بنية القصيدة العربية عبر القرون : المقاومة والتجريب د. سلمى الخضراء الجيوسي اقترنت الحركة النقدية الحديثة عندنا ، منذ مطلع القرن العشرين ، بالاعتماد على النظرية الأدبية الغربية التي نشأت في القرون الثلاثة السابقة . إلا أن هذه النظرية كانت مبنية على دراسة الأدب الغربي ولم تستطع أن تشمل خصائص الشعر العربي التي تميز بها ، لا سيما خصائص الشكل العربي الموروث . وقد تولى بعض المستشرقين القدماء في الغرب هذا الأمر ، إلا أنهم لم يفهموا الشعرية العربية ولم يكونوا مندفعين إلى الإعتراف بالعبقرية العربية الفائقة التي ملأت الجزيرة العربية شعراً مبدعاً منذ القرن الرابع الميلادي على أقل تقدير ، وقد أطلق المستشرقون على القصيدة العربية صفات سلبية أهمها أن شكل القصيدة شكل رتيب لم يتطور لأن العرب محافظون وعقولهم جامدة فلا يتطورون وقد أخذ هذا عنهم عدد من الكتاب العرب بدءاً بنعيمة ولم تبدأ حركة إعادة النظر بأدوات النقد الحديث في التراث الشعري العربي وخصائصه المتميزة إلا في مطلع السبعينات من هذا القرن . مخلع ، متجزيء تجزؤ العقل العربي نفسه ، خطابي ، عاطفي ، يعاني من رتابة كبيرة مملة بسبب أوزانه وشكله الشعري ذي القافية الواحدة غير أن من يحب الشعر حباً حقيقياً يستطيع أن يرى الجمال في جميع الأشكال الإبداعية ، لأن ذوقه متعدد الأبعاد ، وهو لهذا يحب قصيدة النثر المبدعة بقدر ما يحب قصيدة الشطرين المبدعة . ولا بد لي من أن أذكر هنا أن الوضع ، بالنسبة إلى القصيدة العربية الموزونة ، قد تغير في الغرب كثيراً ، اليوم ، إذ قام عدد وافر من المستعربين من الجيل الجديد ومعهم عدد من النقاد العرب الجدد ، يدرسون تقنيات القصيدة العربية بصفتها تعبيراً عظيما متنوع الميزات عن إبداعات الإنسانية المبكرة . إنهم فريق من الباحثين بشروا بميلاد فترة جديدة في دراسة القصيدة العربية وعددهم يتزايد باستمرار. وهم يعملون بهدوء وثقة وجد بالغ معتمدين أدوات النقد الحديث ، ليكشفوا عن الميزات الشعرية الخاصة في القصيدة العربية، وهي ميزات لم تكتشف حتى اليوم إن تاريخ الهجوم على القصيدة العربية طويل ، وأشد ما يضايق فيه هو ذلك النقد الطائش لشكل الشطرين على أنه رتيب ومضجر . ما الذي كان يعرفه عن القصيدة أولئك المهاجمون ؟ إن القصيدة العربية لم تعط أسرارها قط لأولئك الذين قاربوها بسذاجة نقدية أو سوء ظن وإغراض . لقد تحدثوا عن ثبوت القصيدة العربية في شكلها ذي الشطرين والقافية الموحدة وكأنها لم تتغير منذ الجاهلية إلى اليوم في جميع عناصرها الأخرى : في اللغة، والصورة والموضوع والموقف واللهجة والرؤيا وبقية التقنيات من قصصية عمر بن أبي ربيعة ، إلى رمزية المتصوفة إلى زهريات العباسيين والأندلسيين ! فإذا كانت القصيدة قد مرت بكل تلك التطورات ثم خضعت لصناعة الزخرف والمحسنات اللفظية ثم عادت فاتصلت على أيدي شعراء النهضة الحديثة بالماضي العباسي وما أن استرجعت قواها حتى طاعت لتجارب الرومانسيين والرمزيين والواقعيين في هذا القرن وتعرضت تقنياتها للتغير المتلاحق في كل عنصر من عناصرها ما عدا الشكل ، إن دينامية التغير موجودة في كل فن حي - وهي مقترنة دائماً بعنصر آخر غاية في الأهمية وهو عنصر الإرهاق الجمالي Aesthetic Fatigue . إن الإرهاق الجمالي كان أبداً في الفن والحياة ، فهو ذلك الإحساس بالاكتفاء من تكرار شيء ما من مجموعة الجماليات التي يتعامل معها الإنسان باستمرار. ولعل التمثيل على هذا بأمثلة تبسيطية تنبع من التجربة الجمالية اليومية يفي بالغرض . فنحن جميعنا نعرف ما يصيب الأنغام أو الأغاني التي تشيع مدة من الزمن فلا يسمع الناس سواها تقريباً ثم يهجرونها بعد مدة ـ وكذلك ما يحدث للأزياء والألوان. ويفسر لنا ، جزئياً ، السر الذي يكمن وراء نزعة التغير المستمرة في والثاني هو الإعياء الذي يصيب خصائص المدرسة القائمة بعد تكرار متلاحق ، فتبدأ أدواتها بالتراخي وتتغلب عليها السلبيات الكامنة في المدرسة المعنية مثلاً : كان مجيء الرومانسية ضرورياً للشعر في العشرينات وما بعد كمدرسة مقاومة للمدرسة الكلاسيكية المحدثة ، جاءت لتصحح مثالها . فموضوعية الكلاسيكية المحدثة ، واهتمامها بالحدث والوصف الخارجي ، ثم ذلك التعادل الشديد فيها بين الفكرة والعاطفة والخيال ، أصبحت في النهاية في حاجة إلى ذاتية الرومانسية وخيالها المجنح واهتمامها بالتجربة الداخلية وعاطفتها الغنية لكي يعود الشعر متوهجاً بالحياة . إلا أننا ، مع السنوات ، رأينا كيف أدت وفرة العاطفة في الرومانسية إلى الميوعة العاطفية والأحزان الهروبية ، وكيف أدى التمادي في الخيال إلى الحشو والترهل إذ تتلاحق النعوت وتتكرر التعابير وتترادف المعاني في الخطاب الرومانسي مشيرة إلى إرهاق داخلي أصاب أدوات الفن فشعث سيطرة الشاعر عليها وحتم تغييرها . ونفس الشيء يحدث للمدارس جميعها فلماذا لم يصب الإرهاق بنوعيه الجمالي والتقني شكل الشطرين ، وكيف تجنب هذا الشكل الوصول لمدة خمسة عشر قرناً لم يفكر أي عربي في الشعر إلا على أنه شعر الشطرين والقافية الموحدة . وقد اقتصرت المحاولات الأولى لإحداث تغيير في نموذج الشكل على التلاعب بالقافية مما ينتج عنه المزدوج والمخمس والمسمط الخ ، ولشدة اعتزاز العرب بشعرهم أما الموشح فأمره مختلف - ذلك أنه في رأيي ، لم يكن قط تعبيراً عن ثورة شعرية ، بل كان محاولة ناجحة قام بها بعض الشعراء الشعبيين لكتابة أغان توافق ألحاناً معروفة في زمنها ، لعلها في الغالب الحان غير عربية الأصل . غير أن هذه قضية أصبحت معقدة جداً اليوم ، على بساطتها في نظري ، بسبب تدخل باحثين عرب وغير عرب في هذا الموضوع والاختلاف الشديد الذي ينتج عن ذلك . ولعل عدداً منهم يصر على أنها كانت ثورة شعرية للخروج على نظام الشطرين . إلا أن الثورات التي تنزع إلى التحرر لا تختار، عادة ، أشكالاً أكثر تعقيداً وأقسى شروطاً من النماذج التي نود التحرر منها . في العصر الحديث ، بدأت أيضاً محاولات كثيرة لتحرير الشكل الشعري وكانت كلها في البدء تستهدف القافية إما بتنويعها أو بالغائها كلياً في ما سماه الشعراء التجريبيون وقتها بالشعر المرسل . قام بهذه المحاولة الزهاوي وعبد الرحمن شكري ومحمد فريد أبو حديد وأحمد زكي أبو شادي . كما قام الأخير بمحاولة مزج البحور الشعرية العربية في القصيدة الواحدة ، غير أن كتابة الشعر المقطعي بقواف متراوحة أو محاولة كتابة الشعر المرسل مع الإبقاء على شكل الشطرين لم تفعل شيئاً نحو تحرير الشكل . نتائج سمعية : إيقاعية وموسيقية من جهة ، ونتائج أسلوبية من جهة أخرى . إن محاولة الكشف عن سر هذه المناعة في وزن الشطرين هو عمل النقد الإيجابي ، ولا شك أنها تعود إلى أسباب جمالية متداخلة في بنية القصيدة ولا علاقة لها فيما يزعمون من جمود العقل العربي وعجزه عن التغير ما أريد أن أتحدث عنه فيما يتعلق بشكل الشطرين هو أولاً قضية الرتابة المزعومة وثانياً مناعته إزاء التغير عبر أكثر من خمسة عشر قرناً ، عليها أخيراً إن لهذا الشكل منحيين رئيسيين متناقضين : الأول بساطته وليونته ، تلك المرونة الكاملة فيه التي تسمح للشاعر المجيد بالكثير من الحرية : بتلوين اللهجة ، وتراوح الإلقاء وتنويع الإيقاع والتوقيت ، وكذلك المزاج والموضوع ، دون أية تضحية بجلال أي بين الصدر والعجز ، التي لم يستطع شعراء الشطرين أن يتفلتوا منها ، فبيت القصيدة المنقسم إلى شطرين متساويين تقريباً يفرض على الشاعر وقفاً إجبارياً في نهايته أي البيت ووقفاً إختيارياً ولكن كثير الوقوع في نهاية الصدر . أما الصفة المعيقة الأخرى فإنها تنبع من النماذج الأسلوبية داخل القصيدة ، وهي نماذج نشأت من طبيعة هذه التقسيمات المفروضة على البيت الشعري الواحد جرتها إليها تحديدات الوقف هذه . وهكذا ، الأول يتصف بالحرية والسيطرة ، والثاني يتصف بالمحدودية والمقاومة . غير أن هذين العنصرين المتناقضين يعملان معاً رغم تضاربهما لكي يؤكدا سيطرة الشكل على الشعر وعلى الحساسية الشعرية عند العرب . هيمنة الشاعر وإذعان قدرته على الاختراع واضطراره إلى الإلتزام بقوانين غير مكتوبة . وقد كانت النسبة بين هذه العناصر المتضاربة عند الشاعر الواحد هي التي تحدد إن كان هذا الشاعر سيد شعره أم عبده ، سواه . كان المنحى الإيجابي في هذا الشكل ، يعطي مجالاً لا مثيل له للتلاعب بالإيقاع ، حتى إنه كان يبدو مكتفياً بذاته . وقد ملأه الصوفيون بالدعاء والمناجاة ، والرومانسيون بالمرح والأحزان ، والقوميون بالصلابة والعاطفة المشبوبة ، وطاع الشعر لهم جميعاً . وفي العصر الحديث ، يبرز شاعر كسعيد عقل ، يقف مبشراً بانجيل الرمزيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر وينتقد بقوة شعر العرب القدماء ، ومع ذلك فإنه لا يكتب شعره التجريبي إلا في شكل الشطرين الذي برهن مرة أخرى بين يديه على غناه ومرونته وبساطته وقدرته على التنوع إن للإيقاع في هذا الشكل إمكانات غنية غنى مذهلاً ، إذ ينبع هذا الإيقاع من ثمانين وزناً وأكثر هي البحور الستة عشر وتفرعاتها - هنا كان أمام الشاعر مجال لا يضاهي للتجريب في الإيقاع ومناوراته . والغريب أن هذا الغنى الإيقاعي الذي لم يحفل بمثله أي شعر أعرفه أو أعرف عنه ، لم يلفت نظر أي من أولئك الذين هاجموا الشكل الشعري فهل يؤدي هذا الشكل بالفعل إلى الرتابة ؟ إن الجواب عن هذا متعدد الجوانب . أولاً : إن كل شكل قد يؤدي إلى الرتابة في أيدي الشاعر الضعيف . في الخمسينات أذكر هذا جيداً ، هاجم شعراء الشكل الحر شكل الشطرين بحجة أنه ينضوي على رتابة مملة . غير أنه قبل أن تنقضي الخمسينات كان الشعر الحر قد دخل في رتابة واضحة مرهقة للسماع ، واحتاج شعراؤه بعد ذلك إلى إجراء تجارب كثيرة في الشكل الجديد حتى يتجنبوا الرتابة الكامنة فيه ثانياً : إن الشاعر المجيد قادر بمحض الغريزة الفنية أن يتغلب على مزالق الشكل الذي يكتب فيه ، التي يلجأ إليها الشاعر ، غريزياً ، لكي يتجنب الوقوع في سلبيات الشكل المعين . فما هي الوسائل التي لجأ إليها الشاعر العربي لكي يتجنب مزالق الرتابة في شكل الشطرين ؟ لو تأملنا القصائد العربية الشهيرة واستعنا في تأملها بقراءتها عالياً ، وجدنا ، دون استثناء ، أنها قد بنيت على دورات أو موجات تضم الواحدة عدداً من الأبيات تقل أو تكثر حسب حاجة المعنى إلى الاستيفاء ويكون المعنى داخل الدورة أو الموجة متكاملاً إلى حد كبير ولو أنه اتصل اتصالاً وثيقاً بالمعنى العام في القصيدة أو في الجزء المعين من القصيدة. ومع المعنى يجيء الإيقاع ، والعاطفة ، والصورة جميعها متكاملة داخل الدورة الواحدة . هذه العناصر تنمى داخل الدورة تدريجياً بحيث تصل عادة إلى ذروتها القصوى في نهاية الدورة . ويلاحظ الدارس أن هذه الخاصية تزداد حدة في الشعر المنبري أي الشعر الذي كتبه الشاعر ليلقيه من على المنبر . ونحن الآن في مهرجان للشعر وبالإمكان مراقبة هذا عن كتب ، يفرغها الشاعر لا في المعنى وحده ولكن أيضاً في نبرة صوته أثناء الإلقاء . وأظن أن هذا مألوف عند الجميع ، وكثيراً ما يحدث أن يكون رد الفعل هتافاً أو تصفيقاً إن هذه الدورات المعنوية المتكاملة بعناصرها واضحة في القصائد العربية التي تعلمناها من الصغر - ولو قرأنا قصيدة المتنبي ( واحر قلباه » أو قصيدة ابن زيدون أضحى التنائي ) اتضحت لنا هذه التقنية البارعة التي أتبعها الشاعر العربي غريزياً فتلافي بها إمكان الرتابة الكامنة في هذا الشكل . إن المراقب سوف يرى أن الشاعر ، بين هدوء وحرارة ، بين مد وجزر ، بين فيضان وانحسار ، يحافظ على حدود الموجة المعنوية العاطفية في تدفقها وانسجامها الدائمين ويكتب أفكاره وعواطفه وصوره وكلماته لتتناسب تماماً مع هذا التدفق والانحسار في الدورة الواحدة مناعة الشكل إن بناء القصيدة على هذه التقنية الدقيقة يعطيها نبضاً وحركة وإثارة . ولكنه لا يفسر لنا سر ثبوت الشكل الشعري ذي الشطرين كل هذه القرون الطويلة . غير أن السر إن محاولات التحرر الأولى للقصيدة الموروثة ، كما ذكرت، ركزت على القافية ، ولم تنجح أي من التجارب المتلاحقة في تنويع القافية أو الاستغناء عنها في تحرير الشكل الشطري ، لأن القصيدة في جميع هذه المحاولات بقيت قصيدة ذات شطرين متكافئين متوازنين . والدارس التاريخ هذه المحاولات سيدرك أنه ما دام الشاعر سيحتفظ بصفة التعادل والتوازن في القصيدة فإنه لن يستطيع التوصل إلى أي تحرير في الشكل . إن أولاً : الوقف بنوعيه : الوقف الاختياري في نهاية الصدر والوقف الإجباري في أهم خصائص شكل الشطرين فيما يتعلق بموضوعنا هي : نهاية البيت ثانياً : علاقة شطري البيت الواحد بالآخر ثالثاً : ما ترتب عن هذا من تقسيمات أسلوبية داخل البيت رابعاً : ما ترتب عن هذا من تقسيمات إيقاعية استقرت في الذاكرة العربية قروناً طويلة . الكثير الوقوع في آخر الصدر أي في وسط البيت لا بد أثر كثيراً في صياغة المعنى وتقسيم الكلام داخل البيت ، ومع تقسيم الكلام يجيء تقسيم الأفكار أيضاً وترتيبها . فإن من البديهي أن الأشكال الشعرية تفرض على الشاعر نوعاً من ترتيب الكلام والتحديد الجريان الألفاظ يتلاءم مع حدودها هي فالوقف في نهاية البيت معناه أن الكلام ينقطع بصرامة عادة مع نهاية هذا البيت ، وترن القافية مؤذنة بانتهائه . مكتفية بذاتها إعرابياً أما الوقف في وسط البيت فإنه يعني هذا في جميع الأحوال : هو أن الكلمة الأخيرة هذا الوقف الذي غلب على شعر الشطرين ينتج عنه أولاً تقسيم موسيقي شكلي للكلام وثانياً تقسيم الكلام في أمثلة كثيرة إلى جملتين أو جمل متكافئة أو إلى فعل الشرط وجوابه وهو تقسيم أسلوبي له علاقة حميمة بتركيب العبارة العربية في الشعر وبالتالي بالتعبير عن المعاني وأسلوب عرضها . إذاً ،