذوره وأصوله ومنابع تكوينه إلى أمور محددة ثابتة. إن القصيدة الجيدة التي تأخذ في معناها الظاهر شكل المناسبة الخاصة التي تتحدث عن حدث هام من أحداث الوطن مثلًا، والتي يتحدد معناها الظاهري في دعوة صريحة إلى أمر ما (الدعوة إلى التضحية مثلًا) لا يمثل منها الإحساس الوطني والدعوة إلى التضحية في الحقيقة سوى القشرة الظاهرة القريبة. ونخطئ إذا تعلق اهتمامنا بهذه القشرة الظاهرة، ولم يتجاوزها إلى محاولة وضعها في سياقها الصحيح من عوامل التشكيل الأخرى التي تحيط بها، وهي عوامل معنوية رمزية لغوية في المكان الأول. والعمل الأدبي تجسيد لنقطة جوهرية في الحاضر تلتقي التقاء عضويًا بأنسجة حيوية بعضها ينتمي إلى الماضي، وبعضها ينتمي إلى آفاق غير مرئية في الحاضر نفسه، وبعضها يرهص بالمستقبل إرهاصًا أشبه بالفروض العلمية المطمئنة منه برجم الغيب. وفي ضوء هذا ينبغي أن تفهم القضية الملحة، وهي قضية علاقة الأدب بالواقع. فإذا كنا نفهم الواقع على أنه حاضر محدد الزمان والمكان، ومحدد المشكلات والقيم والانطباعات فالأدب ليس تصويرًا له، لأنه يدخل في تشكيل الأدب بالضرورة عوامل لا صلة لها بهذا الواقع الذي تصوره، عوامل تتصل برؤية الكاتب المبدع التي تُستمد من قيم متصلة بطرق الإحساس والتفكير والتأمل وكيفية التشكيل، وأساليب الأداء. وأيضًا لأن معاني الزمن - وهو عنصر متغير أبدًا - والمكان - وهو أيضًا عنصر متغير - والموقف الخاص - وهو كذلك شيء يخضع للتغيير - كلها تدخل بالضرورة في مفهوم (الواقع)، إذ إننا لا يمكن أن ندرك معنى الواقع بمعزل عن هذه المعاني. أما إذا فهم الواقع على نحو يبعده عن كل ما هو جزئي ومحدد فإن الأدب يكون تعبيرًا عنه، ولكننا في هذه الحالة ينبغي أن نستبدل به مصطلح (الحقيقة). وذلك لأن مفهوم الحقيقة مفهوم عام، وقد ترتبط بالمكان ولكنها تتجاوزه، وقد ترتبط بالموقف الخاص ولكنها تتجاوزه، و تجاوزها لكل ما هو جزئي على هذا النحو هو الذي يسوغ جعل الأدب تعبيرًا عنه، وهو الذي يسوغ التفكير فيه بصفته رمزًا يأخذ من الواقع ويعلو عليه. والمحور الأساسي في العمل الأدبي الإبداعي هو الشكل اللغوي الذي يأخذه، وذلك لأن الأدب تشكيل لغوي في نهاية الأمر . ولهذا ينبغي أن يكون المدخل إلى فهمه وتحليله وتقديره مدخلًا لغويًا. ونثر الشعر، والتنبيه على الصور البلاغية التقليدية من تشبيهات واستعارات، فمثل هذه الطريقة تشوه العمل الأدبي بدل أن تلقي الضوء عليه. وهي تغفل أمرًا حيويًا هو أن المقابل النثري للبيت الشعري ليس هو المعنى الشعري على الإطلاق، فالنسيج اللغوي والإيقاع الكائن في الكلمات والتعابير، ونوع الصور والرموز المستخدمة كل ذلك وغيره جزء لا يتجزأ من المعنى الشعري. والمنهج اللغوي - بعد الشوط الطويل الذي قطعته الدراسات اللغوية وعلم الأسلوب - يتناول اللغة بصفتها وسيلة أداء وتوصيل، وعناصر التصوير، ومسائل أخرى كثيرة. وليست شكلا لمضمون ما. إنها تشكيل مؤثر هو الشكل وهو المحتوى، وهو الوسيلة والغاية ومرة أخري نرى عقم الطريقة التقليدية التي تقوم على تمزيق العمل الأدبي إلى شكل ومضمون، بل متنافران. وقيمته، وغير ذلك من الأهداف المتوخاة من التحليل الأدبي، بينما يسلم الجري وراء المعاني المجردة من سياقها في التكوين اللغوي إلى طريق مغلق، وينتهي إلى خيبة أمل تجعلنا نحصل على (المعنى) الذي يطرحه علينا الواقع الجزئي سواء بسواء. وإذا كان الحال كذلك ففيم عناء الأديب المبدع؟ وفيم عناء القارئ ومن ثم قيمة العمل أصلا. يمثل العمل الأدبي بصفته تكوينًا لغويًّا قيمة مستقلة تأخذ بعض عناصرها الأولية من الواقع، لا بهدف تصوير هذا الواقع، وإنما بهدف تجاوز ذلك - كما قلت - إلى تصوير الحقيقة التي هي أصل كل واقع ومرده. وهو استقلال واسع، يشمل استقلاله عن حياة قائله وشخصيته. ولو أن أعمال شكسبير مثلا اعتمدت في فهمها وتقدير قيمتها على البيئة والعصر اللذيْن أنتجاها لما كان لها معنى ولا قذر خارج هذه البيئة وذلك العصر، وتتضح قيمتها وتتحدد. وبالمثل فإن اعتماد العمل الأدبي اعتمادًا عضويًا على حياة منشئه - بحيث يكون انعكاسًا لهذه الحياة وبحيث لا يفهم إلا في ضوئها - أمر يتناقض مع طبيعة العمل الأدبي صفته كيانا مستقلا. لقد عاش امرؤ القيس - مثلا - فترة جد محدودة على ظهر هذه الأرض. وليس أمامنا سبيل لإعادة تشكيل حياته التي أبدع فيها شعره يومًا بيوم. ونحن الآن نواجه الشعر بعد مئات السنين، ولو أصررنا على أن يكون فهم هذا الشعر متوقفًا على معرفة أحداث حياة صاحبه لكان إصرارنا إصرارًا لا طائل تحته، أولا لأنه لا سبيل - كما قلت - لإعطاء صورة حرفية واقعية لهذه الحياة، وثانيًا لأن المعاني الشعرية التي يتيحها لنا شعر امرئ القيس أوسع و أعمق وأغنى مهما كان من جسامة الأحداث التي حدثت في هذه الحياة. لقد اشتكى رتشاردز - وهو محق في شكواه - من النقد الأدبي الذي يركز تركيزًا شديدًا في أيامنا هذه على شخصية الشاعر، وحركة القصيدة، التي تمكن القارئ من اكتشاف السمات والمغامرات الروحية لدى الشاعر. ذلك لأن الشعر - كما يرى رتشاردز - شيء أعمق بكثير من مجرد كونه مصدرًا نستقي منه حياة الشاعر . ولو أننا فعلنا ذلك لحولنا يوليسيس لجيمس جويس إلى مجرد تأملات في حياة جويس الجنسية. ونكون حينئذ على خطر نسيان أن وسائل الاتصال العام ينبغي أن تجعل موضوعها شيئًا له طبيعة الاهتمام العام. وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلْهُم مِنهُ وَإِن سَرَّ بَعضَهُم أَحيانا رُبَّما تُحسِنُ الصَّنيعَ لَياليهِ وَلَكِن تُكَدِّرُ الإحْسانا وَكَأَنَّا لَم يَرضَ فينا بِرَيبِ الدَهرِ حَتى أَعانَهُ مَن أَعانا كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قناةً ركبَ المَرْءُ في القَناةِ سِنانا وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن نَتَعادى فيهِ وَأْن نَتَفانى كالِحاتٍ وَلا يُلاقي الهَوانا لَعَدَدنا أَضَلَّنا الشُّجْعانا وَإِذا لَم يَكُن مِنَ المَوتِ بُدِّ فَمِنَ العَجزِ أَن تَكونَ جَبانا كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَعبِ في الأنفُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا فكيف تجاوزت كل هذه الأمور، وضمنت لنفسها حياة خاصة تقدم بها إلينا بعد انتهاء صاحبها المتنبي بما له وما عليه، عصره، وأحداث حياته، ودوافعه، ومزاجه، والحالة النفسية التي كان عليها عندئذ، وما إلى تلك الأشياء ؟ إننا لابد ان ندلف إلى هذه القصيدة من بابها الذي تحيا به الان بيننا. لكن كيف نجد طريقنا إلى هذا الباب؟ هل نجده بنثر معانيها اللغوية القريبة؟ إن هذه المعاني القريبة يستطيع أن يخبرنا بها تلميذ على قدر متواضع من الدربة، والمعاني اللغوية القريبة شيء، والمعاني الشعرية شيء آخر، يقول هربرت ريد: " إن للقصيدة شكلها الذي تنفرد به، وهي في ذلك مثل اللوحة وقطعة الموسيقى. وهذا الشكل مزيج من الصور وصنوف الإيقاع. بل إنها تعني أكثر منه. ولها نظام موسيقي يحمل في ذاته معنى بوصفه صوتًا ". إن المعالم الحقيقية لباب هذه القصيدة تتضح - أقول تتضح ولا أقول تفتح على مصراعيها - بقراءة أولى لها مبنية على أساس إحساس الشاعر بالزمن، وما يترتب على ذلك من توترات تنشأ عن رؤية المفارقات المأساوية وهي تعمل، مكونة امتداد هذا الزمن وعمقه، سداه ولحمته، ما كان منه وما سيكون، رؤية المفارقات الحاصلة من الصحبة (وكل الظلال التي تحيط بها) تعمل في بؤرة رؤية واحدة مع العناء (مع كل الظلال المضادة التي تحيط به) ورؤية الغصة وهي تلتحم بالسرور، ورؤية الإحسان وهو يلتحم بالكدر، ورؤية الريب وهو يلتحم بالإعانة، ورؤية الحياة (وهي قصد) تعمل في مواجهة الضلال، ورؤية حتمية الموت في مواجهة الحياة المجمدة (الجبن)، ويمكن أن تستمر هذه القراءة لتكشف عن توترات فرعية تدعم المواقف الإنسانية المتقابلة. في فترة خاصة، وفي حالة مزاجية خاصة، لتكشف عن نوع من الإحساس العام بالقلق الذي يستشعره الإنسان في مواجهة الحياة، ولا يفتأ يعمق في نفسه عن طريق تأمله في ضوء تجاربه، ومعطيات لغته، وتقاليد التعبير في هذه اللغة حتى تجد له تشكيلا ملائما يفصله عن المناسبة والفترة، والشاعر، ليجعل حالات لغوية، لها استقلال يضمن فعاليتها بحيث تجد طريقها إلى كل نفس إنسانية، بل يكون الهدف استغلالَ هذه العناصر الفعالة لغاية طموح ليست أقلَّ من السيطرة على العصب الأساسي للقصيدة، ومن ثَمَّ فتح بابها على مصراعيه. من المعاناة والعناء، ومن السرور الذي ينطوي في لمحات. وكل ذلك يؤدّى في بيتين اثنين. وتتبعُ رمز (الزمن) في خلال بقية القصيدة يكشف لنا عن حركة دائبة ممتدة حسها إحساسا صاخبا من خلال (الصنيع، والليالي، والدهر)، وما بنطوي عليه كل ذلك من فعل، وهنا تبرز القضية الأساسية التي هي صراع طرفي الحياة - الزمن والإنسان - صراعا يجلي دورة الحياة على نحو أقسى ما يكون، ففي جانب تنبت القنوات وتولد الامال، وفي جانب تدور رحى المنايا، وتطل حتمية الموت، ويسود سكون أخير في البيت الأخير. وإذن فيمكن أن يُقال إن هذه القصيدة هي الحياة (ولا أقول الواقع) وقد وُضعت في بناء لغوي موسيقي متوازن. إنها رؤية شعرية للكون، وتنفض على نحو عنيف أيضا. وهي بهذا تدعوه إلى التفكر في تطوير فلسفة خاصة إزاء هذه المأساة، تسلم بها، ولكنها - لإدراكها جوهر التغير - لا يتسم تسليمها باللامبالاة، ولا يتبنى وجهات نظر سلبية. وذلك لأن الموقف الإيجابي هو الموقف الطبيعي الذي يجده المرء في نهاية المطاف، حين يفكر مليًّا في ظاهرة السلب والإحباط التي تنطوي عليها الحياة. بمقدار ما هو وليد التعمق في إدراك المعنى الكامن في حركة الحياة وتغيرها في دورة كبيرة، تعود دائما إلى النقطة التي تبتدئ منها، وعلى هذا النحو تتضاءل في القصيدة قيمة المناسبة الخاصة، وتتضاءل قيمة الأحاسيس الشخصية، الأساسية لها كامنة في أنها تُقدِّم في شكل لغوي ذلك الحوار الأزلي الحيَّ بين الإنسان والزمن، وهو حوار يتسم بالشمول في مقدماته، وصُلبه، ونتائجه، وهو حوار لا يمكن أن يجحده أحد، أو يختلف عليه أحد، بل إن كل إنسان يجده جزءا من دائرة وجوده يستوي في ذلك إنسان عصر المتنبي، وإنسان العصر الحاضر، وأظن أننا يمكن أن نكون على يقين من أنه يستوي فيه أيضا إنسان المستقبل مع إنسان الماضي والحاضر . على هذا النحو تمثُل القصيدة أمامنا متمتعة بحياة خاصة، قائمة على أجزائها المتفاعلة التي تكسبها حركة وتوازنا يشبهان حركة وتوازن الكيان الحي. وهي تخاطب فينا إحساسنا بالحياة حين نتأملها، وحين نحياها في إطار تأملي (ويبقى الجانب الآلي من الحياة ثانوي القيمة، وذلك لأن القيمة الحقيقية للحياة تكمن في جانبها التأملي أو وجودها الجمالي). وهي تخاطب إحساسنا اللغوي الذي نفكر فيه بوصفه معادلا لأحاسيسنا وطاقاتنا الذهنية والعاطفية. ومن هنا فإن حياة القصيدة المتطورة النامية الباقية - لا حياة الشاعر المحدودة المنقضية - هي التي ينبغي أن تستحوذ على اهتمامنا، كما أن معناها الشعري الرمزي - الذي يتجاوز كل ما هو خاص من الظرف والمناسبة - هو الذي ينبغي أن يكون الهدف الذي يسعى الناقد سعيا دائبا إلى الكشف عنه. مثل هذه القراءة الأدبية تفتح - في نظري - مجالات جديدة واسعة للتفكير في كثير من ظواهر الشعر العربي. كما حفل الشعر العباسي بوصف مجالس اللهو والشرب. وقد نختصر الوقت والجهد - مخطئين - في تفسير ذلك فنقول إن الشاعر الجاهلي ابن بيئته، وقد كان الجاهليون أصحاب رحلة - والشاعر العباسي ابن بيئته، وظاهرة (شعر اللهو والخمر). وسيفتح لنا هذا الجهد آفاقا مترامية حقا في جو القصيدة العربية. ومن المؤكد أننا سننتهي إلى أن الشاعر لم يكن بالسذاجة التي نتصورها، وأنه كان مشغولا في شعر الرحلة ببناء معادل فني للحياة بصفتها الرحلة الأزلية، أو الرحلة النموذجية العليا، وأن الرحلة إلى الممدوح، أو إلى المعشوق، أو غيرهما، ما هي إلا كالقناع الذي يخبئ إحساسه الفاجع بسفره الممعن المستمر إلى مصيره المجهول. وهنا تصبح الرحلة المحسوسة شاهدا ودليلا فحسبُ على الرحلة المعنوية، وتصبح ضرورة الوقوف عندها مرهونة بالقدر الذي يمكن القارئ من أن يدلف من الباب المناسب للرحلة " الحقيقة ". وسيصبح السؤال المهم ليس هو (هل رحل الشاعر واقعيا أم لم يرحل؟) وإنما هو (كيف استطاع الشاعر أن يشكل من كيان جزئي معادلا فنيا عاما؟). وعلى قدر نفاذ القارئ إلى العناصر الحقيقية للتشكيل الشعري، والسيطرة على نواحي التوازن البنائي فيه، وإدراك الخصائص التي تكسبه حياته الخاصة، يكون نجاحه في التوصل إلى إجابة مناسبة للسؤال الأخير . وبالمثل إذا كنا سنتوقف لدى قصائد وصف اللهو والخمر بصفتها وثائق اجتماعية أو أخلاقية تشير إلى نمو ظواهر معينة، أو انحراف في سلوك معين فإننا لا نعدو أن نكون قد ساوينا بين الفن والتقارير اليومية. لكن اللهو والخمر حين يكتسبان في نظر الشاعر أهمية عامة تكفي لأن يتحولا إل شعر فإنهما يتحولان إلى قيمتين مستقلتين عن واقعهما الحرفي من الناحية المعنوية. وقد يصبح اللهو هو الرمز المعادل لتمرد الإنسان في وجه الحياة بغية تنشيط الإحساس بالعنصر المقابل للعنصر المأساوي المُستَشعَر أبدا فيها، كما قد تصبح الخمر رمزا لملجأ النسيان الذي يلوذ به الإنسان من فداحة الإحساس بهذا الوجه المأساوي نفسه. وقد نشفع ذلك باستنتاجات أخرى عن انحلال الرجل وانحراف أخلاقه. وسواء أكان ذلك صحيحا أم غير صحيح من الناحية التاريخية فإن خطأ هذا النوع من التناول خطأ أساسي، وذلك لأنه يخلط بين قيمتين متباينتين أشد التباين. يقول نورثروب فراي - وقوله يدعونا إلى التأمل - " الحادثة التاريخية من حيث حقيقتها الحرفية لا يمكن أن تكون سوى حادثة تاريخية، والنثر القصصي الذي يصفهما لا يمكن أن يكون سوى نثر قصصي". وفي كل ذلك ينبغي أن نتخذ العلاقات اللغوية، والرموز،