المقدمة اللغة ظاهرة معقدة فريدة يتميز بها الكائن البشري عن سائر المخلوقات الأخرى ؛ فهي تمثل نظاماً رمزياً اصطلاحياً للدلالة والتعبير والتواصل . ويشتمل هذا النظام على مجموعة من الأدوات والوسائل المنطوقة وغير المنطوقة التي تشكل في مجموعها الاطار الكلي للغة والتي تسود في مجتمع ما ، فبالإضافة لكونها وسيلة التعبير والتخاطب ، وبهذا المنظور ، فاللغة تجسد امتداد العنصر البشري عبر الحقب التاريخية المتعاقبة ؛ Klein, فعلى سبيل المثال ، وهو ما يسمى بالرقصات الاهتزازية أو الدائرية ‏Waggle Dance" وذلك لتوصيل معلومات عن وجود مصدر الرحيق من حيث الاتجاه والمسافة ، وبالرغم من أن هذه الإشارات تحتمل بعض الدلالات التي تتواصل من خلالها تلك الحيوانات ، إلا أنها بحد ذاتها لا تشكل نظاماً لغوياً متكاملاً لعدم توفر العديد من الخصائص الأخرى كالمرونة والانتاجية والتسمية (1989 , وهكذا فإننا نلاحظ أن اللغة كمفهوم ونظام متكامل هي خاصية يتميز بها العنصر البشري عن كافة المخلوقات الأخرى . وجهات نظر حول اللغة لقد حظي موضوع اللغة باهتمام الفلاسفة والمفكرين وعلماء الخطابة منذ القدم وتم فنجد أن ارسطو ينظر إلى اللغة على أنها مجموعة الأصوات التي تستخدم لنقل المعاني بين المتكلم والسامع ، بحيث ترتبط الأصوات بالصور الذهنية للأشياء التي يتم التعبير عنها . وينظر إليها افلاطون على أنها ظاهرة معقدة يتم بمقتضاها التعبير عن الفكر وحديثاً ازداد الاهتمام بموضوع اللغة ، فهي لم تعد تشكل محور اهتمام علماء اللغة فحسب (Linguistics) ، وإنما أصبحت تحظى باهتمام المختصين في العلوم الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس . 222/376 فالبعض ينظر إليها على أنها تخصصية بيولوجية (Biological Specialization) يمتاز بها العنصر البشري فقط ؛ أي أن الإنسان يولد وهو مزود بهذه الغريزه Human Instinct التي تمكنه من انتاجها وفهمها . فاللغة تكوين بيولوجي يماثل العمليات البيولوجية الأخرى كالهضم والمشي وغيرها (1998 , Guenther) . إن مسألة اعتبار اللغة تخصصية بيولوجية يحمل في طياته أن جميع اللغات متشابهة ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف يستخدم الأفراد في المجتمعات المتعددة لغاب مختلفة طالما أن اللغة غريزة معرفية إنسانية؟ وما هو دور الثقافة السائدة في تكوين اللغة من حيث البناء والوظيفة إن فكرة اعتبار اللغة نظاماً معرفياً متخصصاً تتناقض مع فكرة أنها اختراع ثقافي ‏"Generic Cognitive تم انجازه بواسطة نظام معرفي عام "Cultural Invention"‏ ‏System وليس من خلال نظام معرفي متخصص . فاللغة يتم تعلمها وتنفيذها من خلال نفس الآليات العصبية المستخدمة في تعلم الانجازات الحضارية وأشكال المعرفة الأخرى. بحيث يتحدد بناء وشكل اللغة ووظيفتها اعتماداً على السياق الثقافي والحضاري السائد في المجتمع الذي نعيش فيه 1998) ‏Language Definiton تعريف اللغة تعد اللغة أكثر المظاهر عمومية وشيوعاً لدى المجتمعات المتعددة ؛ حيث لا يمكن تصور مجتمع ما بدون وجود لغة . وتشكل نوعاً خاصاً من التفكير يحكم طبيعة العلاقات وأساليب التفاعل وأنماط الفكر السائدة في ذلك المجتمع أشكرافت، 223/376 ونظراً لأهمية اللغة المميزة في حياة الأمم ، فقد حظيت بمزيد من البحث والدراسة والتحليل من قبل المتخصصين في المجالات العلمية المختلفة ، فنلاحظ أن اللغويين في تعريفهم للغة اكدوا على قواعد النحو والصرف والتراكيب اللغوية مع اهتمامهم بالرمور اللغوية المنطوقة فقط . Anderson) . ويرى فريق آخر بأنها نظام مشترك للتواصل الرمزي تحكمه قواعد ترتبط بعمليات انتاج الأصوات من قبل المتكلم ، وعمليات استقبالها وترجمتها الى وهناك من يرى بأنها مجموعة علاقات ذات دلالات جمعية مشتركة يمكن النطق بها من كل افراد المجتمع الواحد ، وهي ذات ثبات وتشكل نظاماً مرناً يمكن من خلاله تشكيل تراكيب لغوية جديدة أكثر تعقيداً (الزغول والهنداوي ، 2002 يلاحظ من خلال وجهات النظر السابقة ، أن جميع التعاريف حصرت اللغة بالرموز المنطوقة المتمثلة بالحديث أو ما يسمى بالكلام ، ولكن في واقع الحال ، بل تتعدى ذلك لتشمل جميع الوسائل الأخرى ؛ كالاشارات والإيماءات والحركات التعبيرية والجسدية. يمكن النظر إلى اللغة على أنها جميع الرموز المنطوقة وغير المنطوقة التي يستخدمها افراد مجتمع ما كأداة من 224/376 بل تتعدى ذلك لتشمل وسائل أخرى غير منطوقة ، ومثل هذه الوسائل بحد ذاتها ربما تشكل اداة فعالة في التخاطب والتواصل مع الآخرين دون الحاجة الى اللجوء إلى استخدام وفيما يلي عرض للمظاهر المتعددة للغة : 1- المظهر اللفظي : ويشتمل لغة الحديث المتمثل بالكلام المنطوق والمكتوب ، ومن خلاله يتم التعبير عن الخبرات والمعارف والحاجات والمشاعر ، وهو وسيلة من وسائل التفكير والتخيل والتذكر . وأنها ثابتة لا تتعرض للتغيير الذي يحدث على الكلام المنطوق ، بحيث يمكن للعامي وغير العامي انتاجه وإدراكه . فالكلام يقوم على أساس استخدام الرموز الصوتية الاصطلاحية المنطوقة التي يتم بموجبها تكوين كلمات ، أما لغة الكتابة ، وهذا ما يشير إلى امكانية التواصل من خلال الكلام على نحو اكبر بكثير من 2 المظهر غير اللفظي : ويشتمل على الوسائل التي نستخدمها في التواصل مع الآخرين دون استخدام الرموز الصوتية المنطوقة أو المكتوبة ، وتشمل الإشارات والإيماءات والحركات الجسدية والتعبيرية والجمالية . ومثل هذه الوسائل ثقافية تختلف من مجتمع الى ‏. )Forrester, 1996( آخر ‏Universals of Language عموميات اللغة بالرغم من تعدد اللغات البشرية وتنوعها تبعاً لتعدد الشعوب والمجتمعات ، فلا تكاد لغة تخلو من هذه العموميات ، وتتمثل هذه العموميات بالآتي : ‏"Vocal - Auditory Channel" 1 قناة تواصل صوتية - سمعية- 225/376 تشترك جميع اللغات البشرية بأنها تعتمد على قناة التواصل الصوتي - السمعي . فالرسالة الصوتية تنطلق من المتكلم ليتم استقبالها سمعياً من قبل السامع . من اللغات تستخدم وسائل غير منطوقة أو لغة الكتابة كأحد وسائل الاتصال ، الا أن ما يميز جميع اللغات في أنها أكثر اعتماداً على خاصية الصوت - السمع . ‏" Broadcast Transmission and Directional Reception 2- أداة نقل إعلامية تمثل اللغة في أي مجتمع من المجتمعات أداة نقل إعلامية ، الرسالة الصوتية من المصدر في جميع الاتجاهات ضمن مدى معين ليتم استيعابها من قبل المستمعين ضمن هذا المدى . وبالرغم أن الرسالة يمكن ان يستقبلها العديد من المستمعين ، إلا أن الذي يحدد اتجاه ومصدر استقبال الرسالة هو المتحدث بحد ذاته . فهو الذي يحدد المصدر المعني باستقبال الرسالة الصوتية من خلال توجيه الكلام لذلك المصدر . ‏"Transitoriness - Rapid Fade" 3 سريعة الزوال- تمتاز الرسالة الصوتية في أي لغة بأنها سريعة الزوال ، وهذا يتطلب بالتالي مجهوداً من قبل السامع في الاحتفاظ بالرسائل الصوتية اما كتابة ، أو تسجيلاً إإلكترونياً ، في أي لغة من اللغات يمكن للسامع اعادة نطق أي جملة يسمعها ، وهذا يعني أن لدى السامع القدرة على استقبال الكلام وإعادة نطقه (انتاجه مرة أخرى . فقد يعمل السامع على اعادة نفس المنطوقات التي يسمعها ، أو يعمل على اعادة صياغتها بطريقة 226/376