أسباب نهضة الشعر في العصر العباسي : النهضة الثقافية و الفكرية ، فقد أسهم التطور الفكري و الثقافي في إمداد الشعراء بمعان جديدة و تفتيق أذهاهم على صور و تشبيهات مُستقاة من الحوارات العلمية و الثقافية ، انواع كل عصر يتأثرون ببيئتهم و يستقون منها معانيهم و أخيلتهم ، فكما كانت الصحراء مُثار خيال الشاعر الجاهلي فكانت معانيه في أغلبها معان حسية ، فقد شاع في هذا العصر وصف القصور و الموائد و المأكل و المشارب . وابتعدوا عن الغريب و المهجور . كما نما نتيجة لهذا الترف شعر الغزل و المحون و نما كذلك شعر الزهد كاتجاه مضاد للمجون و التهتك . كما أدّى إلى ظهور المفردات الفارسية في الشعر العباسي نتيجة للامتزاج القوي فيما بين العنصرين العربي و الفارسي . فصار الشعراء محاسبون على النواحي الجمالية و الهفوات الفنية من قبل النقاد . فلم يعد النقد فطريّا انطباعيًا كما كان في العصر الجاهلي . فقد صار النقد منهجيا له أصوله و قواعده . ب - مظاهر تطور الشعر في العصر العباسي الأول : أولا : في الأغراض و الفنون : أغراض الشعر في العصر العباسي هي امتداد للأغراض الشعرية في العصور السابقة ، فكل عصر يُضيف للعصر السابق عليه غالبا . و لكنه في العصر العباسي اشتق لنفسه مضامين جديدة إلى جانب مضامينه المعروفة سابقا ، فقد برز الإلحاح في هذا العصر على المعاني الإسلامية خاصة في مدح الخلفاء و الوزراء على نحو لم يُعهد من قبل . - الهجاء : انقسم الهجاء في العصر العباسي إلى قسمين : هجاء سياسي وهجاء شخصي ، و من الهجاء الشخصي قول ابن الرومي في هجاء بخيل اسمه عيسى : يُقر عيسى على نفسه وليس باق و لا خالد فلو استطاع لتقتيره تنّفس من منخر واحدِ و من الهجاء السياسي قول دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم و الواثق : خليفة مات لم يُحزن له أحد وآخر قام لم يفرح به أحد فَمَرَ هَذا وَمَرَ السُوْمُ يَتَبَعَهُ وَقامَ هَذا فَقام الشومُ وَالتَحَةً و هكذا فقد اتجه الهجاء الشخصي نحو السخرية و رسم الصور الهزلية المضحكة . أمّا الهجاء السياسي فقد اتجه نحو التركيز على الانحراف الديني و نسب الشذوذ و الزندقة للمهجرين . و من ذلك قول الشاعر إنما البصرة أشجا ر ونخل وسماد ليس في البصرة حر لا ولا فيها جواد . - الرثاء : أثرت الحضارة في شعر الرثاء فبعد أن كان الشعراء العرب ينظمون في البحور الطويلة صار شعراء العصر العباسي ينظمون في البحور الخفيفة . وكان أول خليفة بكاه الشعراء في هذا العصر أبو العباس السفاح . الغزل : فن الغزل من الفنون المعروفة منذ العصر الجاهلي ، وقد تميز من بداياته بسيره في اتجاهين أساسيين : ( غزل حسي عابث ، و غزل عفيف ) . وقد أدّت طبيعة الحياة في العصر العباسي إلى ازدهار فن الغزل ، بالإضافة إلى تطور الحياة الحضارية و تعدد الملاهي ، وذيوع المذاهب والآراء الإباحية التي نشرها الموالي . يقول حماد متغزلاً : إني لأهوى جوهراً ويح ب قلبي قلبها وأحب من حبي لها م ن ودها وأحبها وأحب جارية لها تخفي وتكتم ذنبها أمّا اللون الجديد الذي ظهر في الشعر العباسي فهو الغزل بالغلمان أو الغزل بالمذكر . و أبو نواس يُغالط مغالطة فادحة لتبرير محونه و ميله الشاذ قائلاً : بذا أوصى كتاب الله فينا بتفضيل البنين على البنات . و الشعر العربي زاخر بالوصف المتنوع المأخوذ من البيئة ، ابتداء من عصر ما قبل الإسلام ، و في العصر العباسي و نظرا للتطور الحضاري و النمو الاقتصادي فقد اتسع محال الوصف و تنامي ، وظهر بذلك اتجاهين في الوصف : الاتجاه القدم الذي امتدت له يد الحضارة بالتهذيب والتطوير . و وصفوا الخمرة وأدواتهما وسقاهما ، وهو فن نشاً في العصر الجاهلي و ترعرع و نما في العصر العباسي . ويُعدّ أبو نواس أكبر شعراء الطرديات في الشعر العربي ، وأكثر طرديات أبي نواس تدور حول صيد الكلاب ، ويقبحون في الغالب كلاب الصيد ، وتصور الطرديات الكلب تصويراً قوياً ، وأبو نواس حين يصور الكلب يبين لنا شذة عناية صاحيه به ، فهو يبت إلى جانبه ، وهو يصف الكلب بأنه واسع الشدقين ، يقول : ألعت كلياً ليس بالمسبوق مُطهمّا يجرى على العَرُوق جاءت به الأملاك من سلوق كأنه في المقود المُشوق ولأبي نواس نحو خمسين طردية تتميز جميعها بالجودة . على بن الجهم ولابن الرومي كذلك الكثير من الطرديات . * الخمريات : فن أدبي ليس بجديدِ على العصر العباسي ، وإنما هو قلم ابتدأ به قبل الإسلام ، ولذا قلت معاقر تما إلا من نفر قليل ، أول شاعر خصص الخمرة يشعره هو أبو الهندي غالب بن عبدالقدوس ، فهاهو يقول إن أبطأ عن شربها مدّة : أديرا على الكأس إني فقدتها كما فقد المفطوم در المراضع و لقد استقى أبو نواس كثيراً من المعاني في وصف الخمرة من أبي الهندي ، الحكمة : أثرت حركة الترجمة الواسعة في شعر الحكمة ، فنجد أن شعراء بن العباس استوعبوا حكم اليونان و الفرس وحكم كليلة ودمنة الهندية التي ترجمت للفارسية ثم نقلها ابن المقفع إلى العربية فتمثلوا كل ذلك شعراً ، وما كادوا يقعون على كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير اللذين نقل فيهما ابن المقفع تحارب الفرس وحكمهم ووصاياهم في الصداقة والمشورة و آداب السلوك حتى أخذوا يفردون المقطعات في تصويرها شعراً ، يقول بشار بن برد في إحدى مدائحه : إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي ن صيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً مكان الحوافي نافع للق و ادم ويقال : إنه كان في ديوان صالح بن عبد القدوس ألف مثل للعجم . فزهير بن أبي سلمي ضمن معلقته شذرات من تجربته تخدم غرض القصيدة . و تميّز شعر الحكمة العباسي بإفراد قصائد أو مقطوعات كاملة للحكمة ، ينتقل الشاعر فيها من عرش الشاعر العفوي إلى كرسي الناظم المعلم ، من ذلك قصيدة ( ذات الأمثال ) لأبي العتاهية التي جمع فيها كثيراً من الأمثال البليغة ذكر صاحب الأغاني أنها تبلغ نحو أربعة آلاف مَتَل ومن الشعراء الذين أفردوا للحكمة قصائد كاملة صالح بن عبد القدوس : المرء يجمع و الزمان يفرق ويظل يرقع و الخطوب تمزق ولأن يعادي عاقلا خير له من أن يكون له صديق أحمق فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا إن الصديق علي الصديق مصدق وزن الكلام إذا نطقت فإنما يبدي عيوب - الزهد و التصوف : الزهد ليس ظاهرة جديدة على العصر العباسي ، ثم العصر الأموي الذي برز فيه الكثير من القصاص والوعاظ الذين في أشعارهم بوادر للزهد وقطع الأسباب المتصلة بالقلوب . في العصر العباسي أصبح الشعر الذي ينظم فناً بذاته ، ومن النساء المشهورات ارادة والصوم والاستغراق في الذات العلية رابعة العدوية و قد نادت بالحب الإلهي و من شعرها : أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهلاً لذاكا فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا من شعر الزهد الإسلامي المتضمن لتعاليم الدين دون غلو فيتجلى في شعر أبي العتاهية . و لأبي نواس شاعر الماجن أبياتا في الزهد تعد من روائع الزهديات ، فمنهم مَن رأى أن الشاعر تيقظ من غفلته و تاب إلى الله . و منهم من يرى أنه لم ينشدها إلا لينافس أبا العتاهية شاعر الزهد الأول . يقول أبو نواس : يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك رب كما أمرت تضرعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك إلا مُحسن فبمن يلوذ و يستجير المحرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا و جميل ظني ، ثم إني مسلم - النظم التعليمي : و هو فن أدبي جديد اقتحمه الشعراء العباسيون ، ويتميز بطول النفس الشعري ، أولها : هذا كتاب الصوم وهو جامع لكل ما قامت به الشرائع من ذلك المترل في القرآن فضلاً على من كان ذا بيان ومنه ماجاء عن النبي من عهده المتبع المرضى وقد نظم في في علم الحيوان ، ثانيا : في المعاني والأفكار : ضحت العقول في هذا العصر فلم تعد تقنع بالمعان السطحية ، فاتسمت المعاي بالسمات التالية : ا دقة الأفكار وحدة المعاني . 1 دقة الأفكار وجدة المعاي : تفنن الشعراء في تعميق المعاني ، ومن ذلك قول ابن الرومي في الغزل : ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت وقع السهام ونزعهن أليم وقول مسلم بن الوليد في الرثاء : أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه فطيب تراب القبر دل على القبر ومن أبدع ما قيل في تعميق المعاني قول أبو نواس في وصف الأقداح : تدار علينا الراح في عسجدية حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارها كسرى وفي جنباتها مها تدريها بالقسي الفوارس فللخمر ما زرت عليه جيوما وللماء ما دارت عليه القلانس يقول الجاحظ : ما زال الشعراء يتناقلون المعاني قديما وحديثا إلا هذا المعنى ، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه . شرح أبيات أبي نواس : العسجدية : كأس مصنوعة من العسجد وهو الذهب . وقوله : قرارها كسرى نصبه على الظرف ، وصور فرسان بأيديهم قس يرمون تلك المها . وهو معنى قوله تدريها بالقسي الفوارس . - سعة الخيال : من أبرز سمات العصر العباسي الإغراب في الخيال ، من ذلك قول بشار في وصف المعركة : كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل ماوي كواكبه ٣ - الأدلة المنطقية : كثر في شعر هذا العصر الإتيان بالأبيات القائمة على التحليل والتعليل والاستدلال بتأثير ثقافتهم الواسعة ، مثل قول أبي تمام في الحسد : اصبر على كيد الحسو د فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله وقوله : لا تنكري عطل الكريم عن الغي فالسيل حرب للمكان العالي 4 - المبالغة : المبالغة في الشعر ليست بجديدة ، وإنما الجديد هو الغلو والتهويل وهذا معروف عن الفرس أي ولعهم بالمبالغة والغلو ، ومن هنا انتقلت الظاهرة إلى الشعر العربي ، كقول ابن الرومي في الهجاء : يُقر عيسى على نفسه وليس بباق ولا خالدِ فلو يستطيع لتقتيره تنفس من منخر واحد وقوله في الغزل : خطرات النسيم بحرح خديه ولمس الحرير يدمي بنانه - المحسنات المعنوية : ( حسن التعليل ، التوجيه ) شغف الشعراء بألوان البديع وغالوا فيها فمنهم من سائر الطبعة فأبدع ومنهم من تكلف فتخلف ، ومن أبرز هذه المحسنات : حسن التعليل : تجاهل العلة الحقيقة والإتيان بعلة أدبية طريفة تناسب المقام ، مثل قول ابن الرومي : لا تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يُبكيه منها وإنما لأوسع مما كان فيه وأرغد ب الطباق والمقابلة : الطباق : هو الجمع بين الشيء وضده في الجملة . مثل قول دعبل الخزاعي : لا تعجي ياسلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى أما المقابلة : فهي طباق مركب الطرفين ، مثل قول أبي تمام أبقيت جد بني الإسلام في صعد والمشركين ودار الشرك في صبب ج - التوجيه : هو إيراد الكلام محتملا معنيين على طرف المساواة ، مثل قول بشار في خياط أعور : خاط لي عمرو قباء ليت عينيه سواء قلت شعرا ليس يُدرّى أمديح أم هجاء ؟ ! ثالثا : في الألفاظ والأساليب : عاش العرب في الأقاليم المفتوحة تنوشهم سهام العجمه من كل جانب ، ولكن رغم كل ذلك فقد : ١ - تسربت العديد من الألفاظ والتراكيب الأعجمية إلى اللغة وظهر بعضا منها في الشعر . ومثل : أسلوب الإطناب الذي أخذ عن الفرس . ۲ - ظهور الألفاظ العلمية في الشعر وتسربها إلى لغة الشعر ، يقول الحريمي : إذا ما مات بعضك فبك بعضا فإن البعض من بعض قريب العاشق . واستدرك الأخفش بحرا واحدا سمي المتدارك ، فلما أقبل العصر العباسي وتطورت الأذواق ة لتطور الأنغام ، فوزن البحر الطويل يقوم على ( فعولن مفاعيلن ) ويصبح وزن البحر المستطيل عكسه ( مفاعيلن فعولن ) وهكذا . ب - لجئوا لأوزان جديدة وهي سبعة أوزان هي : السلسلة والدوبيت والقوما والموشح والزجل والكان كان والمواليه . - أما القافية فقد استحدثوا فيها الشعر المزدوج والمسمط : أ - الشعر المزدوج : وهو متفق عروضه وضربه في القافية ، والقافية تختلف من بيت لبيت ، مثل : إن لقي اغترار بالليل والنهار حتى متى التوان ونحن في تفان وكان للشعر التعليمي أكبر الأثر في ازدهار هذا اللون .