قد يقول قائل : - الفصل السابع : في الغناء بدون آلة قد يقول قائل: ها نحن أولاء قد عرفنا حكم الغناء بآلات الطرب ، وأنه حرام إلا الدف في العرس والعيد ، فما حكم الغناء بدون آلة ؟ وجواباً عليه أقول : لا يصح إطلاق القول بتحريمه ؛ لأنه لا دليل على هذا الإطلاق ، كما لا يصح إطلاق القول بإباحته ، لأنَّ الغناء يكون عادة بالشعر ، كيف ؛ والنبي الله يقول : ( إِنَّ من الشعر حكمة » . رواه البخاري ، وهو مخرج في ( الصحيحة ) ( ٢٨٥١ ) ، بل إنه كان يتمثل بشيء منه أحياناً كمثل شعر عبدالله بن رواحة رضي الله عنه : ويأتيك بالأخبار من لم تزود ) ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الشعر : هو كلام ، فحسنه حسن ، وهو مخرج في ( الصحيحة ) أيضاً ( ٤٤٧ ) ، خذ بالحسن ، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعاراً منها القصيدة فيها أربعون بيتاً ، ( الصحيحة ، أيضاً . والأحاديث في استماعه للشعر كثيرة ، وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى ، وقالت عائشة رضي الله عنها : ه لما قدم رسول الله الله المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فكان أبو بكر إذا كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه تغنّى ، بواد وحولي إذخر وجليل وهل أَردَنْ يوماً مياه مَجَنَّةٍ وهل يَبْدُونْ لي شامة وطفيل اللهم اخز عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من مكة أخرجه أحمد ( ٦ / ۸۲ - ۸۳ ) بسند صحيح ، وهو في ( الصحيحين ) وغيرهما دون قوله : ( يتغنّى ) ، وهو مخرج في ( الصحيحة ) ( ٢٥٨٤ ) . وعن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء وهو مستلق ، واضعاً إحدى فنهاه ، فقال : أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مئة من الكفار سوى من شركني فيه الناس ؟ أخرجه الحاكم ( ۳ / ۲۹۱ ) ، وعبد الرزاق ( ١١ / ٦ / ١٩٧٤٢ ) ومن طريقه الطبراني في ( المعجم الكبير ) ( ۲ / ۱۲ / ۱۱۷۸ ) وعنه أبو نعيم في الحلية » ( ١ / ٣٥٠ ) ، وقال الحاكم : ( صحيح على شرط الشيخين ) ، وهو كما قالا ، وطريقه غير طريق عبدالرزاق رأيت أسامة بن زيد رضي الله عنه جالساً في المجلس (۱) ، رافعاً إحدى رجليه على الأخرى رافعاً عقيرته ، قال : حسبته يتغنى النصب (٢) . أخرجه عبد الرزاق ( ۱۹۷۳۹ ) ومن طريقه البيهقي ( ١ / ٢٢٤ ) ، وإسناده صحيح على شرط الشيخين تغنى بلال ! » قال : فقال له رجل : « تغنى ؟! ) ، فاستوى جالساً ثم قال : وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب ؟ ) . رواه عبد الرزاق ( ١٩٧٤١ ) مختصراً ، والبيهقي ( ۱۰ / ۲۳۰ ) والسياق له ، ونحن نؤم مكة اعتزل عبد الرحمن رضي الله عنه الطريق ، ثم قال لرباح بن المغترف (۱) : غننا يا أبا حسان ، وكان يُحسن النصب ، فقال : ما هذا ؟ فقال عبد الرحمن : ما بأس بهذا ، نلهو به ونقصر عنا ، فعليك بشعر ضرار بن الخطاب ، وضرار رجل من بني محارب بن فهر . وقال : وفي ( القاموس ) : ( نصب العرب : ضرب من مغانيها أرق من الحداء » . فأقول : وفي هذه الأحاديث والآثار دلالة ظاهرة على جواز الغناء بدون آلة في بعض المناسبات ، كالتذكير بالموت ، أو الشوق إلى الأهل والوطن ، أو للترويح عن النفس ، والالتهاء عن وعثاء السفر ومشاقه ، ونحو ذلك ، مما لا يتخذ مهنة ، ولا يُخرج به عن حد الاعتدال ، فلا يقترن به الاضطراب والتثني والضرب بالرجل مما يخل بالمروءة ، يا أُم المؤمنين ! ألا ندعو لهنَّ من يلهيهن ؟ قالت : بلى ، قالت : فأرسلت (۲) إلى فلان المغني ، فأتاهم ، فمرت به عائشة رضي الله عنها في البيت ، فرأته يتغنى ويحرك رأسه طرباً ، أف ! شيطان ، أخرجوه ، أخرجوه » . فأخرجوه . وقد أوردته في ( صحيحالأدب المفرد » برقم ( ٩٤٥ ) محسناً ، ، وصححه الحافظ ابن رجب في « نزهة الأسماع : ماع ) ( ص ٥٥ طيبة ) . وإنما يعرف بأنه يطرب في الحال فيترتم فيها ) . وللشيخ أبي الفرج ابن الجوزي كلام جيد في هذه المسألة ساقه في كتابه تلبيس إبليس ) في أكثر من فصل واحد ، فمن تمام الفائدة أن ألخصه للقراء ، وقد تكلّم الناس في الغناء فأطالوا ، فمنهم من حرمه ، ومنهم من أباحه من غير كراهة ، وفصل الخطاب أن نقول : ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ، ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك ، والغناء يطلق على أشياء : Spure ۱۳۱ منها : غناء الحجيج في الطرقات ، فسماع تلك الأشعار مباح ، وليس إنشادهم إياها مما يطرب ، ويخرج عن الاعتدال . فإنّهم ينشدون أشعاراً يحرضون بها على الغزو. وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخراً عند النزال وفي معناه أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم : وهذا يحرك الإبل والآدمي ، يا أنجشة ! رويدك سوقاً بالقوارير ) (٢) . وفي حديث سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله الله إلى خيبر ، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنياتك ؟ وكان عامر رجلاً شاعراً ، اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فألقين سكينة علينا وثبت الأقدام إذ لاقينا فقال رسول الله ﷺ : قالوا : عامر بن الأكوع ، يرحمه الله ) (1) . وقد روينا عن الشافعي رحمه الله أنه قال : أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به » . انتهى ملخصا وقال الإمام الشاطبي في ( الاعتصام ) ( ١ / ٣٦٨ ) بعد أن أشار إلى حديث أنجشة وهو في صدد الرد على بعض الصوفيين : وهذا حسن ، لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم ، بل كانوا ينشدون الشعر مطلقاً ، ومن غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم ، بل كانوا يرققون الصوت ويخططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى ، فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب يلهي ، وإنما كان لهم شيء من النشاط ، كما كان عبدالله بن رواحة يحدو بين يدي رسول الله الله ، كما كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق : ٣٤ بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا فيجيبهم الله بقوله : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ) . ثم ذكر ابن الجوزي من رواية الخلال - وهذا في « الأمر بالمعروف ) ( ص كان عندنا جارية يتيمة من الأنصار ، فزوجناها رجلاً من الأنصار ، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها ، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة ! إِنَّ الأنصار أناس فيهم غزل ، بالبركة ، أتيناكم أتيناكم