يُعتبر العصر العباسي هو العصر الذهبي للحضارة الإسلامية الذي بلغت فيه أقصى درجاتها من العلوم والابتكار، والتطوُّر والإزدهار، في شتَّى العلوم، وجميع أنواع المعارف، فكثر العلماء، وكثر طلاب العلم، ونشطت الترجمة، وازدهر التأليف، وشاع التدوين، وانتشرت الكُتب، وبُنيت المكتبات العامة والخاصة. وقد انقسمت العلوم والمعارف في العصر العباسي إلى صنفين: العلوم الأصيلة: وهي العلوم النابعة من داخل المجتمع المسلم، وهي في معظمها العلوم الشرعية واللسانية. والعلوم الدَّخيلة: وهي التي اقتبسها المسلمون من الأمم المجاورة عن طريق النقل والترجمة، ومن أبرزها علوم المنطق والفلسفة وما أضافه العرب إلى علومهم في الفلك والطب والهندسة والجغرافيا. وقد شيَّد أبو جعفر المنصور مدينة بغداد وأتمَّ بناءها عام 146ه/763م وكان طموحه ليس في مجرد أن تصبح بغداد عاصمته السياسية، بل كان يريد أن يجعلها حاضرة ثقافية، فجعلها آية العلم، ومنارة للفن، وعاصمة المعارف، وقبلة للعلماء وطلبة العلم، وموئلا للإزدهار العلمي، والتطور الفكري، فصارت لها من الناحية الثقافية منزلة عليا، ومكانة سامية. وترجع أسباب النهصة العلمية في العصر العباسي إلى عدة أسباب: أولها: اهتمام الخلفاء بالعلم والمعرفة، حيث شجعوا الفكر، ودعموا الحركة الثقافية، فساندوا العلماء، وقربوا الأدباء، وأجزلوا لهم العطاء، وأجروا عليهم الرواتب، والحق أن رائد تلك النهضة كان الخليفة أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية، والذي عرف عنه شغفه بالعلم، ودعمه لحركة الفكر، وسار من بعده أولاه وأحفاده على نهجه، وأخذوا بالمضي على سيرته، حتى بلغت تلك النهضة أوج مجدها في عهد حفيده هارون الرشيد، ثم في عهد ولده المأمون الذي تعمَّق في العلم تعمُّقًا، فأطلق الفكر، وسمح بالجدل، وشجع المناظرات الكلامية، وكان يقرِّب العلماء، ويجزل لهم العطاء. ولم يكن ذلك قاصرا على الخلفاء فحسب، بل تبعهم في ذلك وزراؤهم ورجالهم، وكتَّابهم وأعلام حاشيتهم، والجدير بالذكر أن حتى مع اضطراب أحوال الخلافة السياسية، وكثرة الفتن والقلاقل الداخلية، استمرت الحركة الثقافية في أعلى درجاتها، وقمة نشاطها، بحيث لم تتأثر على الإطلاق بما حل ببغداد من ضعف سياسي مع أواسط القرن الثالث الهجري، واستمر الخلفاء على نهجهم في إكرام العلماء وصلتهم. بل حتى أن حكام الدويلات والإمارات المستقلة، رغم ما كان بينها من حروب ونزاع، وما اشتعل بنهما من خلاف وصراع، اهتم حكامها أيضا بالمعرفة والفنون كوجه للتنافس فيما بينها، فكان منهم من يدعو العلماء والأدباء ليملأ بهم بلاطه، ويزيِّن بهم حاشيته، ومنهم من كان لا يستوزر إلا كاتبا أو أديبا، فنشط العلم نشاطا واسعا غير متأثِّرٍ باضطراب الأحوال السياسية.