قال ابن فارس في فقه اللغة: باب القول على لغة العرب هل لها قياس وهل يشتق بعضُ الكلام من بعض أجمع أهل اللغة - إلَاّ من شذَّ منهم - أن للغةِ العرب قياسا وأن العرب تشتقُّ بعض الكلام من بعض واسم الجنِّ مشتقٌّ من الاجْتِنان وأن الجيم والنون تدلان أبدا على السترتقول العرب للدِّرْع: جُنَّة وأجَنَّه الليلُ وهذا جَنين أي هو في بَطْن أمِّه. وعلى هذا سائرُ كلام العرب عَلِم ذلك مَن عَلِم وجَهِله من جهل. قال: وهذا مبنيٌّ أيضا على ما تقدم من أن اللغة توقيففإن الذي وَقَّفَنا على أن الاجتِنان: الستر هو الذي وقفنا على أن الجن مشتق من هو ليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غيرَ ما قالوه ولا أن نقيس قياسا يقيسوهلأن في ذلك فساد اللغة وبُطلانَ حقائقها. وقال ابن دحية في التنوير: الاشتقاقُ من أغْرَب كلام العرب وهو ثابت عن الله تعالى بنقل العدول عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأنه أُوتي جَوامعَ الكَلِم وهي جمعُ المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة فمن ذلك قوله فيما صح عنه: يقولُ الله: (أنا الرحمن خلقتُ الرُّحم وشققت لها من اسمي) . وطريقُ معرفته تقليبُ تصاريفِ الكلمة حتى يرجع منها إلى صيغة هي أصل الصيغ دلالة اطراد أو حروفا غالباكضرب فإنه دال على مُطلق الضرب فقط أما ضارب ومضروب ويَضْرب واضْرِب فكلُّها أكثرُ دلالة وأكثر حروفاوضرب الماضي مساوٍ حروفا وأكثرُ دلالة وكلها مشتركة في (ض ر ب) وفي هيئة تركيبها وهذا هو الاشتقاق الأصْغر المحتجُّ به. وهذا مما ابتدعه الإمامُ أبو الفتح ابن جني وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به يسيراوليس معتَمداً في اللغة ولا يصح أن يُستنبط به اشتقاق في لغة العربوإنما جعله أبو الفتح بيانا لقوة ساعده ورده المختلفات إلى قَدْرٍ مشترك مع اعترافه وعِلْمِه بأنه ليس هو موضوع تلك الصيغ وأن تراكيبها تفيد أجناسا من المعاني مغايرة للقَدْر المشتركوسبب إهمال العرب وعدمِ التفات المتقدمين إلى معانيه أن الحروف قليلةٌ وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى فخصوا كل تركيب بنوع منهاليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعا كثيرة ولو اقتصروا على تغاير المواد حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضربلمنافاتهما لهما لضاق الأمر جداولاحتاجوا إلى ألوف حروفٍ لا يجدونها بل فرقوا بين مُعْتِق ومُعْتَق بحركةٍ واحدة حصل بها تمييزٌ بين ضدين. هذا وما فعلوهُ أخْصر وأنسب وأخفولسنا نقولُ: إن اللغةَ أيضا اصطلاحيةٌ بل المرادُ بيان أنها وقعت بالحكمة كيف فرضتففي اعتبار المادة دون هيئة التركيب من فساد اللغة ما بينت لكولا يُنْكَر مع ذلك أن يكونَ بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترَكٌ بينها هو جنسٌ لأنواع موضوعاتهاولكن التحيُّل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلبٍ لعنقْاء مُغرب ولم تُحْمل الأوضاعُ البشرية إلا على فهوم قريبةٍ غير غامضة على البديهة فلذلك إن الاشتقاقات البعيدة جدا لا يقبلها المحققون. وقالت طائفة من المتأخرين اللغويين: كل الكلم مشتقونسب ذلك إلى سيبويه والزجاج. وقالت طائفة من النظار: الكلم كلُّه أصلٌ والقول الأوسط تخليط لا يعد قولالأنه لو كان كل منها فرعا للآخر لدار أو تسلسل وكلاهما محالبل يلزم الدور عينالأنه يثبت لكل منها أنه فرْع وبعضُ ما هو فرع لا بد أنه أصلضرورة أن المشتقَّ كلَّه راجع إليه أيضا. لا يقال: هو أصل وفرع بوجهينلأن الشرط اتحاد المعنى والمادة وهيئة التركيبمع أن كلا منها مفرَّع عن الآخر بذلك المعنى.