التاسعة والنصف مساء في عيادتي وقد فرغت من معايناتي وأستعد للرحيل. قضيت معهم مساء عاديًا، أفحصهم وأصف لهم الدواء، في مجتمع أعرف تماما أنه لن يستجيب. وتسمي نفسها سماسم في وسط معارفها، ترتدي ثوبًا ملوّنًا فوق قميصها الأخضر اللون، وذهبا حقيقيًا منقوشا بفن، ومتكدسا حول معصميها الممتلئين، سوى نشاز يضايق الشم، لم تكن المرة الأولى التي تزورني فيها سماسم، لكنها المرة الأولى التي تأتي فيها بهدية، الصنع، لا أدري كيف حصلت عليها، وكانت في ذلك الوقت ترفا لا تجده إلا عند الأثرياء. لقد كانت سماسم مصيبة أخرى من المصائب التي جرتها العيادة، وتسعى للزواج مني بصبر، وأشاعت في الحي أمر تلك الخطبة، لدرجة أن أحد إخوتها - وكان نشالًا محترفًا، يدخل السجن ويخرج بلا توقف قد زارني في أحد الأيام بلا مرض، وذلك الوشم على شكل ذبابة، المنحوت في ذراعه العارية، وطالبني أن أطرق الباب رسميًا بدلا من اللعب بعواطف بنات الناس، وأضاف وهو يخبط على طاولتي، بأنه يعرف الأطباء ومن هم على شاكلتهم من حاملي الألقاب جيدًا، ويعرف حيلهم في استدراج النساء الساذجات إلى شباكهم، وتركهن بعد ذلك بلا وازع من ضمير. حاولتُ إخباره أنني لا أعرف شيئًا عن أخته أكثر من كونها مريضة تتعالج عندي، لكنه لم يفهم، أو أراد ألا يفهم، وهو يصيح بصوت سمعه المرضى الجالسون في الصالة: نحن ننتظر قدومك برفقة أهلك. لا تتأخر . ثم أعقب كلامه بإشارة تهديدية من إصبعه بعد ذلك طالبت تلك السماسم المهووسة في أول فرصة رأيتها فيها، وأن تبتعد عن طريقي، ولا تدعني أتصرف بحمق، لكنها ابتعدت نحو شهر لم تأت فيه، والابتسامة التي تسع الوجه كله، آخ . آخ . وفي دفتر عز الدين يوجد اسمها، إنها إحدى معضلات مهنة الطب، أن تقبل بمعاينة نصاب وتدري تماما أنه نصاب، أو ترفض معاينة نصاب، ويموت في ذلك اليوم بالذات من مرض حقيقي، يعمل محصلا للنقود في إحدى حافلات النقل العام، ويتردد على المستشفى باستمرار، وتتم معاينته بدقة وعمل الأشعة والتحاليل المخبرية له ولا يعثر الأطباء على شيء، ولدرجة أنه كان في الأشهر الأخيرة، ويحيونه بمعرفة، ويسألونه عن أخبار العمل، ومباريات كرة القدم، وآخر فلم هندي عرضته السينما، ويتجاوزونه إلى مرضى آخرين، إلى أن مات يوما بانفجار في الزائدة الدودية، وقد مر أمامه سرب من الأطباء لم يلتفت إليه أحد منهم. أرقدت سهلة - سماسم - على طاولة الكشف القديمة التي هزها لا ثمة حقنة ستؤخذ أو دواء سيكتب بالرغم من تلويها وصراخها، والمريضة جلست في مواجهتي، فتأخذ منها واحدة بطعم الفستق، وتضعها أمامي، وتتحدث عن العوالم الشاعرية، تقول ذلك، لكن عينيها لا توافقانها. - أرجوك يا سهلة. اسمها المسجل على شهادة ميلادها، إمعانا في إبعادها، ولا تبتعد أذكرها بصعلكة أخيها وتهديده، أنا ولية أمر نفسي حسب الشرع، ألست مطلقة؟ وأنهض معلنا أن وقت زيارتها قد انتهى وعليها أن تخرج، لأن عددًا من المرضى ما زالوا ينتظرون في الخارج، وتنهض بعد تردد، تاركة علبة الحلوى في مكانها وترفض بشدة أخذها . مضت إلى الباب تمشي بتكسر مجنون، يساهم في تكسر مشيتها أكثر. أخرج إلى الطريق لأمضي إلى مروري الروتيني في المستشفى، لكن العربة لم تكن موجودة. سُرقت عربة والدي التي تستخدمها العائلة كلها، ولا نملك غيرها وأكاد أجن. كيف سُرِقت من أمام باب يدخل منه الناس ويخرجون بلا توقف؟ وكيف أن عز الدين لم يلحظ ذلك أو لم يسمع صوت محركها حين دار؟ هل يكون شقيق الطائشة سماسم قد أرسلها شركا يشغلني به مدة من الوقت وسرق العربة؟ لكنه - حسب علمي - نشال محترف للجيوب يصطادها في الحافلات وحافلات النقل العام، كنا نتلفت في الظلام أنا وعز الدين، وعدد من العابرين سمعوا بالخبر وتجمهروا، كل يدلي بإفادة مختلفة، أو يسأل أسئلة بلا معنى، وفي تلك اللحظة تقدم منّا شاب طويل، ويشبه طلاب المدارس الثانوية أو الجامعات، يوم هنا ؟ هل رأيتها ؟ قلنا أنا وعز الدين في صوت واحد. - نعم. رأيتها منذ ساعتين في الشارع العام المؤدي إلى البحر، وكانت مزينة بالورد، وتحمل عروسين في زفة. - هل أنت متأكد أنها هي؟ - كل التأكيد. قال، أن تتقدم عربة العائلة زفة في حي غريب، ولا نعرف من تزوج ومن زُفٌ في ذلك اليوم؟ وكيف تسرق عربة لتنفضح في زفة ؟ ومن سرقها ليستخدمها ذلك الاستخدام غير المألوف؟ في حي النور قريبًا من العيادة على بعد عدة شوارع، يوجد مركز صغير للشرطة به عسكريان في كل وردية، أو المشاجرات البسيطة التي تحدث أحيانًا بين الجيران بسبب أمور تافهة، وصلنا إلى المركز أنا وعز الدين نتصبب عرقا، وكان بداخله في تلك الساعة من الليل، شرطيان، أحدهما شاب في مقتبل العمر، والآخر يبدو قديمًا وعلى وشك التقاعد وتدل ملامحه وتلك الخطوط الرأسية الموشومة على خديه - نوعًا من الزينة التقليدية على أنه من أهل الشمال الذين كانوا أول من طرق العسكرية وتوظف بها في البلاد. واستخدامها في زفة عرس، فتولى العسكري القديم القضية، سجل البلاغ على دفتره الذي كان من ورق أصفر وبلا غلاف، وخطر ببالي أن أتهم المحتال (إدريس) علي ، والنشال شقيق المجنونة سماسم، ولا أملك دليلا على أحد. قلت: لا أعرف. -تفضلا معي لو سمحتما. لم يسألني حتى إن كانت العربة مسجلة باسمي أو باسم شخص آخر، ولا عن لونها وماركتها وأرقام تسجيلها، ولا سأل عز الدين، إن كان قد سمع شيئًا أم لا؟ كما كان يفترض في تلك الحالات، كان ظهره منحنيا إلى الأمام قليلا وهو يمشي، وجرابه المدلى من الخصر، بسبب تمزق الخيوط. وقد خطر لي أن أسأله عن سلاحه الذي ربما يحتاج إليه في مهمته، ويطلب من زميله البقاء بالقسم حتى يعود، وكان يصيح: هل تفهم ؟ لم تكن بالمركز سيارة مخصصة لتنقل العسكريين، ولا حتى دراجة نارية تستخدم في المهام العاجلة، عبرت أمامنا بالتوقف، وركبنا كلنا ، وقد كان صاحب (الكارو) واسمه جبران قد زارني مرة في العيادة يشكو من ألم ركبتيه بارعًا في تخطي الحفر والشوارع الموحلة، والدخول إلى أزقة ملتوية، يطل على أرض خلاء، وممتلئة بالناس وبقايا الأكل، وثمة مُغن لم أره من قبل، يرتدي القميص الأبيض القصير والصديري، يعزف على آلة العود، ويردد أغنية محلية اسمها (الشحم واللحم) كنتُ قد سمعتها من قبل تردد في العديد من الأعراس بالرغم من رداءة كلماتها ولحنها، نزلتُ من عربة (الكارو) مسرعًا قبل الشرطي، لم يفقد منها شيء، مسجلها العتيق ما زال يعمل، وولاعتها تعمل أيضًا، وكساء الجلد الذي كسوت به مقاعدها موجود في مكانه، ولا جديد سوى عدة كيلومترات أضيفت إلى عداد السرعة الذي أحتفظ في ذهني بقراءته دائمًا. وجيء بالعريس ونفر من أهله من وسط الساحة، اتضح منه ما حدث. كان العريس قد تعرَّف منذ فترة وجيزة في سوق الحي، فكان هو صاحب قلم زينب نفسه، وقد عرف إدريس بأمر العرس المقرر إقامته في ذلك اليوم، بعد تلقيه دعوة لحضوره من العريس، وتشرف العروسين، بدلًا من حشرهما في حافلة ممتلئة بالمدعوين، بسبب عدم الإمكانات، وسلمه مبلغ الإيجار كاملا، ووصف له البيت، وجاءهم بالعربة في أول المساء، لكنه لم يحضر. -نحن مستأجرون ولسنا لصوصًا جنابك، ولم نكن نعرف أنها عربة الدكتور، العربات تتشابه جنابك. كان أحد أقارب العريس يتحدث بهدوء واثق، وقد ترك عدد من المدعوين بمن فيهم نساء وأطفال ساحة الغناء، وتجمعوا حول العربة، بعضهم يجلس عليها ، وبعضهم ينقر على زجاجها، وما كانت هيئته تغري بإطلاق تلك الكلمة الفخمة عليه، لكنها كما يبدو كانت المحرك الوحيد لرفع المعنويات في مهنة شاقة تؤدى بلا عدة ولا عتاد، سمعت الشرطي يسأل. -صمغ ؟ ولا بد أنه يفكر في تلك الزفة المسروقة التي ابتهج فيها ساعتين، وحتما ستكون حديث الناس في حي النور وأحياء أخرى مشابهة، أيامًا طويلة بعد ذلك. - نعم صمغ . في اللحظات التالية كان عدد من المتطوعين قد اقتحموا بيت العرس والبيوت المجاورة له، أو خارج المدينة، كما هي العادة في تلك الأحياء الشعبية، وجاء أحدهم بعد دقائق من الانتظار، بعلبة صغيرة صفراء مفتوحة، وضعه على الصمغ المتجلط، ودهن موضع الشريط المنفلت على كتفه، ثم وضع العلبة في جيبه من دون أن يطالبه أحد بردها . كدت أضحك برغم تلك الظروف كلها، وألمح عز الدين يقف واجما كأنه اعتاد على تلك الحياة في حي يضج حياة. - اسمع. كان الشرطي يخاطب العريس الذي كان ما يزال يتلفت باستمرار، ولا تستقر عيناه على جهة معينة، يلتفون حوله بملامح متحفزة: - سيكون الدكتور كريمًا جدًا بعد أن استرد عربته، ولن يقاضيكم، لكنني لست كريما. أكمل زواجك وشهر عسلك، وتعال لمقابلتي في مركز الشرطة بعد ذلك لنتحدث قليلا عن استلام المال المسروق. انتهى. بالطبع صادر رأيي في تلك المعضلة من دون أن يستشيرني، أو إفساد فرحة لأحد، وقد استرددت عربة العائلة سليمة بلا نقص، وأيضًا مغسولة ومزينة بالورد، لكن بالطبع لم تحل معضلة إدريس حتى الآن، وأسمع الشرطي يخاطبني: وسنقبض عليه في أقرب وقت. لا بد أنها كانت عروسه يدخل بها إلى وسط الساحة الممتلئة،