ربما حين انشغالنا بأعمالِنا المعتادة، قد يقف العقل عند لحظةٍ لا تأفل نجومه عن المغيب، لأنّ طبيعة العقل البشريّ يحبّ التوقف عند اللحظات التي افتقدها رغمّ جماليتها وخلودها في أعماقنا! فتلك الذكريات تأخذنا إلى عوالمِنا التي انطفأت برحيلنا، كانت تلتصق بكلِ لحظةٍ خوفا من تطّايرها؛ عبارات ؛ التصقت بتلك الأمكنة، التي قد غادرها أصحابها رغمّا عن قلوبهم وأوطانهم، رغم خبايا الظلم الذي استوطن أوقاتهم، ورغم الحصار الذي فرض عليهم سلطته وحرمهم من أيامهم! الوطن كلمة تفجّر في أعماقنا ألاف الأحلام والذكريات والبطولات والتضحيات ؛ رغمّ الألم المحترق في شراييننا، لا يعرف حقيقتها سوى أصحابها، لكلّ بيتٍ رغمّ الدمار، بقايا متشبثة بجذور الأرض تحنُّ إلى ساكنيها وأصواتهم، من سيعيدها لنا؟! وهل تبقى عالقة في مخيلتِنا رغمّ تباعد الأيام وازدحامها؟ ربما الأحاسيس والمشاعر هي التي ما زالت تؤمن بالذكريات؛ باسترجاعِ اللحظات! حين يغفو العقل بعيدا عن الواقع، حين يعاود رسمها بفرشاةٍ سحريةٍ غالبا ما تختفي؛ ويغادرنا العقل الباطن على عجلٍ حين يقاطعنا صوت الكون الواقعيّ! رغمّ الألم الذي يعتصر في داخلنا ويرتطّم، قد يضجّ العقل بالماضي، ويحاول أن يلتصق بالأحلام المقتولة على ضاحياتِ الزمن المرّ، ونبقى غائبون في زمنٍ قد انتهى، تمرّ من كلّ الأزمنة، ملامحها تتناقل كالنصوص وتسرد في الروايات؛ وسنكون يوما ما أبطالها لننقل للقارئ تفاصيل حياتنا من طفولتنا إلى اللحظات الجميلة الممزوجة بالألم وإلى ذكرى الرحيل الذي أرغمنا على مغادرة أماكننا؛ وهي تقف أمامنا تدمعُ وتحاول التشبث ببقايانا العالقة على أطراف الطرقات كطفلٍ قد انتزع الموت منه أمه. فبهذه التفاصيل التي احتوت أحلامنا سيخلدنا التاريخ ويعطي لأرواحنا البقاء في الحروف حينما نكتبب كلّ الذكريات بمخطوطاتٍ تحتضن عمق مشاعرنا، وترتعش بها أجسادنا حين تذكّرها. فكيف لكلّ هذه الذكريات الباقية أن يكون الزمن ممحاة لبصماتها؟! لا شيء يجيد أنْ يمحو الحب من أعماقِنا! العيون الجميلة لا ترى إلا الجمال، والحبُّ لا يعبث في الأوراق البيضاء،