فقد جاء بحثنا هذا لإبراز جهود عالم متكن من العربية رغم أنه لم يكمل في تعليمه إلا المرحلة الابتدائية، ومع ذلك كان ذا ثقافة واسعة في اللغة وآدابها حتى صار بصبره وحلمه واعتماده في تعلمه على نفسه أديبا وشاعرا وناقدا ولغويا بصيرا بكلام العرب وبلغة العرب، ولم يكتف بذلك بل إنه تعلم الكثير من اللغات الأخرى وفي مقدمتها الإنجليزية والألمانية والفرنسية، وكان عارفا باللغات السامية أخوات اللغة العربية، وقد مكنته معرفته بهذه اللغات من معرفة أصول الفكر الغربي والفكر الشرقي على السواء إن نثرا وإن شعرا، كما مكنته من المقابلة والمقارنة بينها وبين العربية أظهر من خلالها الوقوف على العديد من المزايا والخصائص والسمات التي تتميز بها العربية على غيرها من اللغات الأخرى، بل استطاع الوقوف من خلالها على مراحل مهمة من تاريخ اللغة العربية الفصحى ونموها وتطورها، كما مكنته من الدفاع عن العربية ضد خصومها وفي مقدمتهم المستشرقين الذين أرادوا النيل منها والتقليل من شأنها. فقد كان – رحمه الله - موسوعي المعرفة حيث كان يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع، وقد قرأ واطلع على الكثير من الكتب. ومن ثم كان من أكثر الكتّاب الذين تفننوا في الكشف عن جمال العربية وخصائصها الذاتية، حيث خصص العقاد أكثر من كتاب بكامله لدراسة الظاهرة اللغوية بعامة واللغة العربية خاصة، وتاريخها وخصائصها، وقدّم لونا من البحث المقارن الرفيع بينها وبين مثيلاتها من اللغات قديمًا وحديثًا كما ذكرت توصل من خلاله إلى العربية لغة «علمية» تستوعب المصطلحات الأجنبية، والترجمات من الحضارات الحديثة، ولم تكن يوما لغة عاجزة عن التعبير بفضل المجاز الذي توسعت فيه أكثر من غيرها من اللغات الأخرى وهو أقوى السبل بل أقوى وأفضل من التعريب أو الاقتراض. ومن ثم فإن أهمية هذا البحث تأتي من النظر والتأمل فيما قدمه العقاد من نظرات مهمة حول اللغة العربية التي أحاط بجوانبها المختلفة التاريخية والصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والسياقية، ومن خلال الدفاع عنها ضد خصومها. فقد كان العقاد في كتبه الكثيرة والمتعددة في مجالات مختلفة والتي تحمل أفكاره ونظرياته حول الكثير من قضيا لغتنا الفصحى ومما يدل على عبقريته التي وظفها في معالجة قضاياها والدفاع عنها، إذ كان أحد العلماء الذين هيأهم الله -  - لحماية هذه اللغة من الدعوات الهدامة أو المغرضة ودحض الشبهات الزائفة التي أسيرت حولها. وقد تميزت نظراته وآراءه بالتحليل والتعليل والنقد البناء حيث كان يتتبع الفكرة من مصادرها وأصولها ويدقق في جزئياتها وفروعها حتى يصل إلى رأي قاطع بشأنها قبولا أو رفضا، وقد ساعدته معرفته بعلم اللغة الحديث على إدراك هذه الحقائق التي توصل إليها. فهذا العلم الذي تولاه أناس من غير أبناء الضاد، هو في رأيه علم يعطينا معيارًا صادقًا نعرف به مكان هذه اللغة العريقة بين لغاتهم الشائعة ومنها العريق والمستحدث منذ قرون لا تحسب من الآماد الطوال في أعمار اللغات، وأنها – أي علوم اللغة - التي يقررها نقاد الآداب واللغات تثبت لها «العلو» في الطبقة، كما تؤكد لها صفة الجمال التي لم ينكروها عليها. وبالمعيار المستفاد من هذه العلوم اللغوية نتعرف لها مكانتها بين الألسنة الناطقة، ونقول فيها - بغير لسان الفخر - ما ينبغي أن يقوله الناقد العربي والأجنبي بلسان التحقيق.