خصائص الفكر التربوى المعاصر : تتجلي فترة ازدهار الفكر التربوي العربي في العصور الوسطى ، مختلف الاتجاهات الفكرية في بناء ثقافة تربوية غزيرة العطاء وغنية المحتوى الأقطار العربية بدون استثناء، إرث فكري يحكم نظرة الإنسان العربي عامة إلى الحاضر والمستقبل، الباحث التربوي العربي خاصة لمفهوم التربية ورسالتها الحضارية. والمؤكد هو أن واقع الفكر التربوي العربي هذا ، إذا كان حاضر الفكر التربوي العربي يشكل انحطاطا بالنسبة لماضيه البداية قصد استدراك وتعويض ما ضاع في الفترة الفاصلة بين ذلك الماضي الحافل صاغها مفكرون :أمثال ابن خلدون والغزالي وابن سينا و ابن سحنون والقابسي يشكو من بعض القصور والنواقص وعلى رأسها الإطناب المعرفي الممل والحشو المعلوماتي الرهيب اللذان يميزان محتوياته وبرامجه على حساب الانتقاء الكيفي للمعارف والمعلومات وتدبيرها المعرفي الهادف. وتربويات المجتمعات الغربية البعيدة كل البعد عن المشاكل والتحديات الحقيقية التي السوسيوتاريخي الذي أفرزها أو نسخت عنه. المألوفة التي ترى التاريخ الفكري عامة والتربوي خاصة كخط مستقيم ومتطور، من ماض تربوي منحط إلى مستقبل تربوي راق ومزدهر التأرجح بين موقفين لإنشاء الفكر التربوي العربي المنشود وإخراجه إلى حيز الوجود فمن جهة هناك موقف دعاة الأصالة والمحافظة على الموروث الفكري الحافل بالنظريات والاتجاهات التربوية القيمة. وبعث مضامينه يمكن تحقيق المكانة التربوية المطلوبة إن على مستوى مضاهاة عرب الأمس أو على مستوى التميز عن الغرب، المعاصرة والتلمذة على الغرب وذلك باستبدال اللغة والأساتذة والبرامج المحلية بالكفاءات والخبرات والأدوات الأجنبية. تصوراته وممارسته التربوية قصد حرق المراحل واللحاق بركب الحضارة العالمية وتربوياتها الحديثة التي لا ترى في إحياء التراث التربوي أو إعادة اكتشاف فتراته الزاهرة الوسيلة المثلى للاستمرار في تألقها وازدهارها. والحقيقة أن الآراء والتصورات المعتمدة في هذين الموقفين، بين أنصارها بخصوص واقع الفكر التربوي العربي يزداد حدة يوما بعد يوم دون أن يلوح في الأفق احتمال التوصل إلى حد أدنى من التفاهم. يفتقر إلى الإجماع حول مسألة حيوية جدا، ومعرضة باستمرار إلى التغيرات المفاجئة والمبادرات العشوائية والإصلاحاتالترقيعية. الإجماع شبه التام على أن الفكر التربوي ما يزال يتخبط عندنا نحن العرب في متاهات ودوائر لامتناهية من المشاكل والصعوبات التي تحكم على خططه واستراتيجياته بالتعثر وعلى جهوده ووعوده باليأس وعلى توجهاته وآفاقه بالانسداد. فرغم اختلاف الرؤى والتصورات وتباين الوسائل والطرق وتناقض المنطلقات يكفي أن نمثل لها بالمعالم التالية : رغم كل الجهود المبذولة في مجال تطوير المنظومة التربوية ، المسطرة لسياسة سد منابع الأمية بإلزامية التعليم لم تتحقق كما كان متوقعا لها في حدود عام ۱۹۹۱ ، يمثل ما يقارب (٦٤) مليون عام ۱۹۹۰ وبنسبة (٤۱) ( من العدد الإجمالي لسكان التقديرات الكمية إلى التقديرات الكيفية وعلمنا أن أزمة التربية في الوطن العربي هي أزمة نوعية بالدرجة الأولى. وهذه مسألة لم تعد تندرج فقط في باب التوقعات المستقبلية للتربية العربية، أضحت تشكل الحقيقة المرة التي يشهد عليها الواقع العربي الحالي بتجلياته ومظاهره وبداية القرن الحادي والعشرين تشكل وبأنواعها الأبجدية والثقافية والتكنولوجية الحاجز المنيع أمام التنمية العربية في أبعادها المختلفة: الفردية والجماعية و الاقتصادية والسياسية و الاجتماعية والثقافية. فهو لم ينجح بعد في تحقيق التكافؤ المرغوب في الفرص التعليمية وكل ما يستلزمه ذلك من جودة ونجاعة في التكوين. العالم العربي من الأمية بأنواعها الثلاثة السابقة الذكر وكل ما يصاحبها من جهل بالقراءة والكتابة وبالحقوق والواجبات وبالمعاملات وأساليب التربية وبقبول الاختلاف وحرمانهم من النعم الثقافية الاقتصادية والاجتماعية، كما أن الواقع الحالي لازمة الفكر التربوي في الوطن العربي يكمن أساسا في غربة هذا الفكر عن محيطه الاجتماعي وفي محدودية نتائجه التنموية. نحن العرب لم نأخذ بعد تحديات القرن الجديد مأخذ الجد ، لدينا أن التربية والتعليم هما المفتاح الأساسي لكل تقدم أو تطور مرتقب. الإصلاحات والتعديلات في المناهج التعليمية والنظم التربوية، والمبادرات في مجال تعميم التعليم وتوسيع قاعدة انتشاره، جميع هذه الخطوات والترتيبات تشكو من ثغرات ونواقص عديدة أهمها : ماتزال المناهج التعليمية العربية توصف بالتقليدية رغم كل عمليات الإصلاح والتجديد التي عرفتها حتى الآن فهي ماتزال تقليدية في محتوياتها ومضامينها صلبة في أساليبها وطرقها مكلفة في مستلزماتها ومصاريفها ورافضة لمنطق التجديد المعرفي على حساب الجانب التطبيقي المهاري والتعليم التكنولوجي، الاتساق بين محتوياتها وأهدافها وبين قدرات التلاميذ ومهاراتهم وميولهم وواقع بترجيح كفة التعليم الكمي على كفة التعليم النوعي وباعتماد منطق السيطرة والامتثال على حساب منطق الحرية والمبادرة وهكذا يلاحظ أن كل ما تعبر عنه هذه المظاهر من عجز في الفكر التربوي العربي يرجع في جانبه الكبير إلى كون أن المنظورالتعليمي المعتمد في هذا النطاق مايزال يتشبع بطرائق وأساليب تفضل اجترار المعلومات وخزنها على معالجتها ، والمحاكاة على التجديد والابتكار وتنهج أخيرا أسلوب استهلاك منجزات الثورة العلمية تواضعنا نحن العرب حتى الآن في التسلح بروح الفكر العلمي ومبادئه الأساسية، فإنه من الطبيعي أن تمتد سلبيات هذا العجز التربوي لتشمل المتعلمين أيضا. وبفعل نزعة الماضي وطابعه التثبيتي على كل ما هو خالد في التراث، الأنظمة التربوية العربية ومؤسساتها التعليمية المختلفة لا تبدو على ما هي عليه الآن مستعدة أو مؤهلة لإحداث التغييرات الاجتماعية المرتقبة. وكل ما يرافقها من سلوكيات وتصرفات عدوانية تحركها الغرائز والانفعالات والأيديولوجيات أكثر مما يحكمها العقل والواقع والتفكير العلمي في تخطيط أهدافها وتنحرف عن السبيل القابل للتحفيز على امتلاك المنهج العلمي وأدواته الفكرية، المنهج الذي أصبح يمثل الرهان الأساسي لكل فكر تربوي ناجح في عالم اليوم. لا أحد يناقض الرأي القائل بتدني مستوى التعليم وتراجع مكانته وقيمته في سلم أولويات المواطن العربي. لهذا التدني والتراجع فقبل ثلاثة عقود مضت كانت لهذا المواطن، ينحدر من أسرة جد متواضعة ماديا وثقافيا إرادة شخصية قوية في العمل من أجل تكوين وتثقيف نفسه بنفسه لأنه كان يمتلك صورة إيجابية عن التعليم ويعيش في مناخ اجتماعي كله اعتراف بأهل العلم والثقافة وكله تحفيز وتشجيع على المبادرة مناهج التكوين وأنظمة التربية العربية، السياسات عن الأهداف المعلنة والشعارات عن الإنجازات الفعلية. جهة بضعف ارتباط السياسات التربوية بمخططات التنمية ومن جهة أخرى بغياب وتكييف النظم التربوية لخطط تنموية جد مدروسة حيث إن الهدف المبتغى والغاية المتوخاة من كل عملية تربوية هو الوصول بالمتعلم إلى امتلاك شخصية قوية متوازنة وإلى تكوين هوية ثقافية سليمة الجذور عادة ما تحكمها رؤى الاختزال والتجزيئة وتصورات التقليد والاستنساخ. والمناهج غالبا ما تسهم بوعي أو بدون وعي في تعطيل عجلة التنمية المنشودة وفي مقاومة صيرورة التغير والتطور وفي تكريس الذهنية الخرافية التوكلية المستهلكة على حساب الذهنية العلمية المستقلة.