كانَ رجلٌ في السّتينَ أو نحوِها، طويلُ القامَةِ نحيلُها، يتكلّمُ في تلفونِ الدّكانِ بصوتٍ مرتفعِ؛ ليُسمَعَ صوتُهُ رغمَ ضوضاءِ شارعٍ الجيشِ الصّاخبةِ، ثمَّ ختَمَ حديثهُ بقولهِ: (انتظرْني، سأحضرُ فورًا)، وخرجَ منَ الدّكانِ متَّجهًا نحوَ الطّريقِ. مَرَقَ منْ بينَ اللُّوريّاتِ ليعْبُرَ الشّارعَ إلى ضِفَّتِهِ الأُخرى، وما كادَ يجاوِزُ مُقدّمةَ اللّوري الأخيرِ حتّى شعرَ باندفاعِ سيّارةٍ (فورد) نحوَهُ بسرعةٍ فائقةٍ، وجرتِ الحوادثُ متلاحقةً، صرَخاتُ الفزعِ منَ المارَّةِ، وصوتُ فرملَةِ الفوردِ، والرّجُلُ منكفِتًا على وجهِهِ، وثبَتَتْ مجموعةٌ منّ الناسِ حَوْلَهُ. لمْ ينبضْ جسمُ الرّجُلِ بحركةٍ واحدةٍ، وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهِ ألبنَةَ، وصدَرَ عنِ المُصابِ صوتٌ كالَّفيرِ المَكتومِ، ثمَّ غرقَ في اللامبالاةِ. جاءَ شرطيُّ مسرعًا، وفتحَ لهُ وقعُ قدميهِ ثغرةً في السّورِ الآدميّ، وقالَ إنسانُ: - سُيبقى هكذا حتّى يموثَ، ونحنُ لا نفعلُ شيئًا؟! فأجابَهُ الشُّرطيُّ: - أقلُّ لمسةٍ قدْ تقتُلُهُ، و(بوليسُ) النَّجدةِ والإسعافُ في الطَّريقِ إليهِ.. وَانتشرَ في المِنطقةِ الهَرَجُ، وجاءَ (بوليسُ) النَجدةِ وراءَ صفّارتِهِ الحَلَزونيّةِ، وتفحَّصَ الضّابطُ الرَّجُلَ بنظرةٍ شاملةٍ، وسألَ الشُّرَطيّ: - ألمْ تحضُرِ الإسعافُ؟ - هلْ منْ شُهودِ؟ فتقدّمَ ماسحُ أحذيةٍ، وسائقُ (لوري) وصبيٌّ (كبابجيٍّ) واعادوا على مَسْمَع الضّابطِ ما حدثَ منذُ كانَ الرّجُلُ المَجهولُ يتكلّمُ في التّلفونِ. وأحاطَ رجالُ الإسعافِ بالرّجُلِ، وتفحَّصَهُ رئيسُهُم بعنايةٍ وحَذّرٍ، وقالَ بلهجةٍ ذاتِ أثرٍ لا يختلفُ عنِ الأثرِ الّذي يحدثُ عادةً عنْ جرسِ سيارته: - بلْ يجبُ نقلُهُ إلى مُستشفى الدّمرداشِ... وعندما أُرقِدَ الرَّجُلُ بحجرةِ الفحص بمستشفى الدَّمرداشِ كانت طلائعُ اللِّيلِ تزحَفُ كالجبالِ، وفحَصَهُ مديرُ القسم بنفسِهِ، وقالَ: - إصابةٌ خطيرةٌ في الرَّئةِ اليُسرى، تُهدِّدُ القلبَ مُباشرةً.. - عمليَّةٌ؟ - إنَّهُ يُحتضَرُ.. - انْتهى.." وجاءَ ضابطُ النُّقطةِ، وكانَ الرّجُلُ ما يزالُ راقدًا بكاملِ ملابسهِ عدا فردةِ الحذاء المفقودةِ. - هذهِ الحوادثُ لا تنتهي.. - وشهادةُ الشُّهودِ ليستْ في صالحِهِ! - أرجو أنْ نستدِلَ على شَخصيّتِهِ. ودسَّ الضّابطُ يدَهُ برفّقٍ في جيبِ الجاكِنَّةِ الدّاخليّ؛ فاستخرَجَ حافظةً نقودٍ قديمةٌ متوسُطةً الحجمِ، وقالَ: - خمسةُ وأربعونَ قرشًا منّ العُملةِ الورقيّةِ. - (روشتةٌ) للدُّكتورِ فوزي سليمانَ.. - مجلَّدٌ صغيرٌ منّ السُّورِ القُرآنيَّةِ.. - لا توجَدُ بطاقةُ تحقيقٍ شخصيَّةُ! - ثلاثةُ قروشٍ ونصفُ، عُملةٌ معدنيَّةٌ. - منديلٌ، سلسلةُ مفاتيحَ، ساعةُ يد..و وكانَ آخرَ ما عثرَ عليهِ صفحةٌ مطويَّةٌ من كرّاسةٍ، فبَسَطها، فوجدَها رسالةً لمْ تُغُلَّفْ بمظروفٍ بعدُ، فبَسَطها، فوجدَها رسالةً لمْ - أخي العزيزَ أدامَهُ اللّهُ اليومَ تحقّقَ لي أكبرُ أملٍ في الحياةِ. - اليومَ تحقّقَ لي أكبرُ أملٍ في الحياةِ، بذلِكَ بدأتِ الرّسالةُ! - فقدِ انزاحتْ عنْ صدري الأعباءُ المَريرَةُ، انزاحتْ جميعًا والحمدُ للهِ، أمينةُ وبهيَّةُ وزينبُ في بيوتهِنَّ، وها هوَ عليُّ يتوظَّفُ، وكلَّما ذكرتُ الماضي بمتاعِبِهِ وَكَدْجِهِ وقلقِهِ وشقائِهِ أحْمَدُ الله المَنّانَ، وهذا هوَ النَّصْرُ المبينُ. - إنّهُ موظَّفُ كَما يُفْهَمُ منْ خطابِهِ، ولكنْ ليس بِهِ ما يُمْكِنُ الاستدلالُ على هُويَّتِهِ. - ستُتَّخَذُ الإجراءاتُ المألوفَةُ، وغالبًا ما يجيءُ أهلُهُ في الوقتِ المُناسِبِ، : فيتسلَّمونَ الجُنَّةَ منَ المشْرَحَةِ.