ان الفساد بلا شك جريمة عالمية. وهذا لا يعود فقط إلى انتشاره عالميا. بمعنى أن سلوكيات فاسدة مختلفة ترتكب في كل دولة. بل وايضا بشكل خاص لان تطورات العولمة تؤدي بشكل متزايد الى تعميم أسباب الفساد، أسهم كل من الترابط العالمي والخطابات النيو ليبرالية عن النمو الاقتصادي والأسواق الحرة والفردانية والاستهلاكية والخصخصة، غير أن الوسائل الشرعية والكافية لتحقيقها ليست متاحة بشكل متكافئ على مستوى العالم(باباس 2000) في حالة يمكن أن يعرفها دوركايم بأنها الشذوذ الاجتماعي ( الأنوميا ) (دوركايم 1897 ص 215). تتيح التقدمات التكنولوجية السريعة وتنقل الأشخاص والأصول والمعرفة، فرصا جديدة لتحقيق هذه الأهداف المادية من خلال مخططات فاسدة و محتالة عبر بلدان مختلفة. ان الإخفاقات الحالية و النواقص في التدابير والتشريعات الوطنية المناهضة للفساد التي تعجز فسيولوجيا عن مواكبة الجرائم المعولمة و غياب نظام فعال و عالمي حقيقي لمنع هذه الجرائم والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها، توفر دوافع و فرص لتطوير مخططات فساد عابرة الحدود. بل غالبا ما يؤثر بشكل متزايد على اكثر من دولة ، أو حتى المجتمع الدولي باسره ، و فضائح الفساد داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، بالإضافة إلى الادلة المتعلقة بالفساد النظامي في الدول النامية ، كلها دلائل واضحة على ذلك. كما تظهر المبادرات الدولية ، مثل القمة العالمية لمكافحة الفساد التي انعقدت في لندن في 12 مايو 2016 ، أن صانعي السياسات يدركون تزايد الطابع المعولم للفساد و ما ينطوي عليه من تبعات مدمرة محتملة. كما ان تشكل المعرفة الراسخة باشكال تجليات هذه الظاهرة ، شرطا ضروريا لاعتماد السياسات والتنظيمات لمواجهتها. فالادبيات المتعلقة بالفساد لا تزال حديثة نسبيا، و من الصعب الحصول على أدلة حول مدى انتشار مخططات الفساد ودينامياتها ، في حسن فإن الاهتمام العام والأكاديمي بالفساد آخذ في الازدياد تدريجيا، ذلك بفضل جهود المنظمات غير الحكومية مثل منظمة الشفافية الدولية او غلوبال ويتنس ، تتطلب مضاعفة الجهود للحفاظ على معرفتنا مواكبة للخصائص المتطورة بسرعة لظاهرة الفساد. فعلى وجه الخصوص ، تكشف دراسة الأبعاد العالمية للفساد عن بعض سماته التي ما تزال غير مستقصاة بالشكل الكافي ، و يهدف هذا الكتاب إلى معالجة ، هذه الفجوة من خلال الاسهام في فهم أعمق للفساد في السياق العالمي، و تعزيز النقاش الأكاديمي و العمومي حوله. و التي أتاحت لنا دراسة بعض السمات الناشئة و المتعولمة للفساد التي تستدعي مزيدا من التحقيق العلمي تعريف الفساد من المتعين تحديد موضوع اي دراسة ما قبل الخوض فيه. لذا نسعى هنا الى ضبط مفهوم الفساد باعتباره موضوع تحليلنا. غير أن تعريف الفساد لا يعد مهمة يسيرة ، بل يتطلب معالجة عدد من الإشكاليات. يسلط الضوء في الفصول القادمة على سمات محددة لمفهوم الفساد ، مما يسهم في فهم أشمل لهذه الظاهرة. يمكن دراسة الفساد أما بوصفه ظاهرة اجتماعية ، اي باعتباره كما يتجلى ويلاحظ بشكل ملموس في سلسلة من الممارسات و العلاقات و الشبكات الاجتماعية ، أو ، يركز هذا الكتاب خاصة على دراسة الفساد بوصفه ظاهرة اجتماعية و ذلك لأسباب عدة. او ، بعبارة اخرى ينبغي ان يستند القانون الى معرفة ملائمة بالظواهر التي يسعى الى تنظيمها؛ و لا تشكل قوانين مكافحة الفساد استثناء من ذلك إذ تعد بعض التعريفات القانونية للفساد مثالا واضحا على هذه الاشكالية. و ينظر اليها المجتمع بوصفها فسادا ، كتعينات (الباب الدوار )، قانونية. الا ان هذه الدراسات تثير تساؤلات حول مدى كفاية التعريفات القانونية الحالية في استيعاب الجوانب المعتمدة و المتطورة للفساد ، و مدى قدرة القانون بالتالي على معالجتها. علاوة على ذلك، على الصعيدين الوطني والدولي، و المتاجرة بالنفوذ و الاختلاس ، و استغلال الوظائف. تعتبر كل من، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية القانون الجنائي بشأن الفساد الصادرة عن مجلس أوروبا، إذ لم ترد كلمة فساد إلا مرة واحدة في الفصل الثاني من اتفاقية مجلس أوروبا المخصص لتجريم مخالفات الفساد ، لكن الفساد يتجاوز ذلك، اتفق الباحثون من مختلف التخصصات على أن الفساد، كظاهرة، و التأثيرات و الترتيبات التي قد لا تكون مجرمة قانونا بالضرورة ، على الرغم مما تثيره من ريبة بوصفها أفعال غير قانونية ، و عليه، فإن مفهوم الفساد بوصفه حقيقة اجتماعية لا يتطابق بالضرورة مع مفهومه كبنة قانونية ، لذا يغدو من الضروري الإلمام بالجانب الاول( الاجتماعي ) بعمق ، ليتسنى تقييم الجانب الآخر ( القانوني) و تقويمه عند الاقتضاء. أما السبب الثاني الذي يدعو للتركيز على الفساد كظاهرة اجتماعية بدا من حصره في التكييف القانوني ، يكمن في تطلعنا لفهمه بوصفه قضية عالمية، فالسلوكيات التي تعد مخالفة صريحة للقانون في دول معينة، قد لا تعتبر كذلك في دول اخرى. يذكرنا كل من (بلاكبورن شيفرد وبوتن) أنه في بعض الولايات المتحدة ، إذ يظل نفاذ المعايير الدولية ، في نهاية المطاف ، رهنا بارادة المشرعين الوطنيين. لا تعد جريمة المتاجرة بالنفوذ (ما يعرف بالبيع بالتجول ) جريمة قائمة بذاتها في المملكة المتحدة ، 432 من قانون العقوبات ) او ايطاليا (المادة bis 346 من قانون العقوبات ) ، إذا ما أردنا استيعاب العناصر المعولمة للفساد ، الفساد ما وراء المشروعية : يتضح مما سلف ذكره، أن الفساد بوصفه ظاهرة اجتماعية ، لا يقتصر على الرشوة فحسب ، بل يتجاوز السلوكيات الاجرامية او غير القانونية ليشمل ممارسات غير اخلاقية قد تكون مشروعة من الناحية التقنية. و مع ذلك يجب علينا الحذر من تقديم تعريف فضفاض للفساد يستوعب كل سلوك مناف للأخلاق ، لذا يتعين علينا تحديد العنصر المميز للممارسات التي نعتبرها مكونة لظاهرة الفساد. يشير الأصل اللغوي اللاتيني لكلمة "corruption" المشتق من cum+ rumpere ، التفسخ او التفكك. و من ثم، فإن الفساد لا يقتصر على كونه خروج عن القانون او الاخلاق ، بل هو تحديدا انتهاك النزاهة. يعتبر مفهوم النزاهة تعبير عصي على التحديد الدقيق. ليس فقط مع منظومته القيمة الاصلية (Ethos) ، وفقا لتعبير " Steven Montago Cairns" ( الفصل 3 ) أو انحراف على التوقعات العامة للامانة ( The Ethos) ، كما عبر عنه "باولا مورا" ( الفصل 16). الفساد هو خيانة (رو) ( الفصل 7). روكس، مورو، كيرنس، وتُقدم رواية "براين كاثكارت" للأحداث التي أدت إلى وقف تحقيق "ليفيسون" الثاني بشأن الصحافة البريطانية أمثلة حية على التواطؤ بين السياسة والصحافة؛ فبالرغم من أن تلك الممارسات قد لا تكون غير قانونية بالضرورة (أو بشكل صريح)، و مما يقتضي الإيضاح أن الفساد لا يقتصر على السلطة العامة فالصلاحيات الممنوحة لجهات خاصة، يمكن أن تُستغل تعسفياً على حدٍ سواء لخدمة مصالح تباين الأغراض التي وُجدت من أجلها. كما توضح بعض الحالات التي استعرضها "إيان روبنسون"، ومن نافلة القول، إن هذه السمة قد استوعبها المشرعون حول العالم جيداً؛ يعتبر قانون الرشوة البريطاني لعام 2010 أن الأداء غير السليم لوظيفة أو نشاط ذي صلة يمثل عنصراً جوهرياً في جريمة الرشوة. أو الرشوة، أو المحسوبية/ المحاباة، أو انتهاك الحقوق الشخصية والديمقراطية للمواطنين. إلا أن تحديد ماهية الفساد في الممارسة العملية أي تحديد ما يشكل فعلياً انتهاكاً للنزاهة وما لا يشكل ذلك قد يكون أمراً في غاية الصعوبة. وفي فصله الذي جاء بعنوان موفق "المنطقة الرمادية"، والتي قد تكون نتاجاً لعدم الكفاءة أو عدم القدرة على التنبؤ بأحداث تقع خارج نطاق النتائج التي خضعت للتجربة المسبقة في ظل تعقيد الأنظمة المالية. وبين الهدايا الباذخة التي ترقى لتكون رشوة صريحة. إن دراسة هذه المناطق الرمادية أمر جوهري لدعم واضعي السياسات والمشرعين في مسعاهم المليء بالتحديات لتحديد ما يجب أن يظل قانونياً، وما يجب أن يصبح غير قانوني، وما يجب تجريمه. يناقش فرصة إدخال جريمة جديدة تتعلق بـ "التلاعب في نتائج المباريات الرياضية" للتمييز بينها وبين الرشوة، الوسائل العالمية و طرق ارتكاب الفساد على غرار العديد من أشكال الجريمة الأخرى، يُيسَّر الفساد، لا سيما بالتزامن مع حالة تلاشي الحدود الإقليمية للأسواق والأعمال، وتعزز الروابط بين جرائم الفساد وغيرها من الجرائم الأخرى. وفقاً للمصطلحات التي سنوضحها لاحقاً. ​إن وفرة الممارسات الفاسدة المرتكبة عبر دول مختلفة، يمكن أن تتعلق العالمية إما بآليات ووسائل ارتكاب المخططات الفاسدة أو بآثارها. فيُعد الفساد عابراً للحدود في الحالات التالية: أ) إذا تم ارتكاب المخططات الفاسدة، أو إعدادها، أو التخطيط لها، أو توجيهها، أو السيطرة عليها في أكثر من دولة واحدة. ​أما فيما يتعلق بالآثار، فيكون الفساد عابراً للحدود في الحالات التالية: إن لم يكن المجتمع الدولي بأسره. ​(د) إذا ارتكب الفساد في دولة واحدة ولكن كانت له آثار جوهرية في دولة أخرى. ​إن تحقق أي من هذه الشروط الأربعة كفيل بجعل الفساد "عابراً للحدود" بطبيعته (انظر: Pasculli, 2012). بينما سنرجئ تناول "عالمية النتائج" إلى وقت لاحق. تسهم نتائج الأبحاث الواردة في فصول هذا الكتاب في توضيح أن الطبيعة العابرة للحدود للفساد تعتمد في الغالب على ثلاثة عوامل: (أ) التفاعل بين أفراد أو كيانات من دول مختلفة. (ج) الصعوبات التي تكتنف منع الجناة العابرين للحدود، والتحقيق معهم، ومقاضاتهم، فعلى سبيل المثال، كان فرع بنك "UBS AG" في لندن، والوسيط السويسري "Value Partners Group AG"، هم الأبطال في قضية ضيافة ترقى إلى حد الرشوة وتتسم بالطابع العابر للحدود تمثلت الضيافة في رحلة سفاري في جنوب إفريقيا للمسؤولين الرئيسيين في "VAP"، وإقامة في فندق فاخر في دبي، ​وتتضمن حالة أخرى تمويلاً بملايين الدولارات لبرامج تدريبية في كلية كولومبيا للأعمال من قبل شركة "رولز رويس" لصالح شركة الطيران الصينية "CES" المملوكة غالبيتها للدولة. كما تُظهر قرارات مجلس العقوبات التابع للبنك الدولي، والتي حللها كوستانتينو غراسو (الفصل 13)، ويركز الفصل على المشاريع الممولة من قبل البنك الدولي والتي تُنفذ في بلدان أخرى (خاصة الدول النامية)، وتقدم الفصول المتعلقة بالفساد في مجال الأعمال الرياضية أمثلة عديدة أخرى؛ فيما وُصف بأنه "شبكة إجرامية واسعة النطاق" (اليوروبول، كشفت "اليوروبول" وسلطات من 13 دولة مختلفة ما وُصف بأنه شبكة إجرامية ممتدة في مجال التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم، تزداد مخاطر الفساد على نحو حتمي عند انتماء أحد أطراف المعاملات العابرة الحدود الى ثقافة يسود فيها الفساد بشكل خاص. و تسهم نتائج دراسة "بوتون و شيبرد و بلاكبورن " حول أسباب الرشوة في دعم الفكرة التي بحثها اقتصاديون " ديمانت و كريجر و ميريكس ، 2013 ؛ و كيريجر و ردلين ، ومفادها أن العقليات الفاسدة يمكن تصديرها الى (و استغلالها في) دول أخرى ، مما يترتب عنه زيادة الدوافع و الفرص للممارسات الفاسدة (باسكولي ، الفصل 11). من المسلم أن التفاعلات المذكورة آنفاً لم تكن لتتحقق لولا وجود تكنولوجيا الاتصالات والنقل والمعلومات الحديثة. بل إن هذه الوسائل تحولت أحيانا إلى أداة مباشرة للأنشطة الفاسدة. ويتفق كل من "ماثيو هول" و"خوسيه لويس بيريز تريفينيو" (الفصلين 6 و 9) على أن عولمة أسواق المراهنات الرياضية والتي أتاحها تطور الإنترنت والتقنيات المرتبطة بالمراهنة التي تسمح الآن بالمراهنة في أي وقت ومن أي مكان في العالم، قد زادت من مخاطر التلاعب بالفعاليات الرياضية، قام الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بتطبيق نظام إلكتروني إلزامي لجميع الانتقالات الدولية، بما في ذلك الراتب الجديد، وذلك للحد من مخاطر السلوكيات الفاسدة. و تشير نتائج الدراسات الواردة في هذا الكتاب ، و أن العلاقة السببية الإيتيولوجية بين الفساد العابر للحدود وغياب الرقابة الفعالة هي علاقة دائرية إلى حد ما. فمن ناحية، يمثل تعقيد الشبكات والمخططات الإجرامية العابرة للحدود وتملصها عقبة كبرى أمام الوقاية منها والملاحقة القضائية لمرتكبيها. ​و من جهة اخرى، قد يعد مبدأ الاقليمية التقليدي للولايات القضائية الجنائية ، ويوضح "ماثيو هول" (الفصل 6) أن انخفاض مخاطر التعرض للامتثال والقبض يمثل أحد عوامل الجذب للمراهنات المرتبطة بالإنترنت و التلاعب بالمباريات؛ قد لا يواجهون الملاحقة القضائية مطلقاً، الشمولية: تقوم خاصية العبر قطاعية (الشمولية) للفساد على الترابط القائم بين المخططات الفاسدة و الانشطة الاجرامية الاخرى، وهو الأمر الذي تعززه بصفة خاصة الصفة العابرة الحدود (باسكولي، 2012). وقد اعترفت الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) بهذا البعد للفساد العالمي، لا سيما الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية، بما في ذلك غسيل الأموال'. تتضح هذه الخاصية من خلال الروابط بين المافيا الآسيوية أو المنظمات الإجرامية الإيطالية والمراهنات غير القانونية في مجال الرياضة، وأخيراً العلاقة بين الاحتيال والفساد في قطاع الرعاية الصحية التي حقق فيها "ميني وبيروزي" و"جيتو" (الفصل 14). و يفتقر بلا شك إلى دراسة كافية، هي الروابط القائمة بين الفساد و أشكال الإجرام العالمي التي لا تصنف ضمن فئة "جرائم الياقات البيضاء" أو الجرائم المالية. والجيش، ومسؤولي المحاكم بما في ذلك المدعون العامون والقضاة، وتُظهرها كعائقًا للفهم الكامل لطبيعة المشكلة، و عليه سبل معالجتها. تقتضي اذن شمولية الفساد تبني مقاربات اجرامية غير مسبوقة لاجراء استكشاف شمولي للروابط القائمة بين مختلف الانشطة الاجرامية التي يكمل و يعزز بعضها بعض ضمن شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة. الآثار العالمية للفساد فإن البعد العابر للحدود للفساد لا يقتصر على وسائله وطرق ارتكابه فحسب، بل يشمل آثاره المترتبة عليه أيضاً. ينعكس ذلك في تضخيم لحدة الأضرار الناجمة عن الممارسات الفاسدة. إلا أن العديد من حالات الفساد العابر للحدود من شأنها تفضي الى المساس بمصالح دول متعددة، ولتعميق مناقشتنا، سيكون من المفيد أن نميز بين الآثار المباشرة وغير المباشرة. السياسة و الديمقراطية و سيادة القانون تعد تأكل العمليات الديمقراطية للحكم وصنع السياسات، من أبرز النتائج المباشرة للفساد. وهنتنغتون، والتنمية (باردان، 1965). وتتلخص هذه الآراء بشكل جيد في المقولة البراغماتية للأمير السعودي "بندر" التي اقتبسها "ستيفن مونتاجو كايرنز "(الفصل 2): 'إذا أخبرتني أننا بصدد بناء هذا البلد بأكمله، وأننا أنفقنا 350 مليار دولار من أصل 400 مليار دولار، وأننا أسأنا استخدام أو تورطنا في فساد بـ 50 مليار دولار، 2002). الأسواق والاقتصاد من خلال استعراضها التاريخي القانوني المستفيض، وكما يذكرنا "كيرنز"، وتؤكد نتائجها وتتكامل مع الرؤية التي طرحها "نيكولاس رايدر"(2014/2016) ، ومفادها أن جرائم الياقات البيضاء كانت عاملاً جوهرياً ساهم في الأزمة المالية لعام 2007/2008. 2018؛ و"توركسن" و"رايدر و"هسلر"، 2015). وكانت الأخيرة منها في المملكة المتحدة أيضاً، إلا أن آثارها ترددت أصداؤها في جميع أنحاء العالم. وقد أدت الأزمة المالية لعامي 2007 و2008، إلى "الركود الكبير"، الذي ألقى بالعديد من الدول في حالة من التدهور الاقتصادي، مما أدى إلى انهيار القطاع المالي العالمي. وفقاً لما أوضحه كل من "فلاناغان" و"ماثيو هو"، أن الشبكة الإجرامية المتورطة في التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم والتي كشفت عنها منظمة "اليوروبول" وسلطات من 13 دولة في عام 2013، قد حققت أرباحاً تجاوزت 8 ملايين يورو، بل تمتد لتشمل رياضات متنوعة؛ مثل كرة السلة، تقدم "فولادفاند" عرضاً عاماً للدراسات التي تدعم الرأي القائل بأن الفساد يمكن أن يقوض حقوق الإنسان بشكل خطير ("بيرسون"، 1995؛ 1997؛ و لتجنب خطر الوقوع في أي من هذين الطرفين النقيضين، يمكننا القول إن التحليل الذي أجريناه حتى الآن، إلا أنه يبدو أنه يصعب إنكار وجود آثار معتبرة، غير مباشرة، للفساد على هذه الحقوق. والتي يمكن أن تتجلى في تآكل الظروف الاجتماعية والسياسية (المشاركة المدنية في السياسة، والعمليات الديمقراطية للتمثيل، و من بين هذه الأمثلة الأثر الذي يمكن أن يحدثه الفساد ، كما توضح"فولادفاند" (الفصل 15). مما يخلف تداعيات سلبية واضحة على الحقوق الفردية في الصحة والحصول على الرعاية الصحية. الأسباب المعولمة للفساد تعد أسباب الفساد متعددة ومتشابكة، و لاتزال قيد الدراسة، بدلا من الاعتماد الأحادي على نموذج فردي واحد. و بشكل بارز ، يرى كل من "بوتون" و"شيبرد" و"بلاكبورن" (الفصل 8)، الأسباب الظرفية/ الموقعية للفساد تُحدَّد الأسباب الظرفية للجريمة عمومًا من خلال عنصرين يكمنان في الدوافع والفرص (راجع: "كانتور" و"لاند"، "غرايكار" و"سايدبوتوم"، 2012؛ 2018؛ "كليتغارد"، 1988). ويلاحظ "بوتون" و"شيبرد" و"بلاكبورن" أنه، تكون في الغالب متاحة لعدد محدود من الفاعلين (الفصل 8). وقد سبق أن استعرضنا كيف يمكن لغياب الضوابط الفعّالة على الجرائم العابرة للحدود أن يشكّل دافعًا للفساد، على سبيل المثال من خلال تسهيل الوصول إلى الأموال، والشركاء، تشيرُ تحليلاتُ "روبنسون"،