من أبرز ما لحق بمعاني الشعر وأخيلته ميل الشعراء إلى المبالغة والتهويل، وإذا حاولنا تأصيل هذه الظاهرة وجدنا جذورها في تأثير الفرس وطغيان ثقافتهم، فقد كانوا مولعين منذ القدم بالإغراق في المبالغة، ووجد اتجاههم هذا صدى طيباً لدى الخلفاء، فاضطر شعراء العرب إلى مجارتهم في ذلك، كيلا ينفردوا بالتنعيم بما تمتلئ به قصور الخلافة من ألوان المتع واللذائذ. وإذن أصبح هم الشاعر محصوراً في التفوق على غيره في الإبداع، فإذا لم تسعفه الحقائق نزع إلى الإفراط والتهويل. وإذا كان المدح قد حظى بالنصيب الأكبر من هذه الظاهرة، فإنها امتدت منه إلى غيره من فنون الشعر، ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هذه الظاهرة قد تطورت بالشعر تطوراً سيئاً، وتحولت به إلى معرض للتلاعب بالألفاظ، وسيطر عليه التقليد الذي دخل به إلى كهوف التحجر والتجمد، ولم يقدر له الاستيقاظ من رقوده الطويل إلا في العصر الحديث.