ملخص للفصل الأول من كتاب (النقد التاريخي) للمؤلف الدكتور/ عبدالرحمن بدوي التاريخ يصنع من وثائق . والوثائق هي الآثار التي خلفتها أفكار السلف وأفعالهم . والقليل جداً من هذه الأفعال والأفكار هو الذي يترك آثاراً محسوسة ، إن وجدت فنادراً ما تبقى : لأن عارضاً بسيطاً قد يكفى لزوالها . أو طمست معالمه ، هو أمر ضاع على التاريخ : كأن لم يكن البتة . وبفقدان الوثائق صار تاريخ عصور متطاولة من ماضي الإنسانية مجهولا أبداً . فلا تاريخ . ولكي نستدل استدلالا صحيحاً من وثيقة على الواقعة التي هي أثرها ، لا مناص من اصطناع ألوان من الحيطة سنكشف عنها فيما بعد . وما مظانها . أيا كانت، فإني أتلمس الموضع أو المواضع التي ترقد فيها الوثائق الضرورية لمعالجتها ، على فرض وجودها . فالبحث عن الوثائق وجمعها قسم من الأقسام الرئيسية المندرجة في مهمة المؤرخ يأتي منطقياً في المرتبة الأولى . وهو اسم مفيد لأنه موجز . من غير شك . سليمة ، أعنى أنه أنه إذا لم يعرف المرء ، قبل البدء في عمل تاريخي ، كيف يحيط نفسه بكل المعلومات الميسرة له ، فإنه يزيد بسهولة من مزالق خطر العمل على أساس وثائق غير كافية ( وهى مزالق وفيرة العدد ، مهما بذل من جهد : فكأين من عمل من أعمال التحصيل érudition أو التأريخ عولج وفقاً لقواعد أدق المناهج قد أفسده ، بل قضى عليه قضاء مبرما ، وأن تكملها أو تنقضها . و إن فضل العلماء المحصلين érudits والمؤرخين المحدثين على العلماء المحصلين والمؤرخين في القرون الأخيرة - إن تساووا فيما عدا هذا - إنما يرجع إلى كون الأخيرين قد كانوا الاستخبار من أولئك الأولين (1) . والحق أن أن الهورسطيقا قد أفقر في وسائل てい صارت اليوم أسهل من ذي قبل ، وإن كان الفتى الساذج فجنر لا يزال على صواب حين قال : ما أشق الظفر بأسباب الوصول إلى الأصول (۲) ! ولتحاول أن نفسر لماذا كان تحصيل الوثائق ، ذلك المطلب الكؤود فيما مضى ، لا يزال حتى اليوم أمراً عزيز المنال برغم ما تم من تقدم في هذا المضمار منذ قرن من الزمان ، وكيف أن هذه العملية يمكن تبسيطها فيما بعد ، بفضل ما يتحقق من تقدم جديد . قد وجدوا أنفسهم في غمة من الأمر . فإن كان الأمر أمر رواية أحداث حديثة نسبياً لم يمت بعد كل شهودها ، كان ثم وسيلة هي سؤال الأحياء من الشهود . وعلى هذا النحو سار ثيو كيديدس (۱) وفرواسار (۲) وغيرهما منذ العصر القديم حتى يومنا هذا . بنكروفت ، حينما انتوى جمع مواد تاريخ لا يزال بعض العاملين فيه أحياء ، فإنه لم يدخر وسعا في شيء ، بل عباً جيشاً من المخبر بن لكي يستلوا منهم الأحاديث إما إذا اتصل الأمر : بأحداث قديمة ، لم يستطع أحد من الأحياء رؤيتها ولم تحتفظ الروايات الشفهية بأية ذكرى عنها ، خصوصاً المكتوبة ، لأن المكتبات كانت نادرة ، والمحفوظات Archives سرية ، ه . ينكروفت حوالى سنة ١٨٦٠ في كاليفورنيا شبيها بموقف الباحثين الأولين في بلادنا في الماضي ، وقد تدبر الأمر على النحو التالي . مطبوعة أو مخطوطة ، باذلا كل مرتخص وغال ، وفاوض الأسر والنقابات التي أحوجتها الخصاصة لشراء محفوظاتها أو الإذن بانتساخها على يد نساخين يعملون لحسابه . من الناحية النظرية . بيد أن هذه العملية السريعة ذات الطابع الأمري یکی لم تتهيأ إلا مرة واحدة بما فيها من مثابرة وما تيسر لها من وسائل كفلت نجاحها ، أما في ظروف أخرى وأزمان أخرى فلعلها كانت تكون غير مقبولة . في الأحوال الأخرى . ففي عصر النهضة كانت وثائق التاريخ القديم والتاريخ الوسيط . شقتة في عديد من المكتبات الخاصة ومن خزائن المحفوظات ، وهي أما كن كادت أن تكون كلها حرما لا يباح ، فضلا عن تلك التي ظلت مدفونة لا يعلم أحد من أمرها قتيلا . هنالك كان من المستحيل مادياً الحصول على ثبت بكل الوثائق المفيدة في إيضاح أمر من الأمور (مثلا ، ثبت جميع المخطوطات الباقية المؤلف قديم ) وحتى لو تمت المعجزة فظفر المرء بمثل هذا الثبت فقد كان من المستحيل الرجوع إلى كل هذه الوثائق ودراستها إلا بفضل الأسفار والنفقات واستنفاد مالا ينتهى من الوسائل. وعن هذا تجمت نتائج كان من السهل توقعها . 1 - ذلك أنه لما كانت الهور سطيقا تنطوي على صعوبات يعز تذليلها ، فإن العلماء المحصلين والمؤرخين المتقدمين ، الذين لم يتمكنوا أن يستخدموا كل الوثائق ولا أفضلها بل ما تيسر لهم منها ، قد كانوا دائماً تقريباً قليلي البضاعة من المعرفة الصحيحة ، ولم يعد لأعمالهم من فائدة إلا بالقدر الذي استعانوا فيه بوثائق صارت مفقودة اليوم . ۲ والعلماء المحصلون والمؤرخون الأول الذين على علم صحيح نسبياً هم أولئك الذين يسرت لهم مناصبهم أن يلجوا حرم خزائن الوثائق الغنية : وهم أمناء المكتبات والمحفوظات ورجال الدين والحكام ، ممن كانت الطرقهم أو جماعاتهم مكتبات أو محفوظات ظاهرة البراء (1) . أجل إن طائفة من الجماعين قد كونوا لأنفسهم ، منذ عهد بعيد ، اقتنوا بعضها بالمال ، بيد أن هؤلاء الجماعين الأوربيين ، يختلفون عن . بنكروفت اختلافاً ظاهراً . ذلك أن هذا الكاليفورني لم يجمع إلا الوثائق المتصلة بموضوع . وكان يطمع في جمعها كلها ، أما غالبية الجماعين الأوربيين فقد اقتنوا قطعاً وبقايا وشذرات من كل نوع ، وقدراً صغيراً جداً من الوثائق لو قورن بالمقدار الهائل من الوثائق التاريخية التي وجدت في عصرهم . يضاف إلى هذا أن هؤلاء الجماعين من أمثال بيرسك Peiresc وجنيير Gaignières وكلير نبو Clairambault وكولبير . تيسيراً متفاوت السخاء . وأحياناً شاذ . لكن الشرط الأول ، كيما تكون الهور سطليقا ميسرة تماماً ، هو أن تكون كل مجاميع الوثائق من المنافع العامة (1) . منذ الحكم القديم. مفتوحة كلها تقريباً أو شبه مفتوحة لاستعمال الجمهور. وبينما كانت المجاميع الأخرى المملوكة للأفراد تصفى غالباً بعد وفاة أصحابها ، فإن هذه المجاميع الملكية كانت على العكس من ذلك في ازدياد مستمر . كانت تثرى من بقايا المجاميع الأخرى نفسها . الخزانة المخطوطات في فرنسا مثلا ، عند نهاية القرن الثامن عشر ، الشعر الأحسن من المجاميع التي قام بتكوينها بعض الهواة والمحصنين في القرنين السابقين. والحال كذلك : في بقية البلدان . أو شبه عامة ، إلا نتيجة ممتازة لهذا التطور الطبيعي . ألا وهو الثورات وأهواؤها . فالثورة الفرنسية سنه ۱۷۸۹ في فرنسا ، ونظائرها من الحركات في بلدان أخرى ، قد هيأت مصادرة مقدار زاخر من المحفوظات الخاصة والمجاميع المملوكة للأفراد، صادرتها بالقوة الحساب الدولة ، أعنى الحساب الجمهور كله ، مثل المحفوظات والمكتبات والمتاحف التي كان يملكها التاج ، إلخ. فعندنا ( في فرنسا ) ، وضعت الجمعية التشريعية في سنة ١٧٩٠ في يد الدولة كمية ضخمة من خرائن الوثائق التاريخية كانت قبل مشتتة ومحرمة بطرق متفاوتة على استطلاع العلماء المحصلين ، وهذه الظاهرة عينها قد حدثت ، وهذه المجاميع ، سواء منها ما تم في إبان الحكم القديم أو بفضل المصادرات التي تمت في عهد الثورات ، لم تتكون دون إحداث أضرار خطيرة . ذلك أن الجماع هو ، رجلا متوحشاً ، فكان لا يتردد - من أجل تنمية مجموعاته بالقطع والبقايا النادرة - في تشويه التماثيل وتمزيق المخطوطات وتشتيت شمل المحفوظات ، ابتعاء اقتناء قطع منها . وعن هذا الطريق وقعت تخريبات عدة فيها قبل الثورة الفرنسية الكبرى . كذلك كان الأعمال الثورات من مصادرة ونقل نتائج ضارة جداً ، وهذا أمر طبيعي : فإلى جانب التخريبات التي تمت نتيجة الإهمال أو لمجرد اللذة في التخريب ، قامت لدى القوم فكرة بائسة هي إجراء عملية «غربلة » منظمة ، ثم يتخلص من الباقي . وهذه الغربلة قد دفعت أناساً ممتلثين بالنوايا الطبيبة لكنهم كانوا منهو كين بالعمل ، ردها إلى مكانها الأصيل. ومع ذلك فيجب أن نعترف بأن التشويهات التي أحدثها الجماعون إبان النظام القديم والتي سببتها أعمال الثوار ليست شيئاً يذكر إذا ما قورنت بتلك الناشئة عن المصادفات وعن آثار الزمان الطبيعية . لكن حتى لو كانت تلك التشويهات أبلغ أثراً بكثير ، فإن لدينا مع ذلك ما يعوض عنها ، لدينا فائدتان من الطراز الأول مهما قلنا فلن نبالغ في إبراز قيمتهما : (1) الأولى تركيز وثائق كانت مشتتة بل شبه مفقودة في أماكن عديدة ، تركيزها في خزائن قليلة العدد نسبياً ، (۲) والثانية إذاعة هذه الوثائق . فما بقى من الوثائق التاريخية القديمة بعد أحداث الدهر ودمار المدمرين قد أصبح من ذلك الحين في حمى أمين : مرتباً ميسور التناول ومعدوداً ملكاً للمجتمع. الطريق وقعت تخريبات عدة فيما قبل الثورة الفرنسية الكبرى، كذلك كان الأعمال الثورات من مصادرة ونقل نتائج ضارة جداً ، وهذا أمر طبيعي : فإلى جانب التخريبات التي تمت نتيجة الإهمال أو لمجرد اللذة في التخريب ، قامت لدى القوم فكرة باشة هي إجراء عملية « غربلة » منظمة ، فلا يحتفل إلا بالوثائق ه اللهمة ، ثم يتخلص من الباقي . وهذه الغربلة قد دفعت أناساً ممثلثين بالنوايا الطبيبة لكنهم كانوا منهوكين بالعمل ، ردها إلى مكانها الأصيل. ومع ذلك فيجب أن تعترف بأن التشويهات التي أحدثها الجماعون إبان النظام القديم والتي سببتها أعمال الثوار ليست شيئاً يذكر إذا ما قورنت بتلك الناشئة من المصادفات وعن آثار الزمان الطبيعية . لكن حتى لو كانت تلك التشويهات أبلغ أثراً بكثير ، فإن لدينا مع ذلك ما يعوض عنها ، لدينا فائدتان من الطراز الأول مهما قلنا فلن تبالغ في إبراز قيمتهما : (1) الأولى تركيز وثائق كانت مشكلة بل شبه مفقودة في أماكن عديدة ، تركيزها في خزائن قليلة العدد نسبياً ، (۲) والثانية إذاعة هذه الوثائق . فما بقى من الوثائق التاريخية القديمة بعد أحداث البحر ودمار المدمرين قد أصبح من ذلك الحين في حمى أمين : مرتباً ميسور التناول ومعدوداً ملكا للمجتمع . من حيث المبدأ ، في هذه المؤسسات العامة التي تسمى دور المحفوظات ودور الكتب والمتاحف . والحق أنها لا تحوى «كل » الوثائق الموجودة ، لأنه على الرغم مما تقتنيه دور المحفوظات والكتب والمتاحف كل عام ، بأجر أو بدون مقابل ، منذ عهد طويل في العالم كله ، فإن ثمة أيضاً مجاميع يقتنيها أفراد ويغذيها تجار ، ووثائق لا تزال متداولة بين الناس. لكن الاستثناء هنا لا يطمن في القاعدة ، لأنه استثناء يمكن إعماله. عاجلا أو آجلا ، إلى الإقامة بمؤسسات الدولة ، من حيث المبدأ ، ألا تكون مستودعات الوثائق ( دور المحفوظات ودور الكتب والمتاحف ) كثيرة العدد جداً ، ولقد قلنا إنه من من الحظ أنها اليوم أقل جداً مما كانت عليه منذ مائة عام، فهلا يمكن العمل على زيادة تركيز الوثائق وقد تبيت فائدة هذا التركيز للباحثين ؟ أولا يوجد بعد مستودعات يخفي وجه المحكمة في بقائها مستقلة حتى الآن ٢ ربما صح هذا (٢) ، بلا مقابل ، في المكتبة العامة بالمدينة التي يقطن فيها ، وثائق في حوزة مكتبات سان بطرسبرج وبروكسل وفير نفسه مثلا، ونادرة الآن تلك المؤسسات التي محرم لوائحها الاعارة للخارج تحريماً مطلقاً ، مثل دار المحفوظات الأهلية بياريس ، والتحف البريطاني بلندن ، ومكتبة ميجان Mejames بمدينة إكس في البروفانس. ب) ولما كان معظم الوثائق التاريخية محفوظاً اليوم في مؤسسات عامة ) دور محفوظات ومكتبات ومتاحف ) ، فإن الهورسطيقا لن تكون ميسورة تماماً إلا إذا وصمت أثبات وصفية لكل مستودعات الوثائق الموجودة ، الخ) ، وفهارسها في مكان ما، الظروف لم تهياً ويا للأسف حتى اليوم . حتى لقسم منها ، نادرة ؛ ولا يزال كثير من المجاميع المحفوظة في مؤسسات مشهورة ، لم يفهرس إلا شطر من مجاميعها ، بحاجة إلى أن يوصف - وثانياً ، كم من فروق بين الأثبات التي وضعت من قبل فمنها قديم لا يتفق أحياناً مع التصنيف الحالي للوثائق ، ولا يمكن الإفادة منه دون لوحات مقارنة ، ومنها حديث لكنه وضع على طريقة عتيقة ، وبعضها الا الآخر مخطوط، على دفاتر تسجيل أو في جذاذات ، وبعضها صنع بعناية و وأصبح نهائياً ، والمعرفة كيفية التمييز، في هذا الحشد الهائل المختلط من الأثبات المطبوعة (فضلا عن غيرها) ، بين ما يستوجب الثقة وما لا يستوجبها ، وبالجملة معرفة كيفية الانتفاع بها ، - وأخيراً ، ولا يوجد لها كشافات علمة. وتلك حال تدعو إلى الأسف البالغ ، فالوثائق التي تضمها المستودعات والخزائن التي لم تفهرس هي وثائق كأنها ليست لكل الدارسين ، الذين لا يجدون مقسماً من الفراغ كيا يقوموا هم أنفسهم باستقصاء هذه الخزائن والمستودعات . فلا تاريخ . بيد أن عدم وجود أثبات وصفية بخزائن الوثائق معناه عملياً استحالة العلم بوجود وثائق اللهم إلا مصادفة . قلقل إذن إن تقدم ( البحث في ) التاريخ يتوقف شطر كبير منه على تقدم ( العمل في ) ثبت عام بالوثائق التاريخية ، ولهذا فإن الناس متفقون في هذا الأمر. فالأب برناردي مونفوكون كان بعد كتابه المكتبة الجديدة المكتبات المخطوطات » - وهو مجموع من فهارس المكتبات - وأكثر المؤلفات التي صنفها فائدة ونفعاً . وقد كتب أرنست رجان في سنة ١٨٤٨ يقول : « في المرحلة الحالية للعلم الحاجة أمس ما تكون إلى فهرس نقدى للمخطوطات في مختلف المكتبات . وقد يخيل الناس أن هذا عمل متواضع تماماً . وقال ب . لو كان أسلاف مسيو دليل M. بإيجاز ، ولكن ببطء . في فرنسا وخارجها ، من الوزراء المقتنعين بهذه الحقيقة والعاملين على مقتضاها ، ومن ناحية أخرى يلاحظ أنه لم يكن حقاً دائماً أنه الحصول على أثبات جيدة يكفى - وإن كان من الضروري - أن تبذل تضحيات مالية : تفسير المناهج لوصف الوثائق لم توضع وتثبت إلا حديثاً ، فإن تعبئة العاملين المختصين - وهي مسألة لم تعد اليوم على جانب كبير من المشقة . كانت ستكون عقيمة وعرضة المخاطرات، في العهد الذي كان فيه العاملون المختصون نادرين . لكن النمر عابرين بالمصاعب المادية : من فقر في المسال وفقر في الرجال ، فإن تمت سببا آخر كان يعمل عمله . فإن الموظفين المكلفين بإدارة شئون خزائن الوثائق لم يبدوا من الحاسة دائماً ما يبدونه اليوم من أجل الكشف عن مقتنياتها بواسطة أثبات صحيحة ، لا لذة فيه ولا جزاء . فكأين من رجل يعيش - بحكم وظيفته - وسط الوثائق ، حراً في الرجوع إليها في كل كل لحظة ، وفي وضع أفضل من الجهور للمراجعة والتحقيق في الوقت الذي لا يوجد فيه أي ثبت ، ثم للظفر باكتشافات خلال هذه الراجمات ، سنقول : كاين من رجل هذا شأنه قد آثر أن يعمل لحسابه الخاص أولى من أن يعمل الغيره ، وأن لا يقوم بتحرير فهرس هذا التحرير المرهق - إلا بعد أن يقوم بأبحاثه الشخصية . فمن ذا الذي يكتشف اليوم وبنشر أكبر قدر من الوثائق ؟ إنهم الموظفون الملحقون بخزائن الوثائق . وليس من شك في أن هذا الأمر قد كان من شأنه تعويق تقدم العمل في الأثبات العامة للوثائق التاريخية . وقد وجد فعلا أن الذين يمكنهم الاستغناء عن الأثبات هم أنفسهم أولئك الذين كانت تفرض عليهم وظائفهم أن يقوموا بوضعها . ولقد كان النقص الأثبات الوصفية نتائج خليقة بالتنويه - فمن ناحية يلاحظ أنه ليس في وسع أحد أن يقطع بأنه استنفد كل مصادر الأنباء : فمن ذا الذي يعرف ما تدخره الخزائن والودائع غير المفهرسة ؟ ومن ناحية أخرى يضطر المرء، من أجل الحصول على أكبر قدر من المعلومات ، أن يكون على علم حميق الايبادر التي بدورها البحث العنيد في الهور سطبقا ، وقنا المزاج كل. مهملين الثمين مكبين على الفث، يقولون لأنفسهم إنهم هم أيضاً قد مروا بتجارب مماثلة : ولكل دوره. والذين يأسفون وهم يرون هذه المضيعة للوقت والقوى يحسبون أنه وإن كان هذا أمراً لا مفر منه إلى حد ما ، أفلا يلاحظ ، أن الأبحاث هي نفسها عسيرة ، فإن بعض الأعمال ، خصوصاً ما اتصل منها بتاريخ العصر الوسيط والتاريخ الحديث ( لأن وثائق التاريخ القديم ، وهل أقل عدداً وأوفر حظاً من العناية والدرس ، هي أفضل تبويباً وفهرسة من غيرها ) ، وبعض الأعمال التاريخية تفترض ، ليس فقط الاستشارة المتواصلة للأثبات ( وليست كلها مزودة بالفهارس ) ، وليس من شك ، بل التجربة أثبتت أن المنتظر من هذه الأبحاث الشاقة جداً التي لا بد من القيام بها قبل الخوض في عمل أرفع - قد صرف ولا يزال يصرف عقولاً ممتازة عن ميدان البحث التاريخي التحصيل. فالمره في الواقع بين إحدى خصلتين : فإما أن يشتغل على أساس وثائق من المحتمل جداً أن تكون ناقصة ، أغلبها غير مثمر ، ونتائجها لا يلوح غالباً أبداً أنها تتكافاً مع ما أنفق فيها من وقت، أو ليس مما يدعو إلى النفور أن يعضى المرء شطراً كبيراً من عمره في تصفح فهارس بلا لوحت ، أو في أن يكنس بعينيه كل القطع التي التي تشتمل عليها مجاميع من من المختلفات غير المفهرسة ، يكنها الواحدة تلو الأخرى كيا يحصل على معلومات إيجابية أو سلبية) كان في وسع المرء أن يظفر بها في الحظة واحدة لو كانت هذه المجاميع ذوات فهارس ، وكانت الفهارس لوحات ؟ إن أخطر نتيجة من نتائج النقص في أدوات الهورسطيقا الحالية هي قطعاً تنبيط همة كثير من الرجال الأذكياء ، الذين هم على شعور بقيمتهم وبالنسبة الحقيقية القاعة بين المجهود والمكافأة. ولو كان في طبيعة الأشياء أن يكون في البحث عن الوثائق التاريخية في الخزائن العامة ما لا يزال فيه حتى اليوم من مشقة ، لكان للمرء مندوحة في الانصراف عنه : والواقع أنه ما من أحد بأسف على النفقات التي لا مفر من بقط في الحفائر الأثرية ، أيا ما كانت الثمار التي تحصلها منها ، إلا أن النقص في الأدوات الحديثة المستخدمة في الهورمطيقا ليس نقصاً ضروري الوجود. ولقد كانت الحال في القرون الأخيرة أسوأ بكثير ، ولا شيء يمنع من أن تكون الحال على أتم ما تكون . وقد تحدثنا عن الملل والنتائج ، إلى التحدث بإيجاز عن العلاج. وذلك عن طريقين . ففي كل عام يزداد مقدار الأثبات الوصفية المحفوظات والمكتبات والمتاحف ، مما يعنى بوضعه الموظفون في هذه المؤسسات، ومن ناحية أخرى تقوم جمعيات علمية قوية بتكليف مشتغلين مختصين بفهرسة الوثائق يتنقلون بين جميع الخزائن ليستخرجوا منها كل الوثائق الداخلة في موضوع معلوم ، أو المتصلة بموضوع واحد : فعلى هذا النحو كلفت جماعة البولانديين (۲) مبعوثيها بعمل فهرس عام الوثائق المتصلة بأخبار القديسين الموجودة في مختلف المكتبات، التي خلفها آباء الكنيسة ، وجمعية الآثار التاريخية الجرمانية قد أنشأت منذ عهد بعيد تحقيقات واسعة من هذا النوع ، وأمثال هذه التحقيقات في متاحف أوربا ومكتباتها جميعاً هي التي جعلت من الممكن آنذاك وضع و محصل النقوش اللاتينية ، Corpus inscriptionun latinarum . وأخيراً نجد كثيراً من الحكومات قد أخذت على عاتقها أن ترسل إلى الخارج أشخاصاً مكلفين يوضع أثبات بالوثائق التي تهم هذه الحكومات ، وذلك لحسابها الخاص ، في خزائن أوربا الرئيسية ، . ) إلخ منهج صالح ، واستعين فيها بعدد من المشتغلين الأكفاء الذين يوجهون توجيها صالحاً ويكافأون بالمال على أعمالهم ؟ - هذا ما يبينه تاريخ وضع و فهرس عام بالمخطوطات الموجودة في المكتبات العامة بفرنسا : فقد بدى، وسيكمل كله عما قليل ، لكان قد تم في أقل من خمسين عاماً ، والنتائج التي ظفرت بها جماعة البولانديين والأكاديمية الإمبراطورية في قينا ليست أقل على هذا دلالة . إذ يكفى قطعاً أن يتكلف الناس المؤونة لتجهيز الدراسات التاريخية في مدى قصير بوسائل البحث اللازمة. والمنهج للعمل قد أصبح محدداً ، وسيكون من الميسور إيجاد العاملين المختصين . كما هو ظاهر ، من جماعة أغلبها من أمناء المحفوظات والمكتبات والموظفين ، وكذلك من المشتغلين الأحرار ذوى العزم الصادق على صنع القهارس ولوحات الفهارس . وهؤلاء العاملون أكبر عدداً مما يخيل إلى الرء لأول وهلة ، لا لأن عمل الفهارس أمر هين : وإنه الأمر يقتضى الصبر والانتباه الأدق والتحصيل arudition الأوسع، ولكن لأن كثيراً من العقول تلذ لها الأعمال التي من هذا النوع لأنها أعمال محددة ، قابلة ! لأن : تنجز على نجو نام ، كما أنها الظاهرة الفائدة . و وبين الأسرة الكبرى للنوعة المسكونة من أولئك العاملين على تقدم الدراسات التاريخية ، يحتل واضعو الفهارس الوصفية والأثبات مكانة خاصة . إذا ما تفرغوا لها واقتصروا عليها . وإلى أن تتضح في الأذهان الفائدة المرجوة من إحصاء الوثائق التاريخية في كل البلدان إحصاءاً عاماً ، وبخاصة الناشئة منهم ، إحاطة دقيقة بمال أدوات البحث التي في متناولهم ، وأن يكونوا على علم متجدد بما يدخل على هذه الأدوات من إصلاح . بيد أن المعارف التجريبية ، فضلا عن أنها لا تحصل إلا بنفقات باهظة كما قلنا ، فإنها دائماً تقريباً يعتورها النقص . عن الأثبات الموجودة ، هي بمثابة فهارس . وقليل من أعمال المراجع له من النفع العام ما لذلك العمل. بيد أن العلماء المحصلين والمؤرخين كثيراً ما يكونون في حاجة إلى معلومات عن الوثائق لا تهيؤها الأثبات والفهارس الوصفية عادة ، مثل أن يعرفوا هل هذه الوثيقة معروفة أو غير معروفة ، وهل تناولها النقد والشرح وانتفع بها (1) . والعلم بهذه المؤلفات ، من كل الأنواع ، والتي تؤلف من وجهات نظر واسعة التباين ، فكشافات المراجع المكتب التاريخية يجب إذن أن ينظر إليها ، هي و كشافات أثبات الوثائق الأصلية ، على أساس أنها أدوات لا غنى عنها المورسطيقا . ووضع قائمة منطقية لكل هذه الكشافات ( كشافات الأثبات ، وكشافات المراجع بالمعنى الحقيقي ) مع التنبيهات الملائمة. إن شئنا ، باسم «علم الكشافات . أو « علم للمراجع التاريخية . . وقد وضع ارنست برنهيم أوليا لهذا العلم ، حاولنا نحن التوسع فيه (٣) . فضلا عن التنقيحات ، كقاعدة عامة ، إن كتاباً عن الكشافات الاستعمال المحصلين والمؤرخين لهو قديم غداة اليوم الذي صنف فيه . والعلم بالكشافات على مفيد للجميع ، لكن لا بدرجة واحدة . فبعض أقسام التاريخ ، مما عنی به منذ عهد بعيد ، قد بلغ مرتبة من النضوج جعل من الممكن القيام الآن بالعمل التأريخي في هذه الأمور داخل مكتب المؤرخ ، بعد أن أصبحت الوثائق المحفوظة كلها معروفة مجموعة مصنفة في نشرات كبيرة خاصة، ودراسات التاريخ المحلى لا تستلزم عادة غير تحقيقات محلية . موجودة كلها في خزانة واحدة ، على نحو لا يجعل ثم حاجة إلى البحث عن غيرها في مظان أخرى ، وفي مقابل هذا تشاهد رسالة مفردة متواضعة ، أو نشرة عادية لنص مخطوطاته القديمة ليست نادرة ، وتوجد موزعة في كثير من مكتبات أوربا ، قد اقتضت مراجعات وإجراءات و انتقالات لا نهاية لها . ولما كانت معظم وثائق تاريخ العصور الوسطى في الدور المتأخر منها ووثائق العصر الحديث غير منشورة أو نشرت نشراً سيئاً ، فيمكن أن نضع بمثابة ميدا أنه : التحقيق فصل جديد حقاً اليوم من فصول التاريخ الوسيط أو الحديث لا بد من التردد المتواصل على الخزائن الكبرى التي تحتوى على وثائق أصلية ، فليختر كل أمرى، إذن بكل عناية موضوع أعماله ، بدلا من أن يترك الأمر تحت رحمة الصدف . فمن الموضوعات مالا يمكن ، في الحالة الراهنة التي عليها أدوات البحث ، أن يعالج إلا يفضل تنقيبات هائلة يستنفد فيها العقل والعمر بلا فائدة ولا عائدة ، يأتي فتصبح فيه ميسرة سهلة ، ولا بد أن تختار ، عن قصد وروية ومعرفة بالعلة أو القضية ، بعضاً من موضوعات الدراسات التاريخية بدلا من بعضها الآخر ، وفقاً لكون بعض كشافات الوثائق وبعض كشافات المراجع توجد أو لا توجد ، ووفقاً لكون الدارس يميل أو لا يميل إلى العمل في المكتب أو إلى التنقيب في الخزائن ، وكذلك وفقاً لكونه لديه أو ليس لديه الوسائل التردد بسهولة على بعض الخزائن - ولقد تساءل رينان في مؤتمر الجمعيات العلمية المنعقد السوريون سنة ۱۸٨٩ ، قائلا : ( أيمكن العمل في الأقاليم ؟ » . على الأقل ، يمكن أن ين ينار في داخل المكتب . والنضرب مثلا بالفيلولوجيا المقارنة : فبنواد أولية قدرها بضعة آلاف من الفرنكات ، والاشتراك في ثلاثة أو أربعة مجاميع خاصة ، ومثل هذا يقال عن الأفكار الفلسفية العامة . وإن عدداً ضخما جداً من فروع الدراسة ليمكن أن يعالج على هذا النحو بطريقة شخصية تماماً ، من غير شك ، لكن هناك ودراسات نادرة وخاصة ، ما ، ولكن نصفه فحسب، من كشافات ووثائق ، مما لا يوجد إلا في المراكز الكبرى للدراسة ، بل يحدث أحياناً كثيرة أن يكون من الضروري أن يزور الباحث عدداً كبيراً من المراكز الكبرى للدراسة زيارات متوالية وبالجملة ، فالأمر في التاريخ كالأمر في الجغرافيا : لدينا عن بعض مواطن الأرض وثائق مصنفة في نشرات ميسرة تكفى لتيسر للمرء التفكير تفكيراً مثمراً وهو إلى جوار موقد النار دون أن يتحمل عناء الانتقال ، بينما نجد من ناحية أخرى أن أقل رسالة مفردة عن إقليم غير مستكشف أو أسيء استكشافه تقتضى بذلا هائلا من القوى المادية وإنفاقاً الزمان طويل، كما يحدث غالباً ، لهو أمر ينطوى على خطر : وكأين من نفر غرقوا طوال سنوات في أمثال هذه البحوث ، وكانوا أقدر على الإفادة لو أنهم اشتغلوا بأعمال من نوع آخر ودرءاً لهذا الخطر ، الأبلغ ضرراً بالنسبة إلى الناشئة بقدر ما هم أوفر نشاطا وأشد حماسة ، فإنه لا شك في أن الفحص من الأحوال الراهنة للمورسطيقا عامة ، ومن المساني الإيجابية في علم المراجع التاريخية ،