فإن العيش دون إنترنت سيكون رحلة استكشافية شاقة وممتعة في آن واحد نحو أعماق الذات، حيث سأضطر أولاً لمواجهة ذلك القلق البدائي الناجم عن العزلة المعلوماتية المفاجئة، وهو شعور يشبه الفطام عن عالم من الضجيج الذي اعتدنا عليه حتى صار جزءاً من أنفاسنا، فالصباح الذي يبدأ دون تفقد البريد أو تصفح العناوين سيكون صباحاً طويلاً وهادئاً بشكل مرعب في البداية، لكنه سرعان ما سيتحول إلى مساحة زمنية نقية أستعيد فيها ملكية ذهني وقدرتي على التركيز دون تشتت، سأعود لمسك القلم والورقة لأدون أفكاري بدلاً من رقنها على لوحة مفاتيح صامتة، وسأكتشف أن حواسي أصبحت أكثر حدة عندما توقفت عن رؤية العالم من خلال شاشات الكريستال السائل، العيش دون إنترنت يعني أنني سأستعيد قيمة "الانتظار"، تلك القيمة التي انقرضت في عصر السرعة، وأنتظر صديقي في الموعد دون أن أرسل له "أين أنت؟"، وأنتظر رسالة ورقية قد تستغرق أياماً لتصل، وهذا الانتظار سيعلمني الصبر والتأمل ويمنح الأشياء قيمة أكبر حين تتحقق، كما سأضطر لاستخدام ذاكرتي كأرشيف حي بدلاً من الاتكال على محركات البحث، وسأبذل جهداً في البحث عن المعلومة في بطون الكتب والموسوعات، مما سيجعل المعرفة التي أحصل عليها راسخة لا تُنسى، وعلى الصعيد الاجتماعي، سأنظر في أعين الناس وأنا أتحدث إليهم دون أن تسرقني نظرة خاطفة لهاتفي، وسأبني علاقات قوامها الحضور الجسدي والذهني الكامل، حيث يكون الصمت بيننا صمتاً مريحاً لا يحتاج لملئه بهروب رقمي، سأستمتع بتناول وجبتي ساخنة دون أن أفكر في تصويرها، وسأشاهد الغروب بقلبي لا بعدستي، وسأدرك أن الخصوصية هي أثمن ما نملك حين تتوقف حياتنا عن كونها عرضاً مستمراً للآخرين، العيش دون إنترنت سيجعلني أكتشف مواهبي المدفونة، وسأقوم بإصلاح الأشياء بيدي، وسأقضي وقتاً أطول في الطبيعة أراقب تفاصيل الشجر وحركة الغيوم دون الحاجة لمشاركة ذلك مع "متابعين" افتراضيين، سأتحرر من ضغط "الإعجابات" والمقارنات الزائفة التي تسمم الروح، وسأعيش حياتي وفق إيقاعي الخاص لا وفق خوارزميات صممت لتتحكم في اهتماماتي، ورغم أنني قد أفتقد سهولة التواصل مع البعيد، إلا أنني سأكسب عمق التواصل مع القريب ومع نفسي أولاً، سأتعلم كيف أملأ فراغي بالخيال لا بالاستهلاك، وكيف أصنع بهجتي من تفاصيل بسيطة مثل فنجان قهوة أو حديث عابر مع جار، إن العيش دون إنترنت هو العودة إلى السيادة الكاملة على الوقت والانتباه، وهو إدراك حقيقي بأن الحياة الحقيقية تقع خارج إطار الشاشة، وأن السعادة تكمن في الأشياء التي نختبرها بحواسنا الخمس، بعيداً عن وهم العالم الافتراضي الذي كاد أن ينسينا طعم الواقع، سأكون حينها إنساناً أكثر حضوراً، وأكثر تصالحاً مع هذا الكون الفسيح بجماله الملموس وتفاصيله الحية التي لا تحتاج لـ "رابط" لتصل إلينا، بل تحتاج لقلب مفتوح وعقل متيقظ يدرك أن الوجود الحقيقي هو ما نعيشه هنا والآن، بعيداً عن قيود الشبكة العنكبوتية التي أحاطت بنا من كل جانب، لتتركنا في النهاية وجهاً لوجه مع حقيقتنا الإنسانية الجميلة والمجردة من كل إضافة تقنية.