فيُبرز مراتبهم العلمية ويُبيّن خصائص كل طبقة، مراعياً التدرج التاريخي والمعرفي الذي ميّز علم التفسير منذ عهد النبوة إلى زمانه. ويُظهر في هذا الباب منهجاً دقيقاً يجمع بين التحقيق التاريخي والنقد العلمي، بل يُبيّن مناهجهم ومصادرهم وطرائقهم في الفهم والاستنباط. يبدأ ابن جزيّ بذكر الطبقة الأولى، فكانوا أدرى الناس بمعانيه وأقربهم إلى مراد الله تعالى فيه. ومن أبرزهم: علي بن أبي طالب، وغيرهم من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن وبيّنوه للأمة. وأضافوا إليها ما فتح الله به عليهم من الفهم والمعرفة. ومن هؤلاء الأئمة: مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من علماء التابعين الذين أسّسوا لبناء علم التفسير على منهج علمي متين، يجمع بين النقل والرأي السديد. أما الطبقة الثالثة فهي طبقة من جاء بعد التابعين من العلماء الذين دوّنوا علم التفسير في كتب ومصنفات، فجمعوا بين الرواية والدراية، واعتنوا بوجوه اللغة والإعراب والبيان. ومن أبرزهم: محمد بن جرير الطبري، الذي يُعدّ من أعظم كتب التفسير بالمأثور، الذين أبدعوا في ربط النص القرآني بعلوم اللغة والبلاغة والفقه. ثم يختم ابن جزيّ بذكر الطبقة الرابعة من المفسرين المتأخرين الذين جاؤوا بعد أولئك الأئمة، فكانت تفاسيرهم جامعة بين منهج السلف وطرق المتأخرين. وغيرهم من العلماء الذين حافظوا على أصول التفسير ونقّحوا عباراته وأضافوا إليه ما اقتضته الحاجة من بيان وتوضيح. ويخلص ابن جزيّ في هذا الباب إلى أن خير التفاسير هو ما كان قائماً على النقل الصحيح والفهم العميق واللغة السليمة، مؤكداً أن كلام الله لا يُفسَّر إلا بما يليق بجلاله من الفهم الراسخ والعلم الواسع. وهكذا يُظهر هذا الباب عمق نظر ابن جزيّ في تتبّع مسار علم التفسير وتطور مدارسه، مبرزاً كيف تطوّر الفهم القرآني من جيل إلى جيل،