يقول الجاحظ في كتاب الحيوان والكتاب هو الذي يؤدّي إلى الناس كتب الدين، وصغر حجمه صامت ما أسكته وبليغ ما استنطقته ومن لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك، ومن لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبا، ووروده خمسا وإن شئت لزمك لزوم ظلك، والقلم مكتف بنفسه، ولا بد لبيان اللسان من أمور منها إشارة اليد، ولولا الإشارة لما فهموا عنك خاص الخاص إذا كان أخص الخاص قد يدخل في باب العام، وليس يكتفي خاص الخاص باللفظ عما أذاه، كما اكتفى عام العام والطبقات التي بينه وبين أخص الخاص والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يستريتك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر، ولا يحتال لك وبجح نفسك، وبسط لسانك وجود بنانك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا، والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ولا يعتل بنوم ولا يعتريه كلال السهر وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن هبت ريح أعاديك لم ينقلب عليك، ومتى كنت منه متعلقا بسبب أو معتصما بأدنى حبل كان لك فيه غنى من غيره، إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة، وقد علمنا أن أفضل ما يقطع به الفراغ نهارهم وأصحاب الفكاهات ساعات ليلهم الكتاب وهو الشيء الذي لا يرى لهم فيه مع النيل أثر في ازدياد تجربة ولا عقل ولا مروءة، ولا في إصلاح دين،