والبيانات الضخمة إلى تغيير بيئة عمل الشركات، فلم تعد حوكمة المؤسسة مقتصرة على اجتماعات مجلس الإدارة والتقارير الورقية، بل أصبحت تتصل كذلك بأمن نظم المعلومات، ويبرز هذا التحول في الجزائر مع توسع استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية، وتزايد اعتماد المؤسسات على الحلول الرقمية في تسيير عملياتها. غير أن إدماج التكنولوجيا لا يضمن وحده حوكمة فعالة؛ وما الشروط اللازمة لفعالية تطبيقها؟ وتتفرع عن ذلك أسئلة تتعلق بمفهوم الحوكمة الإلكترونية وأبعادها وعلاقتها بحوكمة الشركات، واقتراح تدابير عملية تساعد الشركات على توظيف الرقمنة دون إغفال مخاطرها. المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للحوكمة الإلكترونية المطلب الأول: تعريف الحوكمة الإلكترونية وأبعادها تُفهم الحوكمة الإلكترونية في سياق الشركات بوصفها توظيفاً منظماً لتكنولوجيا المعلومات والاتصال في ممارسة وظائف الحوكمة، وهي ليست مرادفاً لرقمنة المعاملات أو شراء البرمجيات؛ ومن ثم تجمع بين البعد التقني والبعد التنظيمي والبعد الرقابي، مثال (1): يتيح نظام داخلي مؤمّن لأعضاء مجلس إدارة شركة الاطلاع على جدول الأعمال والوثائق قبل الاجتماع، غير أن فعاليته تتوقف على تحديد صلاحيات المستخدمين وحفظ سجل موثوق للتعديلات والاعتمادات. أي إمكان نسبة القرار إلى صاحبه ومتابعة تنفيذه؛ عبر قنوات تتيح للمساهمين وأصحاب المصالح التعبير عن مواقفهم؛ ويجب التمييز بين الحوكمة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية: فالأولى تخص إدارة العلاقات والرقابة داخل الشركة وبينها وبين أصحاب المصالح، بينما تشير الثانية غالباً إلى تقديم الجهات العامة خدماتها وإدارة تعاملاتها رقمياً. مثال (2): تُمكّن منصات بورصة قطر أو السوق المالية السعودية المستثمرين من الاطلاع على إفصاحات الشركات المدرجة إلكترونياً، وتبرز أهمية هذا التحديد في منع اختزال المشروع في اقتناء أدوات تقنية. لكنه يتيح تعديلاً غير موثق أو يفتقر إلى ضوابط النفاذ، كما أن الإفصاح الواسع لا يكون مفيداً إذا كان غير مفهوم أو غير قابل للمقارنة. لذلك ينبغي قياس نضج الحوكمة الإلكترونية بمدى تكامل التقنية مع السياسات الداخلية، ثم تحليل مدى توافق الأدوات الرقمية معها. مثال (3): تعتمد البنوك على صلاحيات وصول متدرجة إلى بيانات العملاء والعمليات، المطلب الثاني: تطور حوكمة الشركات ومبادئها وقد تطورت استجابةً لأزمات مالية وممارسات محاسبية أضعفت الثقة، وتُعد مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين من الأطر المرجعية الدولية التي تؤكد وجود إطار فعال للحوكمة، وأظهرت الواقعة أن وجود تقارير منشورة لا يكفي إذا لم تدعمها رقابة مستقلة ومساءلة فعلية. ويعكس تطور الحوكمة انتقالاً من نموذج يركز أساساً على علاقة المساهمين بالإدارة إلى مقاربة تعترف بأن استدامة الشركة تتأثر بالعاملين والدائنين والموردين والمجتمع والبيئة التنظيمية. برز الاهتمام المؤسسي بهذا المجال من خلال مبادرات إعداد ميثاق الحكم الراشد للمؤسسة، مثال (2): يفرض سوق الأوراق المالية على الشركات المدرجة نشر معلومات دورية وإعلانات جوهرية للمستثمرين، فقد تعتمد الشركة ميثاقاً للحوكمة دون أن تمنح لجنة التدقيق استقلالاً حقيقياً أو دون أن تعالج تضارب المصالح. كما تختلف الحوكمة المناسبة باختلاف هيكل الملكية: فالشركة العائلية تحتاج إلى قواعد تفصل بين شؤون العائلة والإدارة، مثال (3): تتيح بعض الشركات المدرجة في الأسواق العربية للمساهمين متابعة الجمعيات العامة والتصويت عبر وسائل إلكترونية وفق الضوابط المعمول بها.