صباح ناصع الجبين يجلي عن القلب الحزين ظلماته, ونسيم عليل ينعش الأفئدة ويسري عن النفس همومها, وفي الحديقة تتمايل الأشجار يمنة ويسرة كأنها ترقص لقدوم الصباح، والناس تسير في الطريق وقد دبت في نفوسهم حرارة العمل، وأنا مكتئب النفس أنظر من النافذة لجمال الطبيعة، وأسأئل نفسي عن سر اكتئابها فلا أهتدي لشيء. تناولت ديوان “موسيه” وحاولت القراءة، فلم أنجح فألقيت به على الخوان وجلست على مقعد واستسلمت للتفكير كأني فريسة بين مخالب الدهر.مكثت حيناً أفكر ثم نهضت واقفاً، وتناولت عصاي وغادرت منزلي وسرت وأنا لا أعلم إلى أي مكان تقودني قدماي، إلى أن وصلت إلى محطة باب الحديد وهناك وقفت مفكراً ثم اهتديت للسفر ترويحاً للنفس، وركبت القطار للضيعة لأقضي فيها نهاري بأكمله.وجلست في إحدى غرف القطار بجوار النافذة، ولم يكن بها أحد سواي وما لبثت في مكاني حتى سمعت صوت بائع الجرائد يطن في أذني “وادي النيل، المقطم “فابتعت إحداها وهممت بالقراءة وإذا بباب الغرفة قد انفتح ودخل شيخ من المعممين، نحيف القوام كث اللحية، له عينان أقفل أجفانهما الكسل، فكأنه لم يستيقظ من نومه بعد. وجلس الأستاذ غير بعيد عني، وخلع مركوبه الأحمر قبل أن يتربع على المق، ثم بصق على الأرض ثلاثا ماسحا شفتيه بمنديل أحمر يصلح أن يكون غطاء لطفل صغير، ثم أخرج من جيبه مسبحة ذات مائة حبة وحبة وجعل يردد اسم الله والنبي والصحابة والأولياء الصالحين. فحولت نظري عنه فإذا بي أرى في الغرفة شاباً لا أدري من أين دخل علينا. ولعل انشغالي برؤية الأستاذ منعني أن أرى الشاب ساعة دخوله. نظرت إلى الفتى وتبادر إلى ذهني أنه طالب ريفي انتهى من تأدية امتحانه، وهو يعود إلى ضيعته ليقضي إجازته بين أهله وقومه. نظرت إلى الشاب كما ينظر إليّ ثم أخرج من حافظته رواية من روايات مسامرات الشعب وهم بالقراءة بعد أن حول نظره عني الأستاذ، ونظرت إلى الساعة راجياً أن يتحرك القطار قبل أن يوافينا مسافر رابع، فإذا بأفندي وضاح الطلعة، دخل غرفتنا وهو يتبختر في مشيته ويردد أنشودة طالما سمعتها من باعة الفجل والترمس. جلس الأفندي وهو يبتسم واضعاً رجلا على رجل بعد أن قرأنا السلام، فرددناه رد الغريب على الغريب.وساد السكون في الغرفة والتلميذ يقرأ روايته، والأستاذ يسبح وهو غائب عن الوجود, والأفندي ينظر لملابسه طوراً وللمسافرين تارة أخرى، وأنا أقرأ وادي النيل منتظراً أن يتحرك القطار قبل أن يوافينا مسافر خامس.مكثنا هنيهة لا نتكلم كأنا ننتظر قدوم أحد فانفتح باب الغرفة ودخل شيخ يبلغ الستين، أحمر الوجه براق العينين، يدل لون بشرته على أنه شركسي الأصل، وكان ماسكاً مظلة أكل عليها الدهر وشرب. أما حافة طربوشه فكانت تصل إلى أطراف أذنيه. وجلس أمامي وهو يتفرس في وجوه رفقائه المسافرين كأنه يسألهم من أين هم قادمون وإلى أين ذاهبون ثم سمعنا صفير القطار ينبئ الناس بالمسير، وتحرك القطار بعد قليل، يقل من فيه إلى حيث هم قاصدون.سافر القطار ونحن جلوس لا ننبس ببنت شفة، فإذا بالشركسي يحملق في ثم قال موجها كلامه إلي:فقلت وأنا ممسك الجريدة بيدي ـ ليس في أخبار اليوم ما يستلفت النظر اللهم إلا خبر وزارة المعارف بتعميم التعليم ومحاربة الأمية.ولم يهمني الرجل أن أتم كلامي لأنه اختطف الجريدة من يدي دون أن يستأذنني وابتدأ بالقراءة ما يقع تحت عينيه، ولم يدهشني ما فعل لأني أعلم الناس بحدة الشراكسة. وبعد قليل وصل القطار محطة شبرا وصعد منها أحد عمد القليوبية وهو رجل ضخم الجثة، كبير الشارب أفطس الأنف، وله وجه به آثار الجدري، تظهر عليه مظاهر القوة والجهل. جلس العمدة بجواري بعد أن قرأ سورة الفاتحة وصلى على النبي ثم سار القطار قاصداً قليوب.مكث الشركسي قليلاً يقرأ الجريدة ثم طواها وألقى بها على الأرض وهو يحترق من الألم وقال:ـ يريدون تعميم التعليم ومحاربة الأمية حتى يرتقي الفلاح إلى مصاف أسياده وقد جهلوا أنهم يجنون جناية كبرى.ـ إنك مازلت شاباً لا تعرف العلاج الناجع لتربية الفلاح.ـ وأي علاج تقصد؟ وهل من علاج أنجع من التعليم؟فقطب الشركسي حاجبيه وقال بلهجة الغاضب:ـ هناك علاج آخر….فصاح بملء فيه صيحة أفاق لها الأستاذ من نومه وقال: إن السوط لا يكلف الحكومة شيئاً أما التعليم فيتطلب أموالا طائلة ولا تنس أن الفلاح لا يذعن إلا للضرب لأنه اعتاده من المهد إلى اللحد. ولكن العمدة حفظه الله كفاني مئونة الرد فقال للشركسي وهو يبتسم ابتسامة صفراء:ـ صدقت يا بيه صدقت ولو كنت تسكن الضياع لقلت أكثر من ذلك. إنا نعاني من الفلاح ما نعاني لنكبح جماحه،فنظر إليه الشركسي نظرة ارتياب وقال:جرى هذا الحديث والأستاذ يغط في نومه والأفندي ذو الهندام الحسن ينظر لملابسه ثم ينظر لنا ويضحك، أما التلميذ فكانت على وجهه سيم الاشمئزاز، ولقد هم بالكلام مراراً فلم يمنعه إلا حياؤه وصغر سنه، ولم أطق سكوتاً على ما فاه به الشركسي،ـ الفلاح يا بيه مثلنا وحرام ألا يحسن الإنسان معاملة أخيه الإنسان. فالتفت إلى العمدة كأني وجهت الكلام إليه وقال: ولي الشرف أن أكون عمدة في بلد به ألف رجل وإن شئت أن يقف على شئون الفلاح أجيبك. إن الفلاح يا حضرة الأفندي لا يفلح معه إلا الضرب،ـ الفلاح يا حضرة العمدة.ـ قل يا سعادة البك لأني حزت الرتبة منذ عشرين سنة.ـ الفلاح يا حضرة العمدة لا يذعن لأوامركم إلا بالضرب لأنكم لم تعودوه غير ذلك، فلو كنتم أحسنتم صنيعكم معه لكنتم وجدتم فيه أخا يتكاتف معكم ويعاونكم، ولكنكم مع الأسف أسأتم إليه فعمد إلى الإضرار بكم تخلصاً من إساءتكم. وإنه ليدهشني أن تكون فلاحاً وتنحي باللائمة على إخوانك الفلاحين.فهز العمدة رأسه ونظر إلى الشركسي وقال:أما الأفندي ذو الهندام الحسن فإنه قهقهه وصفق بيديه وقال للتلميذ.ونظر إليه الشركسي وقد انتفخت أوداجه وتعسر عليه التنفس وقال:ولم يبق في قوس الشركسي منزع فصاح وهو يبصق على الأرض طورا وعلى الأستاذ وعلى حذاء العمدة تارة: وأوشكت أن تهدأ العاصفة لولا أن التفت العمدة إلى الأستاذ وقال:ـ أنت خير الحاكمين يا سيدنا فاحكم لنا في هذه القضية. فهز الأستاذ رأسه وتنحنح وبصق على الأرض وقال:ـ وما هي القضية لأحكم فيها بإذن الله جل وعلا؟ـ هل التعليم أفيد للفلاح أم الضرب؟ـ بسم الله الرحمن الرحيم “إنا فتحنا لك فتحا مبينا. “قال النبي عليه الصلاة والسلام لا تعلموا أولاد السفلة العلم”.وعاد الأستاذ إلى خموله وإطباق أجفانه مستسلماً للذهول، إن بين الغني والفقير من هو على خلق عظيم فما أن بينهم من هو في الدرك الأسفل.ـ واحسرتاه إنكم من يوم ما تعلمتم الرطن فسدت عليكم أخلاقكم ونسيت أوامر دينكم ومنكم من تبجح واستكبر وأنكر وجود الخالق.فصاح الشركسي والعمدة “لك الله يا أستاذ ” وقال الشركسي:ـ كان الولد لا يرى وجه عمته والآن يجالس امرأة أخيه.ووقف القطار في قليوب وقرأت الجميع السلام وغادرتهم وسرت في طريقي إلى الضيعة وأنا أكاد لا أسمع دوي القطار وصفيره وهو يعدو بين المروج الخضراء لكثرة ما يصيح في أذني من صدى الحديث.