كل حر عاقل بالغ رشيد فإنه ينكر أحقية أن يكون أحد وصياً عليه، فالوصاية سلطة قهرية تفرض على الإنسان، تحول بينه وبين تصرفاته وحقوقه. وبطبيعة الحال فإن مثل هذا المعنى مرفوض عند الناس، ولا يقبل أحد أن يكون ثم وصاية من أي أين المقولة الفاسدة في الموضوع؟ فإشكالية بعض المقولات لا تقتصر على وجود معنى باطل فيها، بل قد تكون في بعض التوظيفات الخاطئة لها. وهذه المقولة هي من جنس تلك المقولات التي جرى استخدامها وتوظيفها في عصرنا في سياقات كثيرة تعود إلى معنى واحد، وهو رفض بعض الحق بدعوى أنه يشتمل على نوع وصاية. والمشكلة هنا في تعدية الوصاية إلى غير مجالها، وهو ما ينكشف سريعاً عند رفض بعض الناس بعض صور التواصي بالحق، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بذريعة ما تتضمنه مثل هذه الأفعال من وصاية. فالشريعة جاءت بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإقامة دين الله ومنع التجاوز على حرماته، وكل مسلم عليه نصيب من هذا الواجب بحسب استطاعته وقدرته وعلمه. فمحرك القيام بهذه الشريعة شعور المسلم بواجبه الشرعي، وانتصابه للقيام بأمر الله تعالى، إضافة إلى دافع أخوي والتواصي معهم على الحق والإيمان، وهو معنى متفق عليه لا يختلف عليه المسلمون في الجملة. الذي حدث في عصرنا أن بعض تطبيقات هذه الشعيرة أصبحت توصف بأنها من وأن من يأمرك بمعروف أو ينهاك عن منكر فإنه يمارس وصايته عليك، الأولى: التضليل من جهة مفهوم الوصاية: فالوصاية أن تمنع الإنسان من تصرفاته المالية والبدنية بلا حق، وليس منها أن تمنعه من الفعل الضار أو تأمره بالفعل الحسن فالأنظمة المعاصرة تفرض قائمة طويلة من الممنوعات، ويرون فيها تحقيقاً لمصلحتهم ودفعاً لما يضرهم، ولم يقل أحد إن هذا من قبيل الوصاية عليهم. كما قال فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدَلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾ [غافر : ٦٢].