تستوجب الضرورة المنهجية على الباحث إتباع منهج علمي معين من بين العديد من المناهج المتباينة، وانطلاقا من اعتبار المنهج الطريقة المتبعة في دراسة وتحليل موضوع معين بشكل مترابط ومنسق وذلك بالاعتماد على أدوات استقصائية تستعمل في استخراج المعلومات من مصادرها الأصلية والثانوية، كما ويعتبر في سياق آخر أسلوب للتفكير والعمل يتم اعتماده لتنظيم الأفكار لبلوغ الحقائق حول ظاهرة معينة. • كونه الطريق الآمن في الوصول إلى العلم الصحيح ويتم اعتماد منهج معين من أول البحث بداية من الجانب النظري وليس كالأداة (الوسيلة) التي يم اعتمادها انطلاقا من الجانب الميداني؛ • كونه في أبسط معانيه يمثل استراتيجية تم تطويرها ثم تبنيها من قبل العلماء والمفكرين في عملية جمع المعلومات والشواهد والأدلة من الواقع حول موضوع معين تعتبر بمثابة مداخل عامة يستعين بها الباحث في رؤية الواقع الاجتماعي من زوايا مختلفة فهو بذلك أكبر من مجرد أداة أو وسيلة هذه الأخيرة يتم تحديدها بعده بمعنى تحديد المنهج يسبق تحديد الوسيلة أو الأداة التي تم بها جمع البيانات؛ • كونه يتيح للباحث التعرف على الخبرات السابقة في مجاله لاستثمارها في بحثه، استعانة بمن سبقه من الباحثين والعلماء ليفي بحثه بالغرض المطلوب. هناك تصنيفات عديدة للمناهج فهناك من يصنفها إلى مناهج فلسفية ومناهج تفسيرية، وهناك تصنيفا لمناهج تلقائية وأخرى تأملية ومناهج علمية، وهناك من يصنفها إلى مناهج استنباطية أو قياسية (نمط التفكير فيه يكون من الكل إلى الجزء أو من العام إلى الخاص أي من المقدمات إلى النتائج) ومناهج استقرائية (عكس الاستنباطية). وسنكتفي في هذا المقام بعرض المناهج في علم الاجتماع حسب التصنيف الأكثر شيوعا من حيث الاستخدام والتداول وفق المنوال التالي: ولكي نستعيد التاريخ هناك منهج خاص بذلك وهو المنهج التاريخي والذي يعمل هذا المنهج على استرداد واسترجاع الماضي بمنافعه وأضراره وبانتصاراته وانتكاساته وذلك على أساس دراسة أحداث الماضي وتفسيرها وتحليلها بهدف التوصل إلى قوانين عامة تساعدنا على تحليل أوضاع الحاضر والتنبؤ بالمستقبل وهو ما يمثل في ميزان البحث العلمي قيمة من قيم العلم حيث يشكل بعدا مركزيا في هوية الظواهر، والوقوف على عوامل تغيرها وانتقالها من حال إلى حال. وبناء على كل ما سبق فإن عملية الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها بحسب هذا المنهج تبدو مستحيلة وذلك لارتباط الظواهر التاريخية بمعطيات زمنية وبيئية يصعب تكرارها على غرار أن الدراسات التاريخية موضع تعديل مستمر، ✓ منهج المسح الاجتماعي: يعتبر منهج المسح الاجتماعي من أشهر مناهج البحث وأكثرها استخداماً في الدراسات الوصفية خاصة وأنه يوفر الكثير من البيانات والمعلومات عن موضوع الدراسة. ويعتبر المسح أكثر طرق البحث الاجتماعي استعمالاً، ذلك لأننا بواسطته نجمع وقائع ومعلومات موضوعية عن ظاهرة معينة أو حادثة مخصصة أو جماعة من الجماعات أو ناحية من النواحي: صحية، ويعرف المسح بأنه عبارة عن دراسة عامة لظاهرة موجودة في جماعة معينة وفي مكان معين وفي الوقت الحاضر، وفي المسح الاجتماعي يتم جمع بيانات مقننة من مجتمع البحث، ويعد الاستبيان والمقابلات المقننة أكثر الأساليب استخداماً في تنفيذ المسوح الاجتماعية. ويتمثل الغرض الرئيسي من إجراء المسح في إنتاج بيانات تشكل أساساً للتعميم حول مجتمع المسح أو الجماعات المستهدفة النتائج للاستفادة منها في وضع الخطط والبرامج لإجراء الإصلاح الاجتماعي. والمسوح الاجتماعية نوعين رئيسيين، هما: المسح الشامل حيث تجمع معلومات شاملة حول جوانب الظاهرة المدروسة من جميع وحدات البحث سواء أكانت أفرادا أو جماعات. أي يمكن تعميمها على جميع وحدات مجتمع الدراسة. ولدراسات المسح الاجتماعي ميزة أساسية، كونها تمثل أسلوباً ناجحاً في دراسة الظواهر والأحداث الاجتماعية والمشكلات الاجتماعية التي يمكن جمع معلومات وبيانات نوعية وكمية عنها، وذلك لأن الباحث يعد مسبقاً أدوات بحثه كالاستبيان مثلاً قبل أن يبدأ عملية المسح، غير أن هذا النقد يمكن أن تقل أهميته كثيراً أذا كان الباحث قد أعد استبيانه بعد فترة كافية من الدراسة الاستطلاعية والملاحظة، ومن عيوب المسح الاجتماعي أيضاً الخطأ الذي يقع فيه الباحث أثناء اختيار العينة، ناهيك على خطأ التحيز في الاستبيان سواء كان من قبل الباحث أو المبحوث. ✓ المنهج المقارن: يركز هذا المنهج على مقارنة جوانب التشابه والاختلاف بين الظواهر الاجتماعية لغرض اكتشاف أي العوامل أو الظروف التي تصاحب حدوث ظاهرة اجتماعية أو ممارسة معينة، ويخضع التحليل المقارن إلى أربع حالات من المقارنة وهي كما يلي: مقارنة علاقة عدة متغيرات في مجتمع واحد؛ مقارنة علاقة عدة متغيرات في مجتمعات متباينة. غير أن بحوث المقارنة تمتاز عن البحوث غير المقارنة في عدة جوانب من بينها أن البحوث المقارنة تؤدي إلى زيادة قدرة الباحث على تقديم تفسيرات أكثر قوة للظاهرة المدروسة بالاستعانة بالعوامل والجوانب الثقافية والاجتماعية الخاصة بكل مجتمع مدروس ، إذ أن هذه التفسيرات تستند إلى أدلة تجمع من مجتمعين فأكثر وليس من مجتمع واحد، كما وتؤدي البحوث المقارنة إلى تدعيم قدرة الباحث على زيادة المتغيرات المدروسة التي يشملها تصميم البحث باستخدام مؤشرات متنوعة مستمدة من أكثر من مجتمع من جهة أخرى. فقد تحدث ظاهرة ما نتيجة لسبب ما في ظرف معين وقد تحدث نفس نتيجة لسبب آخر يختلف عن السبب الأول في ظرف آخر. كما يستحيل في بعض الأحيان ضبط المتغيرات المختلفة في حالة المنهج المقارن. على غرار أنه من الصعب فصل دراسة الظاهرة الاجتماعية بمعزل عن محيطها الاجتماعي الذي نشأت فيه، بيد أن منهج المقارنة يقوم على معالجة الظواهر التي يصعب معالجتها بالبحوث التجريبية. ✓ منهج دراسة الحالة: يختلف علماء المناهج في تحديد دراسة الحالة، هل هي منهج ضمن مناهج البحث أو يمكن اعتبارها إحدى أدوات جمع البيانات. وحسب قاموس علم الاجتماع فإن دراسة الحالة منهج في البحث وضعه الباحث الاجتماعي فايرشايلد Fairchild والذي يمكن عن طريقه جمع البيانات ودراستها، بحيث يمكن رسم صورة كلية لوحدة معينة في علاقاتها المتنوعة وأوضاعها الثقافية. ودراسة الحالة هي الدراسة التي تهتم بحالة فرد أو جماعة (كالأسرة مثلا) يصعب على الباحث استخدام المناهج الأخرى من أجل جمع معلومات عن أفراد مجتمع الدراسة بأسلوب معمق. ولا يؤخذ بهذه الطريقة في جميع تخصصات علم الاجتماع . بينما علم السكان أو علم الاجتماع الحضري لا يأخذان به. وكما يمكن الجمع بين الدراسة الكمية والكيفية في هذا المنهج. أو أسلوباً من أساليب البحث الوصفي، وإذا كان موضوع الدراسة منصباً على المؤسسات الاجتماعية، فإن كل مؤسسة اجتماعية تعتبر بمثابة حالة، ويعتقد بعض العلماء في البحث الاجتماعي بأن منهج دراسة الحالة قد يدرس مرحلة معينة من تاريخ الوحدة أو يدرس جميع المراحل التي مرت بها للوصول إلى التعميمات العلمية المتعلقة بالوحدة المدروسة وبغيرها من الوحدات المشابهة لها. ​​ومن أدوات هذا المنهج أو إجراءاته كما هو الحال في مناهج البحث الأخرى، هذه الإجراءات هي متطلبات أو تقنيات دراسة الحالة. لكل فرد في الفريق دور يقوم به ويجمع من خلال هذا الدور بيانات عن الحالة. وتتم مناقشة البيانات الواردة من كل عضو في الفريق في اجتماع ويخرج هذا المؤتمر(مؤتمر الحالة) بتوصيات حول الحالة من حيث إجراء المزيد من البحث أو السير في تنفيذ الخطة العلاجية. - تحديد مشكلة الدراسة أو نوع السلوك المطلوب دراسته. - جمع البيانات وتسجيلها وتحليلها؛ أما الأهداف غير المباشرة لمنهج دراسة الحالة فتتمثل في التعرف على السمات المشتركة لبعض المشكلات النوعية في مجالات خدمة الفرد واختيار وانتقاء الفروق بعد دراسة عدد معين من وتعديلها أو تدعيمها وفقاً لنتائج الاختبارات. ​وتجدر الإشارة إلى أن هذا المنهج يمتاز عن غيره من المناهج بالعمق والتركيز على ظاهرة أو موضوع محدد وعدم الاكتفاء بالوصف الخارجي للحالة موضوع الاهتمام حيث يهتم بالموقف الكلي من خلال تحليل مختلف العوامل المؤثرة في الحال. فكل حالة تختلف عن غيرها من الحالات حتى وإن بدت مشابهة نسبيا وذلك بسبب التغير المستمر للظروف البيئية المحيطة بالحالة بالإضافة إلى إمكانية التحيز من قبل الباحث في عرض نتائج دراسة الحالة الأمر أو المبحوث (كأن يندفع إلى المبالغة والتركيز على الجوانب التي تدعم موقفه ويتجنب الجوانب التي تتناقض معه) الأمر الذي من شأنه أن يهدد درجة المصداقية على النتائج المتوصل إليها كما ويعاني هذا المنهج من صعوبات ترتبط بإمكانية ضعف تمثيل العينة لمجتمع الدراسة الأمر الذي ينجر عنه صعوبات كبيرة عند محاولة التعميم. لا يختص بها منهج دراسة الحالة من دون مناهج البحث الاجتماعي الأخرى، رغم ذلك فقد أثبتت دراسة الحالة في الوقت الحاضر فعاليتها وقيمتها في مجالات متعددة كالتعليم ومهنة العمل الاجتماعي. وهذا ما يجعل من دراسة الحالة مدخل ينظر إلى أي وحدة اجتماعية نظرة كلية شاملة تستوعب تطور هذه الوحدة ونموها، إلا أن هناك شبه إجماع على تعريف كل من برنارد بيرلسون Bernard Berelson وأولي هولستي Ole Holsti حيث أن الأول يعرف تحليل المضمون بأنه، و الثاني يعرفه بأنه وسيلة للقيام باستنتاجات عن طريق التحديد المنظم والموضوعي لسمات معينة في الرسائل الاتصالية . يتسم أسلوب تحليل المضمون بالموضوعية والتي تعد سمة مميزة للبحث العلمي ذاته، متمثلة في اختيار عينة عشوائية إلى جانب الالتزام بمستوى أو وحدة التحليل المناسبة، وهناك مراجع عديدة في المنهجية تعتبر تحليل المضمون وسيلة من وسائل جمع البيانات، كما يمكن لتحليل المحتوى أن يستخدم في دراسات علم الإعلام لوصف المحتوى الظاهر والمضمون الصريح للمادة الإعلامية المراد تحليلها من حيث الشكل والمضمون. ويستخدم أيضاً في الدراسات التربوية والنفسية والسياسية أكثر مما يستخدم في الدراسات الاجتماعية، لأن الدراسات الاجتماعية تعتمد على منهج المسح الميداني والمنهج المقارن ومنهج الملاحظة والملاحظة بالمشاركة أكثر مما تعتمد على منهج تحليل المضمون. لذا يضطر الباحث الاجتماعي في مثل هذه الحالات استخدام الوثائق والسجلات والمستندات والمذكرات والمقالات والصحف وغيرها من أجل التوصل إلى الحقائق والبيانات عن موضوع البحث المزمع إجراؤه. وهناك عدة أسباب تجعل الباحثين في مجال علم الاجتماع يستخدمون أسلوب تحليل المضمون، - تحليل النص للوصول إلى الاستنتاجات عن المرسل من ناحية، وذلك للكشف عن الاتجاهات والاهتمامات والقيم السائدة في الجماعات المختلفة، - يستخدم تحليل المضمون في الدراسات المتعلقة بالرأي العام بهدف التعرف على المشاكل التي تحظى باهتماماته واتجاهاته وردود أفعاله تجاه قضايا معينة، على الباحث آن يقرر المجتمع الذي يدرسه والعينة التي يختارها؛ على الباحث أن يقرر كيفية معالجة بيانات إحصائية لاستخلاص النتائج. ويختلف مجتمع أو وحدة الدراسة في تحليل المضمون باختلاف أهداف البحث نفسه، فإن مجتمع البحث هو جميع أعداد الصحيفة الصادرة خلال الفترة التي يغطيها البحث. وقد تتأثر عملية تحديد وحدة البحث بعدة عوامل مثل استمرارية أو انقطاع الجرائد والمجلات لفترة زمنية معينة، ومن الطبيعي أن يكون مجتمع البحث واسعاً في بعض الأحيان قلما يستطيع الباحث أن يدرسها بدراسة شاملة، وعليه أن يلجأ إلى اختيار عينة ممثلة لمجتمع الدراسة أو البحث. ومن أكثر أنماط العينات المستخدمة في دراسات تحليل المضمون عموماً العينة المتعددة المراحل أو عينة التجمعات، فالعينة المختارة في الدراسات التي تستخدم أسلوب تحليل المضمون كأداة لجمع البيانات قد تشمل الكلمات، كما ويمتاز أسلوب تحليل المضمون بعدد من المزايا يمكن تعداد بعضها انطلاقا من أن الاتصال المباشر بالمصادر البشرية يمكن أن يقلل من احتمال التدخل ذاتي حيث لا يؤثر الباحث في المعلومات التي يقوم بتحليلها فتبقى كما هي قبل وبعد إجراء الدراسة، مع إمكانية إعادة إجراء الدراسة مرة ثانية ومقارنة النتائج مع المرة الأولى لنفس الظاهرة أو مع نتائج دراسة ظواهر وحالات أخرى. إذا نجح في اختيار عينة ممثلة عن الوثائق وإذا استخدم المنهج العلمي في نقدها قبل دراستها وتحليلها. ✓ المنهج الكمي: حيث يستخدم المنهج الكمي في إنتاج بيانات عددية أو إحصائية، ولغرض التحكم في الظاهرة المدروسة يجري فيه الاعتماد على تجزئتها واعتماد النظرة التجزيئية بدلا من النظرة الكلية ما ويتم الاعتماد فيه على التحقق الميداني من قبول الفرض أو نقضه ونفيه عبر جميع البيانات الموضوعية للوصول إلى النتائج وذلك باستخدام الوسائل الإحصائية المناسبة. وأكثر ما يشاع عن البحوث ذات المناهج الكمية أنها متحررة من كل ما هو داخلي وتعتمد على كل ما هو خارجي قابل للملاحظة. ✓ المنهج الكيفي: مصطلح البحوث الكيفية مصطلح شامل يحتوي على أنماط مختلفة من البحوث في علم الاجتماع منها البحوث الاثنوغرافية، ولا يتعامل البحث الكيفي على أن الحقائق ثابتة بقدر ما يتعامل معها كحقائق دينامية متفاعلة ومتغيرة ومتحولة. وتتحكم خطوات البحث فيها بعقل الباحث، التخلي عن تكوين الفرضيات مسبقاً؛ التركيز على البحث الميداني الاستطلاعي.  البحث بوصفه متفاعلاً: إذا كانت مناهج البحث الكمي تؤكد على المسافة بين الباحث والمبحوث في عملية البحث، وبين الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافة معينة.  الطابع الديناميكي بين البحث والموضوع: إن فهم البحث عملية تفاعل واتصال بين الباحث والمبحوث، أي إن هذه الديناميكية هي ما تميز البحث وموضوع البحث.  التأمل النقدي للموضوع والتحليل: يتميز البحث الاجتماعي الكيفي بالتفكير النقدي بالموضوع، أو تأمل موضوع البحث وعملية البحث. يقوم على التصور النظري لمجال الموضوع ذاته. بخلاف منهج البحث الكمي الذي يغلب عليه الطابع الآلي التقني. وبالرغم من الاختلاف الموجود بين المنهج الكمي والكيفي إلا أنهما يكملان بعضهما البعض (يتم استدراك عيوب كليهما بالتكامل بينهما)، كما نقل كل من "ستراوش وكويون وبانون" حيث يوجد تداخل شديد في استخدام المناهج الكمية والكيفية، ما دام علماء الاجتماع يسعون إلى الحصول على كلا النوعين من البيانات. ويستخدم عدد كبير من علماء الاجتماع- وربما معظمهم- هذين النوعين لاستكمال البيانات،