وإن التواضع الكريم الذي نراه متألقا في جميع أفعال سموك يجعلني على ثقة من أن الكلام البسيط الصريح الذي ينطق به رجل, غلب على الناس أن يقابلوا بين التهور والاستحياء كما يقابلون بين فضيلة ورذيلة، لا جرم يصلون إلى مرتبة من الحكمة أرفع من مرتبة غيرهم. فعنايتك بتثقيف نفسك تتجلى في أنه لا شيء من ملهيات البلاط ولا الأسلوب المألوف في تربية الأميرات, ومع أنها بدت وكأنها قد بذلت كل ما في وسعها لتحويلك عن طبعك الرضي- لم تستطع قط أن توغر صدرك أو تكسر قلبك. بل يقصد منها معرفة كاملة لكل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، جميعا؛ ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نستنبط من تلك المبادئ معرفة الأشياء المعتمدة عليها بحيث لا يكون في سلسلة الاستنباطات شيء إلا وهو بين كل البيان، وأنا واثق أنه لا شيء مما قد قلته الآن إلا ويقره جميع العلماء. وكنت أبغي بعد ذلك أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة, ولست أرى غيره خيرا يعدله في جلال قدره, والثانية تشتمل على كل ما تدلنا عليه تجربة الحواس، لقد وجد في كل العصور من فطاحل المفكرين من حاولوا في سعيهم إلى بلوغ الحكمة أن يجدوا طريقا خامسا أرفع وأوثق بمراحل من الطرق الأربعة الأخرى؛ وأول وأكبر من كل اكتشاف فيه يكون بمثابة مبدأ لتفسير المشكلة التي تليه.