لم تكن الأسرة المسلمة في يومٍ من الأيام بمنأى عن التحديات، فقد واجهت عبر تاريخها صورًا متعددة من الفتن الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتَصِلُ إلى العقول والقلوب عبر الشاشات والهواتف والمنصات الرقمية، حتى أصبح الإنسان يعيش في عالمٍ مفتوحٍ لا تفصل بينه وبين المؤثرات إلا ضغطة زر. بل أصبحت أمام منظومةٍ متكاملةٍ من المؤثرات التي تعمل بصورة متزامنة على إعادة تشكيل الإنسان، وإعادة تعريف القيم التي يؤمن بها. فالإعلام يصنع الصور الذهنية، ووسائل التواصل تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، بينما تتراجع أحيانًا أدوار الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية أمام هذا السيل المتدفق من الرسائل اليومية. حتّى يصعب على كثيرٍ من الناس التّمييز بين ما ينفعهم وما يضرّهم، وبين ما يوافق قيّم الإسلام وما يناقضها. ويمنح الإنسان القدرة على التّمييز بين الحقّ والباطل. ولم يَدعُه إلى الانعزال عن العالم، وعلى التعامل مع المستجدات بعقلٍ واعٍ، لأنه يمتلك ميزانًا ثابتًا يزن به الأفكار والمواقف والسلوكيات، فالآية تجعل حماية الأسرة مسؤولية شرعية تبدأ من التربية والتعليم والقدوة، قبل أن تكون حمايةً من الأخطار المادية. كما قال النبي ﷺ: ولا ينبغي للأسرة أن تنظر إلى هذه التّحدّيات بعين الخوف واليأس، وإنما المطلوب هو الانتقال من التربية القائمة على المنع وحده، إلى التربية القائمة على الإقناع، ومن الحماية المؤقتة إلى بناء المناعة الدائمة، ومن الرّقابة الخارجية إلى مراقبة الله تعالى في السّر والعلن. ولهذا فإن هذا الباب لا يهدف إلى تخويف الأسرة من العصر، وإنما يهدف إلى تأهيلها للتعامل معه، حتى تبقى الأسرة المسلمة مصدرًا للأمن النفسي، بدءًا من تأثير الإعلام ووسائل التواصل، ووصولًا إلى التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، مع بيان المنهج الإسلامي في الوقاية والعلاج،