في التجليات العقلانية للعنف والعدوانية: هل يمكن للعنف أن يعقلن إنسانيا؟ الإنسان مفطور على العنف ولكنه مهيأ لمواجهته في الآن الواحد “الإنسان مفطور على العنف ولكنه مهيأ لمواجهته في الآن الواحد“ قد يتساءل المرء، وكثيرا ما نحسن الظن أملا في الوقوف على جدة أو أصالة في مضامين المحاولات الفكرية الجديدة. ربما، إلا في القدرة على تقديم مقاربة جديدة تلامس البعد الأخلاقي للعنف لتضعه في دوائر العقلنة الفلسفية، ووفقا لهذا التصور فإن مقالتنا هذه لا تريد أن تكون مجرد إضافة متهالكة في أكداس مقولات العنف وتراكماته، إنها تريد أن تقدم تصورا واضح المعالم للجوانب الأخلاقية والإنسانية في مفهوم العنف، كما تريد أن ترسم منهجا متواضعا لعقلنته في تساوق أخلاقي يحتكم إلى رؤية فلسفية وإن لم يكن في هذا كله جديدا فإننا لا نعدم أن ينطوي منهجنا في مقاربة هذه الظاهرة على بعض الجدة والأصالة. في مفهوم العنف: معادلة القوة. ومن أجل الكشف عن بعض معانيه ودلالاته يمكننا أن نضعه بداية في ضوء التعريفات الكلاسيكية. يعرف العنف لغويا بأنه ” ممارسة للقوة على شيء ما” (1). ويحدد قاموس ويبستر سبعة معان لمفهوم العنف Violence أهمها أن العنف هو ” القوة الجسدية أو النفسية التي تستخدم للإيذاء أو للإضرار”(2). ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى تعريف (تشارلز ريفيرا) Charles Rivera و(كينيث سويتزر) Kinneth Switzer حول العنف وهو: العنف هو الاستخدام غير العادل للقوة من قبل الأفراد لإلحاق الأذى بالآخرين والضرر بممتلكاتهم(3). فالعنف هو كافة الأعمال التي تتمثل في استخدام القوة أو القسر أو الإكراه بوجه عام ومثالها أعمال الهدم والإتلاف و التدمير والتخريب وكذلك أعمال القتل والفتك والتعذيب وما شابه(4). ويـأتي في هذا السياق تعريف بيير فيو: الذي نظر إلى العنف بأنه ضغط جسدي أو معنوي ذو طابع فردي أو جماعي ينزله الإنسان بالإنسان(6). وفي تعريفنا لمفهوم العنف كبداية للخوض في معانيه الإنسانية والأخلاقية يمكننا أن ننطلق من أبسط تعريف يقبله العقل، وأبسط تعريف للعنف يتمثل في القول: بأن العنف هو ممارسة للقوة La force (أية قوة فيزيائية أو نفسية أو معنوية)، وهي تمارس تأثيرها لغاية ما (وهذا يشمل القوى الطبيعية كل ظاهرة طبيعية تمارس فعلها وظيفيا)، وهذا يعني أن القوة تعني ممارسة التأثير في الأشياء إذ ليست هناك قوة لا تتعين في قدرتها على التأثير في أشياء خارجية. والقوة وجود كامن مفترض، مثل الجيش وأجهزة الأمن، وموضوعه قد يكون على سبيل المثال قمع المظاهرات أو التجمعات وإخضاع المتمردين لإرادة الدولة. درجة استخدام القوة. إذن العنف هو علاقة دينامية ترتبط بمعادلة العلاقة بين القوة وموضوعها وفاعلها ومريدها وهدفها. غاية العنف ويتمثل في الأمن والسيطرة، رشاشات الماء ). وبالطبع يمكن أن نميز بين العنف المشروع الذي يكون دفاعا عن النفس أو حماية المواطن أو حماية الوطن، وقد يكون العنف غير مشرع مثل الاعتداء والاحتلال والإذلال والعبودية والقهر. ومما لاشك فيه أن مشروعية العنف وطريقة توظيفه مسألة نسبية تؤخذ في سياقها الاجتماعي وفي دلالاتها الفلسفية والإنسانية. يمارس العنف وفقا لمعادلة وجود القوة وحضور موضوعها وغايتها ودرجة استخدامها. وهنا يجب علينا أن نذكر أنفسنا بأن غرض مقالتنا هذه ليس في التحدث عن مدى حضور العنف في عالمنا المعاصر سياسيا أو تربويا ، فهناك أعمال هائلة منجزة في هذا الميدان قد تتجاوز حدود القدرة على الإضافة والتجديد في هذا المجال. فالهدف من مقالتنا هذه هي التأمل في البعد الأخلاقي للعنف بمعنى كيف يمكن لنا أن بحث عن تصور عقلاني للعنف ونعني بذلك البحث عن مقدمات فلسفية لفهم العنف وإدراك دلالته من وجهة نظر أخلاقية وإنسانية. وهنا يمكن أن نتحدث وفقا للتوصيف الخاص بكل عنصر من العناصر عن عنف مشروع (دفاع عن النفس) أو إرهاب(درجة استخدام القوة) أو عدوان (احتلال هيمنة سيطرة ) , وهذا يعني أن العنف مفهوم مركب على صورة معادلة مرنة قابلة للتوصيف وفقا للحالات التي تتجلى بها وللأيديولوجيا التي ترسم حدودها. ووفقا للمعادلة التي قدمناها فإنه يمكننا القول بأن كل نضال هو برهان على القوة. وفي السياق الاجتماعي الاقتصادي أو السياسي يمكن القول أيضا بأن كل علاقة مع الآخر ترتسم في صورة علاقة قوة. حيث يجد الضعيف نفسه مكرها على طاعة القوي، أي من أجل إعادة بناء التوازن الذي يضمن احترام حقوق الجميع. وهذا لا يمكن أن يكون إلا عبر القوة نفسها التي تعتمد ذاتها في إحداث الخلل وإسقاط التوازن. وليس ممكنا أبدا أن نبخس القوة ونرفضها إلا في الحالة التي ينظر فيها إلى هذه القوة بوصفها مشروعة كليا. ومن الضرورة بمكان في هذا السياق رفض المزاعم الواقعية التي تبرر مشروعية القوة باعتبارها قائمة في أصل الفعل الإنساني نفسه، فالقوة لا وجود لها إلا في الممارسة وهناك إمكانية كبيرة لرفض القوة ورفض استخدامها عبر برامج فعالة قوامها ترفض اللجوء إلى القوة وتمتلك القدرة على إعادة التوازن في علاقات القوة من أجل تحقيق العدالة واستحضار القانون وإعادة الاعتبار إلى الحقوق الإنسانية. فممارسة القوة تؤدي في النهاية على إنهاء الصراع بحثا عن معادلة جديدة للعدالة بين الأطراف المتعادية. وهنا يأخذ العنف صورة فعالية مضادة أو صورة ردة فعل على فقدان التوازن العادل القائم على العدالة في منظور من يمارس هذه القوة ذاتها. موت الآخر: فالشيء موضوع التنافس يكون مرغوبا بالنسبة لكل من واحد من المتنافسين. وهما في الوقت نفسه يحولان اهتمامهما من الشيء المتنافس عليه إلى التنافس نفسه. وكل طرف منهما يفضل تدمير موضوع الرغبة (مصدر التنافس) على أن يصبح ملكا للآخر، وهذه العداوة تأخذ صورة منافسة خالصة. فالعنف كما يرى جيرار هو فعل يعتمد كليا على مبدأ المحاكاة والتقليد ويأخذ طابعا التتابع الدوري، حيث يحاكي كل طرف من الطرفين عنف ويزيد عليه ويرجعه إليه بقدر أكبر. وأن الآخرين يشكلون عقبة في طريقه، ولذلك يجب عليه أن يتخذ السلاح وسيلة لإزالة هذه العقبات من طريقه. فالعنف وفقا لهذا التصور يوجد في أصل الرغبة النفسية أو البيولوجية التي تجد عوائق تمنعها من التحقق مبنية على رغبات الآخرين. ووفقا لهذا المعنى يمكننا أن نتحدث عن صراع الرغبات كمصدر حيوي للعنف. هناك من يتحدث اليوم عن العنف الجيد والعنف السيئ، وهذا التصنيف قد يؤصل لعملية تبرير العنف حيث يلجأ كل ممارس للعنف إلى إضفاء طابع الأصالة والمشروعية على العنف الذي يمارسه. وانطلاقا من أهمية رفض هذه المشروعية للفصل بين أنواع العنف، يمكن القول: بأن كل عنف يشكل في النهاية عملية من عمليات التدمير والموت. وفي هذا الخصوص يقول المفكر الفرنسي بول ريكو Paul Ricœur بأن العنف يتجه في مساره بوضوح أو بغموض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى موت الآخر أو إلى شيء قد يفوق حد الموت ذاته من حيث الضرر. ومن ثم إلغائه، وهنا تتعدد أشكال العنف وصيغه التي تبدأ بالاهانة، وانتهاء بالموت والإفناء. ولكن لا يجوز لك أن تقطع لسانه”. فالظلم الذي يحيق بالإنسان ضمن شروط اغترابية تتمثل في الإقصاء والقهر يشكل وضعية عنف مجسد ومجسم. فالعنف لا يمثل كيانا ذاتيا قائما بذاته بل يوجد في وسط اجتماعي محدد إنه يتخذ هيئته وصورته بين الناس والبشر وخارجهم أيضا، ومع ذلك فإن الإنسان يبقى في النهاية المسؤول عن كل صيغ العنف وتجلياته المختلفة. تشيؤ الإنسان: غالبا ما يتم فصل العنف عن الذي يمارسه في أكثر تعريفات العنف شيوعا وتواترا. وهنا فإننا نخطئ كثيرا في فهم طبيعة العنف ودلالته الحقيقية عندما لا نأخذ بعين الاعتبار الوسائل والغايات في تعريفنا إياه. ومن أجل تعريف العنف وفهم دلالته يجب علينا أن ننظر إليه من زاوية هؤلاء الذين يقعون ضحيته. وهنا يمكن الإشارة إلى تعريف سيمون واي Simone Weil ومفاده بأن العنف هو الفعل الذي يقوم به شخص ما لإخضاع شيء ما، وهذا يقطع بأن ممارسة العنف ضد الآخر يجعل منه مجرد شيء بالمعنى الدقيق للكلمة ويعامله كجسد ميت. وبالتالي فإن هذا العنف القاتل يأخذ صيغا متنوعة فيما يتعلق بإجراءاته وأدواته ونتائجه. ومع ذلك يجب القول بأن العنف الذي لا يقتل مباشرة، لأن القتل احتمال قائم في كل أشكال العنف، ومهما يكن الأمر فإن العنف يحول الإنسان إلى شيء إلى حجر إلى حالة تشيؤ بالمعنى الفلسفي. فالإنسان كما يؤكد كانط كائن عاقل، وبالتالي فإن إرادته يجب أن تستوحي الخير في كل الأفعال والممارسات، كما يجب أن تتجه إلى تحقيق خير وكرامة الآخرين الأخوة في الإنسانية، وهو في ذلك كله يجب أن ينظر إلى نفسه والآخرين كغاية كلية إنسانية. وهنا يمكن القول بأن من يعامل الآخرين بوصفهم أدوات فإنه يغتصب إنسانيتهم، وبمعنى أكثر دقة إنه يمارس العنف ضدهم. يقال بأن العنف هو إساءة استخدام القوة والإفراط في توظيفها، ولكن يجب علينا أن نقول بأن العنف يفوق ذلك ويتجاوزه: فالعنف بذاته أمر فظيع، واستخدامه أمر أكثر فظاعة منه. فالعنف هو حالة اغتصاب لجسد الآخر وعقله ونفسه وكينونته الإنسانية. كل عنف هو تعسف وفظاظة وتدمير وقهر وتدمير. فالعنف ينال من الإنسان ويستهدف كيانه الإنساني ويخترقه بالألم والمعاناة إنه يجرح ويدمي ويقتل شخص الذي يتعرض له. والعنف لا يقتل الخصم فحسب بل يؤدي في نهاية الأمر إلى تدمير إنسانية الذي يمارسه في جوهر الأمر. أن يضرب المرء أو أن يضرب، وفي أي حال من الأحوال فإن ممارسة العنف أو الخضوع له عملية تحول الإنسان إلى حالة التشيؤ وتدفعه إلى دائرة الاغتراب. اللاعنف La non-violence: يعود الفضل إلى غاندي الذي أبدع مفهوم اللاعنف وقدمه للغربيين وهو ترجمة إنكليزية لكلمة Ahimsa المستخدمة في اللغة السنسكريتية (لغة البراهمة القديمة في الهند). و تجدر الإشارة في هذا السياق أن الديانة اليانية – إحدى ديانات الهند القديمة – كانت تعتمد منهجا في تطهير النفس الإنسانية باللاعنف. وهذه الكلمة كما هو مبين مركبة من كلمتين هما العنف ونفيه في السنسكريتية فكلمة Himsa تعني الرغبة في التدمير واستخدام العنف ضد كائن حي، وبالتالي فإن إضافة البادئة a تعطي الكلمة معنى النفي فتتحول الكلمة إلى صيغة a-himsa وهي هنا تعني العرفان والترويض والسيطرة على الرغبة والميول والعنف الذي يوجد في داخل الإنسان وهي الطاقة التي تدفع الإنسان إلى إقصاء الآخر وإيذائه وإبعاده ومن ثم إماتته. ولكننا لو أخذنا الدلالة الاشتقاقية الصرفة لكلمة A-himsa لجازت ترجمتها إلى كلمة البراءة (In-nocence) في اللغة الفرنسية وكلمة (In-nocence) الفرنسية مشتقة من ثنائية الكلمة اللاتينية In-nocens، وهذا الفعل نفسه يعود إلى مصدر nex أو necis ويعني الموت العنيف أو القتل. نرجسية العنف: بل طريقة في الحياة وأسلوبا في الوجود ونظرة خيرة إلى الكون، فاللاعنف كما يتجلى عند غاندي هو موقف الخير المطلق إزاء الإنسان وإزاء الآخر الإنساني مهما تكن صيغة هذا الآخر أكان مجهولا معلوما صديقا بعيدا قريبا حتى عدوا. وعندما يحاول غاندي تعريف اللاعنف فإنه يعلن هذه القيم السلبية لكل الأفعال الضارة والمؤذية التي يمكن للإنسان أن يمارسها ضد الإنسان. وهكذا فإن اللاعنف يعني تغييبا مطلقا لكل أشكال الشر والظلم والعدوان والقهر. والتجربة التي تتوج مفهوم اللاعنف هي موقف سلبي حيث يطالب الإنسان بالامتناع عن ممارسة الشر بكل معانيه ودلالاته إزاء الآخر. وهو بالتالي عندما يضع هذه الرؤية فإنه يفترض بالضرورة وجود طبيعة في الإنسان تشده إلى ارتكاب العنف ضد الآخر. فالانشغال بالذات لا يمكن أن يترك أي مجال للاهتمام بالآخر. فعندما يوجد شخصان في مجال واحد سيضع كل منهما إشباع حاجاته ورغباته وتحقيق اهتماماته في سلم الأولوية، فكل إنسان يشبه نارسيوس Narcisse فتى الأسطورة الإغريقية الذي عرف عنه بأنه كان ينظر في صورته الجميلة على صفحات الماء فوقع في عشق نفسه وتيّم بها، فلم يستطع أن يحب غير نفسه ولم يمتلك القدرة أبدا على الاهتمام بالآخرين إلا من أجل احتقارهم. وهو بالتالي لا يتوقف عند حدود في تمجيده لذاته وتقديره لأناه بالمقارنة مع الآخرين. وتحت تأثر هذه النرجسية فإن الإنسان يقارن نفسه مع الآخرين مع الإصرار على أن يكون الأفضل والأعلى والأكثر أهمية. فالإنسان وبوصفه كائنا عاقلا يعيش مزودا بالإرادة التي تخضعه لمتطلبات القانون الأخلاقي. وعلى خلاف ذلك فإن الطبع الأولي والبدائي في الإنسان يخضع كليا لقانون حب الذات متجسدا في النرجسية والأنانية. ولذلك فإن القانون الأخلاقي يتجلى في صورة الامتناع(9) ، وتلك هي السمة التي تتخذها الأخلاق التي تجبر الإنسان على التوازن والتخلي عن النزعات الذاتية الكامنة فيه. يأخذ اللاعنف صورة مبدأ أخلاقي عند غاندي وهو مبدأ اعتقادي حيث يقول ” إنني أؤمن بمبدأ اللاعنف”. وهذا المبدأ كما يراه غاندي هو المنهج الصحيح في البحث عن الحقيقة وهو في هذا الصدد يعلن دون تراجع بأن اللاعنف هو الطريق الذي يهتدي به الإنسان في بحثه عن الحقيقة. إنهما أشبه بوجهين لحقيقة واحدة أو بوجهين لميدالية لا اختلاف بين وجهيها). يذهب غاندي إلى القول بأن اللاعنف يمثل الحقيقة الإنسانية نفسها، ولطالما يعيش الإنسان مجسدا فإن اللاعنف الكامل ليس إلا افتراض نظري. ومع ذلك يجب على الإنسان أن يجاهد نفسه من أجل التواصل مع هذه الحقيقة الإنسانية دائما، وهذا الجهد الذي يتميز به الإنسان في مجال التفكير والكلام والحياة العاقلة سمات نجدها في التفكير الفلسفي ذاته. والفيلسوف يمتلكه الخوف ليس من المخاطر الخارجية، وبالتأكيد ليس من الموت نفسه، إنه يخاف هذا العنف الكامن في نفسه. وذلك لأن هذا العنف الذي يكتشفه الفيلسوف في نفسه يقود الفيلسوف إلى مواقف غير عقلانية، ويشكل عقبة أمام تحقيق الفيلسوف لكينونته الإنسانية. ومن هنا فإن الفيلسوف يخشى العنف ويرهبه أي العنف الداخلي الكامن في الأعماق الإنسانية للفيلسوف بوصفه إنسانا، وذلك لأن هذا العنف يمنع عليه حكمته ويقطع عليه الطريق نحو تحقيق ذاته الإنسانية. والفيلسوف المبتدئ يشعر في اللحظة التي يريد فيها أن يصبح عاقلا أنه معبأ بالحاجات والرغبات والاهتمامات والانفعالات. ولأنه ينوء بأحمال هذه الميول الأولية يشعر بأنه ميال إلى العنف ضد أشباهه من البشر. ولكن الإنسان لا يكتشف العنف في ذاته إلا لأنه كائن عاقل. فالعنف لا يفهم إلا من خلال التفكير أي بعد أن يتأمل الإنسان نفسه ليدرك عنفه الخاص. وهو في سياق هذا التأمل والتفكير لن يكتشف العنف في نفسه بل في داخل المجتمع الذي ينتسب إليه وفي تاريخ الحياة الإنسانية، وهذا التحصيل العقلي للعنف وإدراكه لا يكون إلا بفضل اللاعنف. فالعقل الإنساني هو سبيل الإنسان ولكنه ليس إلا فرصة وإمكانية تجعل الإنسان قادرا على امتلاك ذاته والسيطرة على قدر العنف في داخله. فالإنسان قادر على توجيه سلوكه وفقا للعنف أو للعقل ويجب عليه الاختيار بينهما. وهنا يجد الإنسان نفسه في مقتضى الحياة الأخلاقية وفي مدارها، وهذا يتطلب بالضرورة من الإنسان – كل إنسان – احترام العقل في ذاته وفي ذوات الآخرين. وهذا يعني في النهاية أنه يتوجب على الإنسان أن يتوقف كليا عن إنتاج العنف وممارسته ضد الإنسانية وفقا لمقتضى العقل. وأنه يجب على الإنسان أن يدرك أنه ليس من حقه أبدا وليس مشروعا أبدا ممارسة العنف ضد الذات أو الآخر. فالإنسان الذي قدم خيار العقل لأنه يريد تحقيق التوازن الخلاق في حياته الأخلاقية يخضع سلوكه وقراراته لمبدأ العالمية. إذ يتوجب على كل إنسان أن يسلك بطريقة يكون فيها سلوكه نموذجا إنسانيا(11). ومن أجل أن يتقدم الإنسان إلى هذا المستوى من العالمية يتوجب عليه خيار اللاعنف لأن اللاعنف ذاته يمثل العالمية نفسها. ومع أهمية البعد الأخلاقي في الممارسة الإنسانية، فإن العنف يفرض نفسه كاحتمال دائم بالنسبة للإنسان الذي قدّم خيار العقل والعقلانية، ولاسيما في عالم يقدم فيه الآخرون خيار العنف على العقل. وهنا وفي هذا العالم يتوجب على الفيلسوف أن يعلم الآخرين ويوجههم نحو الخيار الإنساني المضاد للعنف بقد ما يمتلك من قدرة وذلك لحماية العالم من الوقوع كلية في دائرة العنف المدمر. ومن هنا فإن منهج اللاعنف يشكل نقطة الانطلاق كغاية نهائية للفلسفة. ولم يكن إيريك وايل أقل صرامة من غاندي حين يؤكد بأن مآل العنف إبعاد الإنسان عن الحقيقية. وبالتالي فإن العنف يقود إلى الرعب، والرعب هو عقيدة أخرى تنطلق لتبرير العنف ذاته، وهذا يعني أن العنف حق من حقوق الإنسان، ولأن العنف يحقق نجاحا واضحا فإنه يصبح مطلوبا ومفروضا. والتاريخ هنا يشهد – وهذا ما تؤكده التجربة في كل يوم – بأن الحقيقية هي إشعاع للعنف وترجمة له وذلك عندما لا تكون هذه الحقيقة مؤسسة على مبدأ اللاعنف ومتطلباته. وإذا لم تكن الحقيقة قائمة على رفض العنف فإن هذا العنف ذاته يصبح فعلا مشروعا للدفاع عن الحقيقة نفسها. وهنا ومن جديد فإن الاعتراف بضرورة اللاعنف يسمح لنا بالرفض المطلق مرة واحدة وإلى الأبد كل الأوهام الإيديولوجية التي تعطي العنف مشروعية الدفاع عن الحقيقة. لأن مفهوم اللاعنف مشبع بالطابع السلبي، وأن هذا المفهوم بالتالي ينطوي على عناصر الغموض. ومع ذلك يمكن القول وعلى خلاف ذلك إن الغموض يلف علاقة الإنسان مع العنف ويتغلغل فيها. ومما لا شك فيه أن مفهوم اللاعنف يمتلك في ذاته وعلى نحو فلسفي مسألة العنف ذاته. وبالتالي فإن رفض اللاعنف يعني تملصا من تناول مسألة العنف ذاتها. وهي مسألة جوهرية تلامس معنى وجودنا. وهنا يبدو لنا أن هذا المنع ضد القتل جوهري لأن رغبة القتل موجودة في دواخلنا جميعا. فالقتل ممنوع لأنه إمكانية قائمة دائما، ولأن هذه الإمكانية مضادة للحياة الإنسانية. وهنا يبدو المنع ضروريا وذلك لأن الرغبة قائمة ومسيطرة وكلما كانت هذه الرغبة حاضرة كلما اقتضى الأمر حضور المنع والتحريم للعنف والقتل. ولأن الإنسان كائن مفطور على العنف فإنه يعمل على أن يبرر هذا العنف لنفسه كحق من حقوق الإنسان نفسه. ومما لا شك فيه أنه في عالم الحيوانات فإن السمكة الكبيرة تأكل الصغيرة وأن الذئب يفترس الخرفان. ولكن الحيوانات غير مسؤولة عن هذا العنف. ولكن الإنسان بوصفه كائنا عاقلا يقع في دائرة المسؤولية عن أفعاله وعن العنف الذي يمارسه. ولذلك فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبرهن وحشيته إزاء أشباهه. فالإنسان مفطور على العنف ولكنه في الوقت نفسه مهيأ لمواجهة العنف ذاته. وغالبا ما تقدم هذه الثقافات العنيفة المثل الذي يقول بأن الغاية تبرر الوسيلة “La fin justifie les moyens” وهذا يعني تبريرا لاستخدام العنف في الدفاع عن قضايا عادلة.