لقد جرت العادة قبل شروع المرء في أي نشاط واتخاذ الموقف الذي يناسبه أن يستعد له ذهنيا حتى يضمن النجاح فيه لاحقا : فعند جلوسه أمام مقود السيارة، فهو مطالب بالحذر قبل الانطلاق ؛ كما يعتبر التركيز ضروري بالنسبة إلى الطالب أمام ورقة الامتحان.بالمثل يتطلب النشاط العلمي هو الآخر تحضيرا ذهنيا، ذلك لأنه لا يمكن اعتبار العلم مجرد مجموعة من المعارف التي ينبغي تعلمها، نشاط منتج للمعرفة عن طريق البحوث والدراسات. إن الموقف والاستعدادات الذهنية الخاصة بهذا النشاط، والتي ينبغي أن يتميز بها كل باحث علمي، إذا كان هناك ما يسمى بالروح الرياضية التي تتميز بها النشاطات البدنية والرياضية عموما، هناك أيضا الروح العلمية التي ينبغي أن تتشبع بها نشاطات البحث.فالملاحظة والمساءلة والاستدلال والمنهج والتفتح الذهني والموضوعية وغيرها من الخصائص الأخرى التي تتميز بها الروح العلمية ( أنظر الشكل (1) تكون في مجموعها تلك المكاسب التي تسمح بممارسة البحث العلمي بنجاح.ما هو الدافع إلى الملاحظة ؟ ما الذي يغذيها ؟ إنها، بل هي مرادفة للرغبة الإيجابية في الاطلاع والتي يشعر بها كل شخص ولكن بدرجات متفاوتة. ثم تأتي بعد ذلك العناية والاهتمام اللذين يحملهما المرء تجاه الكائنات والأشياء التي تحيط به، وبهذا المعنى فإن الروح الملاحظة هي روح فضولية.يظهر الاستعداد الذهني للروح العلمية من خلال الميل نحو الاهتمام بكل ما يحيط بنا : إنه الميل الأكثر شيوعا من الذي لم يسبق له أن جلس في إحدى زوايا الشارع المكتظ بالباعة والزبائن، أو في بهو إحدى : المقاهي أو في أحد المراصد المنعزلة في إحدى الغابات وهو منشغل بملاحظة شيء ما ؟ إن هذا الموقف لهو في الحقيقة دليل على وجود رغبة في الكشف عما تخفيه المظاهر الخارجية، وبالتالي فحص هذا العالم الذي لا تكون منه في الواقع سوى جزءا من الحقيقة. إن هذا الاهتمام الموجه نحو الأشخاص والأشياء، ما هو إلا خطوة أولى من جهد يحاول فهم محيطنا للوصول إلى الفهم، باكتشاف وفهم بعض جوانب الظواهر التي مازالت إلى حد الآن مبهمة،تنمي الروح العلمية الميل نحو الملاحظة التي لا تتوقف عند مجرد اختبار الرؤية البسيطة للكائنات والأشياء. وقد قسم Sele (1973 ) هذا الميل إلى ثلاث مراحل مختلفة وهي : كوني ألاحظ معناه أنني أشاهد أو أعاين، أي أنني أرى شيئا أو شخصا ما موجود أمام بصري ؛ ثم كوني الاحظ معناه أتعرف أو أحدد إن كان الشخص أو الشيء معروف أم غير معروف، أو لم تسبق مشاهدته من قبل، وأخيرا فكوني ألاحظ معناه أنني أقوم بقياس، أقوم بتقييم الشخص أو الشيء. الشخص أو الشيء يقاس بكذا، أو أنه يحمل الجنسية كذا ماهي في الواقع إلا أمثلة حية عن عملية التقييم. هكذا أكون قد وضعت وحددت المقاييس التي تسمح لي بضبط قامة هذا الشخص وكذا جنسيته. مثلا أنك وصلت إلى المقهى المتواجد في مكان عملك أو دراستك، وشاهدت من الوهلة الأولى أربعة أشخاص جالسون حول طاولة، ففي هذه الحالة تكون قد أنجزت الخطوة الأولى وهي المشاهدة. ثم تبين لك بعد ذلك أن اثنين منهما قد سبق لك وأن رأيتهما، وأن الشخصين الآخرين لم يسبق لك رؤيتها، تكون قد تعرفت على اثنين منهما. أما في الخطوة الثالثة والأخيرة فإنك ستحاول معرفة إن كان ينبغي عليك أن تتوجه نحوهما أو تمتنع عن ذلك، فعندئذ تكون قد قمت بعملية التقييم، هذا التقييم يتم انطلاقا من اعتبارات ومقاييس عديدة، درجة الإزعاج الذي قد تسببه لهما، الأهمية المحتملة لموضوع الحديث بينهما،إن كل هذه العمليات تتم في ذهنك في وقت قصير نسبيا، كما أنه لا يمكنك دائما إدراك كل هذه المراحل المتنوعة. كلها عمليات تجعل الملاحظة العلمية أبعد ما تكون مجرد مشاهدة بسيطة ؛ التوقف عند المرحلة الأولى والاكتفاء بها، أما في حالة التزامنا بروح علمية فإننا مجبرون باجتياز المراحل الثلاث التي سبق ذكرها.كل علم هو بالضرورة موجه نحو التحقق من فرضياته في الواقع ؛ لذلك تأتي ملاحظة هذا الواقع في مركز اهتمام الطريقة العلمية. إن اكتفاء الملاحظة بالنظر إلى الأشخاص أو الأشياء دون مراعاة مدى تطابقها مع التجربة الحقيقية هو، إن هذه الأخيرة تسعى إلى معرفة الواقع أو بالأحرى تغييره، لهذا فهي منشغلة دائما بضرورة التحقق واختبار ما تتصوره على محك الواقع. هكذا تبدو ملاحظة الواقع لا غنى عنها لكل عمل يريد أن يقوم على أسس علمية. فالمؤرخ المغربي، يعتبر المؤسس الحقيقي للتاريخ العلمي، لكونه أول من ركز بحثه التاريخي على ملاحظة طبيعة الأشياء (1966) Lacoste). إن الملاحظة بالنسبة إلى العلماء في انشغال أساسي، ينبغي لتفكيرهم أن يظل متشبثا بها، بالضبط كما تتشبث أعين سائق السيارة بالطريق.حتى لو قمنا بتطبيق الملاحظة المركزة والمتأنية، أن نشاهد كل شيء في نفس الوقت أو نعطي نفس الاهتمام لكل الظواهر موضوع الملاحظة. إن الأسئلة التي تطرح قبل الملاحظة أو أثناءها هي التي توجه بكيفية أو بأخرى مشاهدتنا باختصار، فالأسئلة هي التي تسمح لنا بانتقاء وتحديد الظواهر التي سيتركز حولها أو يتوقف عندها التفكير. لو أخذنا المثال السابق وهو دخولك المقهى، فإذا كنت قد قررت مسبقا أنك ستجلس وحيدا أو مع أشخاص آخرين، فإن مشاهدتك لكل ما يجري في بهو المقهى سوف لا تتم بنفس الكيفية السابقة.إن الملاحظة في العلم لا تتم دون تحضير إنها تكون مسبوقة بسؤال أو بعدة أسئلة، تدفع هي الأخرى من جهتها إلى التركيز على بعض الوقائع واستثناء وقائع أخرى. أثناء قيامنا بالملاحظة فإن الروح العلمية تبحث عن تجاوز مجرد المشاهدة البسيطة. إنها تشاهد الكائنات والأشياء وتتحسس الوقائع الجديدة وغير المألوفة بالنظر إليها عن قرب والتأمل فيها أطول مدة ممكنة. فإن الروح العلمية لا تتوقف عند هذا الحد، ذلك لأن السؤال الذي سيظل مطروحا هو : لماذا أخذ هذا الشيء أو ذاك هذا الاتجاه أو ذاك ؟ أو لماذا تتبنى هذه المجموعة الاجتماعية هذا السلوك أو ذاك،إنها باختصار الروح العلمية التي تحب التساؤل باستمرار.إن المعرفة العلمية تنطلق من المساءلة التي تعتبر بمثابة المفتاح الذي لا غنى عنه لفتح أبواب المعرفة : «بالنسبة إلى الروح العلمية، فإن كل معرفة هي جواب لسؤال. لا يمكن أن تكون هناك معرفة علمية .إن طرحنا للأسئلة يعني أننا نشك في سلامة الأسس التي تقوم عليها بعض الأشياء، أو أننا نريد أن نتساءل من جديد حول بعض المعتقدات أو الثوابت المقبولة من طرف الآخرين. مثلا : هل عرفت المجتمعات الغربية حقا ما يسمى بالثورة الجنسية ؟ أو هل يندمج حاليا المهاجرون إلى الكيبك (Quebec) في المجتمع الذي يتخذ من اللغة الفرنسية ومن الثقافة الفرنكوفونية لغة وثقافة له ؟ إن مثل هذا التساؤل هو الذي يمدنا ببعض الحرية في التفكير، فإن حرية التفكير تتميز بالشك بالمعنى الإيجابي للكلمة، أي أنها تتميز بالقدرة على عدم قبول أي شيء وكأنه مكسب أبدي. بل الأصح في العلم هو التفكير في أن كل إثبات أو تأكيد سيظل مؤقتا ومن واجب العلماء الايتغاضوا عن ذلك. ولكي يكتمل عمل البحث بصورة جيدة على هؤلاء العلماء أن يتساءلوا ويستمروا في طرح الأسئلة دون توقف وذلك حتى يتمكنوا من تسجيل ملاحظات متعددة تكون معللة وموجهة من طرف تساؤلاتهم.باختصار فإن الشك يسمح بطرح الأسئلة التي من شأنها أن تؤدي إلى الاكتشاف، وفي نفس هذا المعنى نستطيع الحديث عن فكر نقدي، أي الفكر القائم على التساؤل قبل قبوله لأية فكرة كانت هذا لا يعني أننا سنتخذ دائما موقفا مخالفا لما توصل إليه من سبقنا، بأنه لا يوجد يقين مطلق في العلم (1990) Popper و Lorenz)إن التساؤل لا غنى عنه في البحث لأنه يمثل نقطة الانطلاق طالما أن الوقائع لا تكشف بنفسها عن خباياها ؛ فإذا ما استغنينا عن التساؤل الهادف والمصاغ بوضوح أثناء قيامنا بالملاحظة، فمهما كانت مدة ملاحظتنا لظاهرة ما ودقتها، فإنها ستكون خالية من كل قيمة مفيدة للمعرفة العلمية.لنفرض على سبيل المثال، أن شخصان يقومان بملاحظة نفس الظاهرة، وأن أحدهما قد وضع مسبقا تساؤلا حول ما سيشاهده، بالنسبة إلى هذا الشخص فإن الملاحظة سيكون لها من دون شك معنى أعمق مقارنة بملاحظة الشخص الثاني التي تخلو من أي تساؤل مسبق. وبالتالي سينساها بمجرد مرورها. أي دون مساءلة حول موضوع محل الدراسة، أو حول بعض الجوانب في الظاهرة التي ينبغي أن توضح إن هذه المساءلة هي التي تسمح بتعريف مشكلة البحث وتحديدها.إن المساءلة المشار إليها أعلاه ليست اعتباطية ولا هي عفوية، بل هي نتيجة لفعل رزين ومتعقل وقائم على الاستدلال، وبالتالي فإن العقل يفرض نفسه كأداة مفضلة.هل هناك من حاجة للقول إن الكائن البشري موهوب بعقل وأن هذا الأخير هو الذي يمنح له الأدوات الفكرية (intellectuels) الضرورية التي تسمح له بالتقصي والتساؤل عن طبيعة الكائنات والأشياء.إن القدرة على التجريد هي خاصية أخرى من خصائص الروح العلمية والاستدلال، إنها قدرة الفهم الذي لا نمنحه في الحال لما ندركه : ففعل التجريد هو في الواقع القيام بعملية عزل جزء مكون لكل بواسطة التفكير، وذلك مثل فصل عنصر ما من عناصر الظاهرة واعتباره مستقلا عن العناصر الأخرى . يمكن أن يكون منتوج لونين نسميهما أوليين، كما يمكن معرفة شكل المربع أو الدائرة بصفة مستقلة عن مظهريهما الحقيقيين اللذين يبدوان عليهما في الأشياء. إن ما نقوم به في هذه الحالة إذن هو الرجوع إلى المصطلحات التي بنيت بمساعدة الاستدلال، والتي تتجاوز مجرد الإدراك العاجل. هو بمثابة العودة إلى حقائق بنيت بفضل القدرة على التجريد، والتي من دونها ستظل بعض الظواهر مبهمة وغير مفهومة.إن الاستدلال المؤدي إلى التجريد هو مسعى أساسي في العلم ؛ ومن غير الممكن لنا أن نتقدم نحو الاكتشافات العلمية إلا إذا قمنا بوضع الاقتراحات قصد مساءلة الواقع المراد ملاحظته. هذه الاقتراحات ستبقى دوما بمثابة تجريدات كثيفة ومتشابكة : زيادة على ذلك، فإن الاستدلال يسمح بتحليل الواقع وتأويله كل مقولة علمية لا تنشأ إلا عند اختبار استدلالي يسعى لأن يبعث من اللاتنظيم الظاهر اقتراحات مجردة، وأن يعطي لهذا اللاتنظيم الظاهر نوعا من الانسجام.لوطرحنا أسئلة في العلم بمساعدة الاستدلال العلمي، ومن أجل ملاحظة أفضل فهذا لا يعني أننا نقوم بذلك وفق مسعى غير واضح، وهذا المنهج محدد هنا بمجموعة من الإجراءات والطرق الدقيقة المتبناة من أجل الوصول إلى نتيجة. كما أن الإجراءات المستخدمة أثناء إعداد البحث فهو مطالب باحترام المسعى الذي هو في الواقع طريقة دقيقة وصحيحة ومنظمة وفقا لمنطق غير مرن، وبكلمات أخرى فهو مسعى صارم، فإن هذا المسعى يتطلب الصرامة. يوجد في العلم إذن مثلما هو الحال في ميادين أخرى منهجا، وهو عبارة عن سلسلة من المراحل المتتالية التي ينبغي اتباعها بكيفية منسقة ومنظمة. وبدرجة كبيرة، على المنهج المستعمل والكيفية التي استعمل وفقها لدراسة الواقع. نعتمد في البداية على مجموع الإجراءات والوسائل (سنتعرض لها . من التفصيل المتكاملة ا لاحقا بشيء والمتعاقبة والمتداخلة فيما بينها. كما نعتمد أيضا على النظريات، وهي جملة الاقتراحات الموحدة والمنسجمة، إضافة إلى أدوات القياس.يجب أن تكون الطريقة العلمية منظمة ومرتبة، أما الروح العلمية فستتقيد يتصور التنظيم الذي يسمح لها ببلوغ الهدف المتوخى : وبالتالي تكون الروح العلمية منظمة ومنهجية، وبهذا المعنى فهي تخطط وسائل إنجاز البحث وتهيكلها وتنسق بينها،أهمية المنهجإن مجموع المساعي التي يعتمدها الباحث أو الباحثة تكشف وبمعنى واسع عن تصوره للبحث أو لمنهجه. إن هذا المنهج لا يتحدد بكيفية غامضة، ولكنه يكون قائما على اقتراحات تم التفكير فيها ومراجعتها جيدا والتي تسمح له بتنفيذ خطوات عمله بصفة صارمة بمساعدة الأدوات والوسائل التي تضمن له النجاح، أي المنهج والصحة مترابطان، فإذا لم يكن المسعى منهجيا فإن النجاح سيكون سطحيا أو ظاهريا فقط.لهذا ينبغي أن يتضمن تقرير البحث بالضرورة قسما حول المنهجية يتم فيه توضيح الطريقة المعتمدة، ذلك أن النتائج في حد ذاتها لا تعني شيئا بل إن الأساس المتين لبحث ما وصـ وصحته هما اللذان سيتم الحكم عليهما أساسا،التفتح الذهنيتتحدد السلوكات والأفعال والاعتقادات التي تتميز بها الحياة اليومية بما نسميه في غالب الأحيان بالحس المشترك». هكذا فالاعتقاد أن الفقراء يمكنهم الإفلات من الفقر في حالة قيامهم بجهد أو أن المهاجرين من دول الجنوب يمثلون حملا ثقيلا على اقتصاديات دول الشمال، يمكن أن يظهر للكثير على أنه مأخوذ من الحس المشترك، وهو الإقامة في أراض شاغرة ؛ في حين قد يتجه البعض الآخر أيضا، المهام الأسرية، إلى التصور أن الأمر يجري على نفس المنوال في جميع الأسر. إنه لم يتم تحليل (إثبات أو نفي هذه التأكيدات بالعكس فإن نقيضها هو الذي تم البرهنة عليه. في بعض الحالات يبتعد الواقع عما هو معترف به عامة من طرف الجميع، في حين أن تفتح الذهن يتضمن فكرة احتمال عدم ملاءمةالواقع مع الأفكار الملقنة والمكتسبة.على الروح العلمية أن تتقبل تجاوز الأحكام والحس المشترك المتفق عليه وأن تبتعد بقدر الإمكان عن العفوية في التفكير،التحكم في الذات وهذا ما يكتسي أهمية بالغة في العلم. لهذا ينبغي أن نتعود على ترك الأحكام المسبقة جانبا،من جهة أخرى، بتحليل وضعية ما، في حين وحتى يكون المسعى العلمي مثمرا، فمن المفيد جدا أن نتجنب التصورات العامة والتفسيرات العفوية الناجمة عن التنشئة والتجارب السابقة.أهمية التفتح الذهنيإن الابتعاد والتراجع عن الاعتقادات والطرق المتعود عليها في التعامل مع الأشياء والتفكير فيها هي خطوة ضرورية، لأن الأفكار المسبقة قد تحمل خطر إخفاء بعض الأبعاد الجديدة للظاهرة التي تجري ملاحظتها. إن الرواسب السابقة قد تحجب الفكر وتجعله غير قادر على رؤية كل ماهو جديد؛ وبحكم التواضع الذي تتميز به الروح العلمية، فعليها أن تكون دائما على استعداد لإعادة النظر في هذه الرواسب وأن تقبل بحقيقة عدم صحتها مقارنة بما هو موضوع الملاحظه، ولأجل هذا سيظل التفتح الذهني مهماإن هذا التفتح الذهني لا ينبغي أن يظهر فقط في بداية البحث، بل - ينبغي أن يظل مستمرا طوال مدة إنجاز البحث ؛ قد يحدث وأن يجبر التفتح الذهني على رفض الاقتراحات الأولية، في الواقع. لابد من القول إن العلم يتطور وفقا لهذا المنوال إن لم نقل عن طريق رفض الأفكار أو دحض نتائجه السابقة. لقد ذهب Popper (1959) أحد فلاسفة العلوم، إلى حد تقييم النظرية أو الفرضية العلمية على أساس مدى قابليتها لمبدأ الدحض أو عدم قابليتها : كما يتصور تطور العلوم كتعاقب لا محدود العمليات الدحض وكمثال على ذلك يقول : مهما كان عدد البط الأبيض الذي كان بإمكاننا ملاحظته، أما Kun (1972)، وهو أحد فلاسفة العلوم أيضا، فلم يذهب إلى حد الاعتقاد، كما فعل سالفه بوجود دحض مستمر في العلم، حيث فسر مؤخرا كيف تنشأ الثورات العلمية، إنها تبدأ في الظهور عندما يتجرأ العلماء على سلوك ممرات غير الممرات أو الدروب المعتادة وذلك عندما يشعرون أنهم عاجزون عن إيجاد حل لظاهرة غير عادية ضمن النظرية والتجارب السائدة.باختصار، فإن الذهن المتفتح يبحث باستمرار وطوال مدة المسعى عن الانفصال عن الأفكار المسبقة. إن هذا المسعى يشبه إلى حد كبير مضمارا مليئا بالحواجز، إلا أن هذا لا يعني نفي كلي للمعارف العلمية السابقة،لقد كثر الحديث عن الموضوعية. فإذا كانت تعني بالنسبة إلى بعض الأشخاص الحياد، فبالنسبة إلى آخرين فإنها تعني الابتعاد عن المصالح الذاتية، فهي، بصفة أخص ميزة كل ما يصف شيء أو ظاهرة بصدق أي كل ما يمنح تمثيلا مطابقا للواقع. فعلا، وبالرغم من أننا نطمح إلى وصف صادق لما نشاهده أو نسمعه،الذاتيةحتى في العلم الذي يعتبر ميدانا للموضوعية، يتدخل منذ البداية عنصر الذاتية : إنها المصلحة، إن البحث العلمي يتطلب من الباحث استخدام كل طاقته الشيء الذي يجعل من الصعب عليه الا يجد مصلحته من هذا البحث بنفس الكيفية، فإن المصلحة تمده بالدافعية للوصول بمشروع البحث إلى هدفه بكلمات أخرى، فإنه لا يستطيع أبدا أن يكون حياديا أمام الواقع، واتخاذه للحيطة والحذر من كل أعراض الذاتية هو في حد ذاته خطوة أولى نحو الموضوعية. في هذا المعنى فإن الباحث أو الباحثة يحاول أن يتجاوز أبعد ما يمكن أفكاره المسبقة واستعمال كل الوسائل الموجودة تحت تصرفه، حتى يتجنب التلاعب أو التدليس الذي يمكن أن تكون النتائج التي يطمح إلى بلوغها عرضة له. ذلك هو التناقض لهذا نقول عن التفكير العلمي إنه يتجه نحو الموضوعية. إنها تمثل جزءا من الانضباط الشخصي الذي لا غنى عنه عند قيام أي شخص كان بالعمل العلمي.أهمية النقدعلى مستوى آخر، حتى لو كانت الروح العلمية تميل نحو الموضوعية ليس هناك ما يؤكد أننا لم نسلك طريقا خاطئا. كما أن صحوتنا ليست دائما محل صدق. لهذا، ومن أجل ضمان حد أقصى من الموضوعية، يقبل الباحث أن الباحثة أن يحكم على عمله من طرف زملائه، أي من طرف هؤلاء الذين يشتغلون في نفس الميدان العلمي. إن ما هو معترف به في الأوساء العلمية هو أن التبادل المعمم للنقد على حد تعبیر بوردیو، Chamboredon et Passeron 1968: 112( وباسرون )communauté scientifique( أن نتفق على تسميته بالمجموعة العلمية ضروري للإبقاء على درجات عالية من الموضوعية، إن انتقادات ما يمكن هي التي تمنح، وبفضل المفعول الرجعي (retroaction)، لهذا لا ينبغي التخوف من تعليقات الآخرين وانتقاداتهم مهما كانت بالعكس، ينبغي تقبلها، لأنها تمثل الضمان الأكثر يقينا لاستمرار موضوعية عمل ما، والذي تطمح إليه من دون شك كل روح علمية. هكذا نتقبل أنه يمكننا أن نسلك طريقا خاطئا في بعض الأحيان كما ندرك أيضا أن العلماء الآخرين يمثلون دعامة وليس عائقا في طريق نجاحنا.إن الروح العلمية هي استعداد ذهني خاص يكتسب عن طريق الممارسة والتجربة خلال المدة التي يستغرقها إنجاز البحث تكون مهمتنا الرئيسية هي تنمية القدرات الخاصة بالروح العلمية، وبالتالي تظهر كل النشاطات على أنها ضرورية وفي متناولنا : فتدريب الباحث الروحه العلمية بهذه الكيفية يتطلب بالتأكيد جهدا معينا، وسيمنحه في المقابل كثيرا من السعادة والارتياح. كما يمكن للطريقة العلمية أيضا أن تستدرج الشخص الذي يتبناها نحو نظرة متجددة إلى العالم، وخاصة إذا كنا نحلم بمهنة علمية، فالوصول إلى امتلاك تصورات ذهنية جديدة هو بالتأكيد إثراء ذات قيمة وفائدة كبيرتين في الأخير فإن الروح العلمية ضرورية لأي شخص مبتدىء كان أو محترفا يباشر أو يقوم بالبحث في العلوم.رغم كل ما سبق ذكره، فإن السؤال المتعلق بالروح العلمية قد يظل قائما وهو : هل تؤدي هذه الروح العلمية حتما إلى اكتشافات وابتكارات واختراعات جديدة،