الفصل الاول الفنون العربية قبل الاسلاملقد عمد المستشرقون المعنيون بالآثار الى الاشارة دائما بانه لم يكن للعرب قبل الاسلام معرفة بأي مظهر من مظاهر الفن سواء اكان في مجال العمارة والزخرفة ام في النحت والتصوير وذلك لعدم استنادهم الى حقائق ملموسة تخص هذه الفنون ويؤكدون على ان عرب الجزيرة كانوا من البدو الرحل ينتقلون وراء ماشيتهم من مكان لآخر . أن في هذا القول انتقاصا من حق العرب حيث أن المستشرقين يتجاهلون العرب المستقرة في مدن مهمة كان لها دور كبير في الحركة التجارية في الجزيرة العربية مثل مكة والطائف وخيبر والحديبية ويثرب . ولا يخفي بأن أشهر هذه المدن واكبرها هي مكة وقد كان لهذه المدينة اهميتها الدينية الكبيرة لوجود بيت الله الحرام فيها حيث يحج اليها العرب من انحاء الجزيرة العربية في كل عام . كذلك اهميتها التجارية بسبب موقعها الجغرافي على الطريق التجاري الذي يربط الشام من الشمال وبالين من الجنوب فتكون رحلاتهم التجارية الصيفية الى الشام والشتوية الى بلاد اليمنومثل ذلك عن موقعها الذي لا يبعد كثيرا عن البحر الاحمر حيث حيث تنقل اليها البضائع من موانى اوربا كالقسطنطينية وموانىء البحر المتوسط الأخرى ومن بلدان افريقيا عن طريق مصر . كذلك تردها البضائع من الهند والشرق الأقصى عن طريق اليمن .وقد ازدهرت تجارة مكة وكان لابد لتجارها من أن يعيشوا بالمستوى الذي يليق بمكانتهم الاجتماعية فكانوا يسكنون في بيوت على جانب من الثراء فرحلاتهم واتصالهم بالعالم خارج الجزيرة كانت عوامل مهمة في اطلاعهم على ما كان من مظاهر للحضارات المعاصرة حينذاك فلابد من أن يكون من تلك المظاهر شيء وان كان أمرا بسيطا ولكن لم ترد الينا معلومات عن طبيعة بناء هذه المساكن وما فيها من مظاهر فنية ، وخلاصة ما نعرف عنها ما يرد في الكتب من خلال سرد بعض الاحداث التاريخية حيث يرد ذكر دار الرسول ودارابي سفيان وابي جهل وابي لهب ودار الندوة التي كانت ملتقى زعماء قريش للتداول في مختلف شؤونهم العامة . ودار الارقم التي كانت ملتقى المسلمين مع الرسول () عندما كانت الدعوة الاسلامية سريةفالكعبة هي البناء الوحيد الذي كتب عنه المؤرخون بالتفصيل واسهبوا في وصفها نظرا لاهميتها الكبرى عند العرب منذ أن بناها ابراهيم وهم يحجون اليها في كل عام . فالحرم في مكة قبل الاسلام كان يتكون من فناء صغير مستطيل الشكل تحيطه اربعةجدران وداخل هذا الفناء يقع بئر زمزم . وكان الخشب الذي استخدم في البناء من سفينة رومية تحطمت على شاطيء البحر الاحمر فنقلت الى مكة لتستخدم في البناء علما ان هذا الطراز (استخدام الخشب مع الحجر كان معروفا في بلاد الشام في تلك الحقبة التاريخية ويعتقد ان العرب قد استعانوا بمعمار كان على ظهر السفينة المحطمة اسمه باقوم في تشييد ذلك النوع من البناءباستخدام الخشبويذكر الازرقي ان الكعبة كانت مزينة الجدران بصور الشجر وصور الانبياء ومنهم ابراهيم بهيأة شيخ يستقسم بالازلام وصورة عيسى بن مريم وامه وصور الملائكة ، فلما كان يوم فتح مكة دخل الرسول () فارسل الفضل بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم امره بازالة تلك الصور وكان قد وضع كفه الشريفة على صورة المسيح وامه وقال : امحوا جميع الصور الا ما تحت يدي ونظر الى صورة ابراهيم فقال : قاتلهم الله جعلوه يستقيم بالازلامما لابراهيم والازلام .اما فيما يخص الاسوار والحصون الدفاعية فقد وردت اشارات تاريخية الى بعضها مثل سور الطائف وحصن خيبر وحصن فارح ولكن لم تردنا تفصيلات معمارية عن طبيعية بناء هذه الاسوار والحصون. ولكنها تبدو ذات مواصفات جدران الحصون المنيعة المعززةبالابراج والفتحات الخاصة برمي السهام على الاعداء . اهتم العرب بصنع التماثيل لاغراض دينية بحكم ديانتهم الوثنية ، وكان لصناعة التماثيل من هو متخصص بهذا العمل من اجل التكسب وقد نصب العديد من هذه التماثيل داخلالكعبة وكان لكل قبيلة عربية تمثال خاص بها تأتي به في موسم الحج لتضعه في الكعبة ذكرى الحجة تلك القبيلة في ذلك العام وغالبا ما تكون مصنوعة من الحجر فتسمى الاوثان أو من مادة ذات قيمة كالشخب أو الفضة أو الذهب فتسمى الاصنام ولم يرد اي شيء عن طبيعة هذه التماثيل واساليب نحتها وهل كانت متأثرة بأساليب معينة مما كان يراه التجار العرب في بلاد الشام او الين او بلاد وادي الرافدين من تماثيل بمختلف الاساليب الفنيةوفضلا عما اشار اليه الازرقي من المصورات الموجودة على جدران الكعبة فقد اشار احمد تيمور في كتابه التصوير عند العرب الى ان للعرب بعض المصورات كانت مرسومة على الاقداح والسيوف والخيام . وبعد فتح مكة أتلفت جميع التماثيل التي كانت في داخل الكعبة كما قضي على كل تمثال وقع في ايدي المسلمين وذلك لما يتطلبه الظرف الذي كان قائما وقتئذ وهو الخوف من العودة الى الشرك. وكان لاندثار بعض المدن والحصون وعدم اجراء التنقيبات في الجزيرة العربية طيلة قرون عديدة لم يكشف عن طبيعة الفنون العربية قبل الاسلام . الا ان جامعة الرياض قامت حديثا بتنقيبات - واسعة في قرية الفاو السعودية التي تقع آثارها على طريق صحراء الربع الخالي في مكان يسيطر على الطريق التجاري بين اليمن من الجنوب والى الخليج والعراق من الجهة الشمالية - الشرقية والى الشام من الجهة الشمالية - الغربية وعلى بعد ٦٨٠ كيلو متر جنوبغربي مدينة الرياض و ۲۸۰ كيلو متر شمال شرق نجران . كان أول من وصلها الرحالة (فيلبي) وبصحبته السالم البلجيكي (ريكمانز) عام ١٩٥٢ وعلى اثر اكتشافها نشرا دراسة عن بعض النقوش وقدما وصفا موجزا للموقع مع خارطة مبسطة له . وفي عام ١٩٦٩ قام العالم البلجيكي البرت) جام) بدراسة لبعض الكتابات والنقوش المنتشرة على سفح الجبل الممتد شرق الموقع وفي عام ۱۹۷۱ قام الدكتور عبد الرحمن الطيب الانصاري عميد كلية الآداب فيجامعة الرياض والمتخصص بالآثار بزيارة اولى للموقع . اما التنقيب الفعلي فقد بدأ في عام ۱۹۷۸ باشراف ۱۰ قسم الآثار والمتاحف في الجامعة المذكورة .كشف الموقع عن مساحة تزيد على (۲۰۱٦/٠٠٠) بدرجات عمق مختلفة تتراوح بين٢-٤) امتار والمساحة المكتشفة هذه لا تشكل أكثر من من مساحة الموقع الكلية وتاريخ القرية يعود الى الفترة الممتدة بين القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن الثالثبعد الميلاد .وحضارة قرية الفاو تقع ضمن دائرة التراث الحضاري المتجانس للجزيرة العربية وتوضح ادلتها الأثرية ما تمتعت تلك الحضارة من اصالة امام التحديات الحضارية المعاصرة والحضارتين الهلنستية والرومانية. وتبرز هذه الاصالة في الاسلوب الذي ظهرت به الخصائص المحلية وبالشكل الذي حورت به العناصر الدخيلة لتتناسب والمفاهيمالموروثة . ان اهم المكتشفات تتمثل في مجموعة من الالواح البرونزية المكتوبة بالخط المسند الجنوبي. وفي بعض النقوش والكتابات المتفرقة التي تثبت اسم المكان بـ «قرية» ولقرية دور اساسي مهم في تاريخ الجزيرة العربية القديمة كعاصمة لقبيلة كنده ۱ التي اشارتاليها كتابات جنوب الجزيرة ، وجاء ذكرها ايضا لدى الجغرافيين العرب كالبكرىوالهمداني .كشفت اعمال التنقيب عن مجتمع قرية الفاو الذي كان يتكلم العربية ويكتب بالخط المسند الجنوبي. وكان مجتمعا موهوبا ذا خلفية تراثية انتقل من حياة البداوة وتقشفها وبساطة الصحراء الى ادراك مباهج حياة المدينة وترفها وكان سكانها بحكم موقعهااظهرت التنقيبات في الحي السكني لقرية الفاو شبكة من الشوارع والطرق المستقيمة نسبيا تتقاطع او تلتقي بزوايا قائمة مشكلة بينها قطاعات طولية الشكل بنيت فيها الوحدات السكنية كما ظهرت ثلاث وحدات سكنية اغلبها كان من طابقين الاعلى للنوم والارضي للنشاطات اليومية حيث وضعت في غرف الطابق الأرضي المواقد والرحىو مرابط الانوال والمطابخ . ولقد عثر أيضا على بعض الاواني الفخارية والمزججة (ش (۳) باشكال مختلفة كالجرار والاباريق والصحون والقدور والكؤوس وبعض الاواني الزجاجية كالاطباق والقوارير والكؤوس . وعثر على ادوات مصنوعة من النحاس والبرونز والحديد واواني كبيرة مصنوعة من الفضة والذهب (ش) (٤) . كما وجدت بعض الاقراط والحلي وادوات الزينة النسائية كقوارير العطور والمراود والدبابيس . ان التماثيل الحجرية والمعدنية التي عثر عليها هنا تمثل مزيجا حضاريا يمتد من القرن الثاني قبل الميلاد في الين خاصة بالنسبة للمنحوتات المرمرية حيث تبدو فيها تأثيرات ١٣ اسطورية من العصور الهلنسنية والرومانية والفرثية . وعثر على بعض المسكوكات التي يعود تاريخها الى ما بين القرنالأول وبداية القرن الرابع الميلادي . ان أهمية حفريات الفاو قد زودتنا بمعلومات موثقة عن المستوى الحضاري الذي كان عليه احد مجتمعات الجزيرة قبل الاسلام كما أظهرت ان مدن الجزيرة كانت أكثر من مجردمراكز تجارية ، انها كانت مراكز سياسية وحضارية ايضاً . وكل ما تقدم يمكن ان يكون ردا حاسما على بعض المستشرقين المتعصبين ضد العرب الذين يقولون بعدم معرفة العرب للفنون قبل الاسلام وانما تعلموه من شعوب اختلطوا بها بعد الفتوح الاسلامية وينتقصون من حقهم ويصفونهم بالبداوة وبالجهل في كل مظاهر الحياة المتحضرة . الفنون في جنوب الجزيرة العربيةتعد ارض اليمن اغنى بقاع الجزيرة العربية واخصبها واكثرها سكانا وكان يسميها القدماء بلاد العرب السعيدة ، كان سكان اليمن يمارسون الزراعة والتجارة معا ولهم علاقات تجارية قديمة جدا بالمصريين والشرق الاقصى. ولقد حول اهل اليمن ارضهمالمتموجة الوعرة الى مساطب متدرجة لغرض استغلالها في الزراعة . حکمت دولة معين بلاد اليمن في الفترة ما بين (۱۳۰۰) - ٦٣٠ ق . م) استنادا الى الكتابات المدونة بالخط المسند ، وظهرت هذه الدولة في الجوف وهي منطقة سهلة تقع بين نجران وحضر موت تسقيها مياه الامطار وتكون سيولا تسيل في أودية تحيط بهاالجبال من جهات ثلاث .وقد عثر في جزيرة ديلوس - احدى جزر اليونان التي يعود تاريخها الى (۲۰۰) ق . م) - على كتابات بالخط المسند عرف من خلالها نظام الحياة الاجتماعية والسياسية الدولة معين واسماء ملوكها ومدنها الشهيرة.كانت الرؤساء القبائل دور يتخذونها مجالس يجتمعون فيها للبت في مختلف امور الحياة كما كان لكل مدينة من مدنهم مزود) ۱۳) وهي شبيهة بدار الندوة عند اهل مكة للتشاور في امور الحرب والسلم . كما انشئت الحصون والابراج والمعابد المتعددة وقد يخصص معبد لعبادة اله واحد يسمى المعبد باسمهتعد (قرنو) العاصمة اشهر مدن معين وقد عرفت بأسم (معن) كان يحيط بها سور عظیم ارتفاعه ١٥ مترا وفي بعض اقسامه فتحات للمراقبة ورمي السهام . وقد اشار بعض المؤرخين الى البناء والزخرفة في هذه المدينة. وقد بقيت مدينة قرنو عامرة بالسكان حتى القرن الثاني عشر ق . م ثم هجرت ولم يبق منها سوى اطلال الحضارة اقوام وصلت حتى الجزز اليونانية واقامت فيها .وعاصرت مملكة حضرموت دولة معين وكانت عاصمتها (شبوة) وقد وجد في خرائبها بقايا سد وقنوات للاستفادة من المياه عند الحاجة ، كما توجد بقايا الحصن (أنود) وهو الموضع الذي كان يحتفل به الملوك عند تتويجهم. واشتهرت مدينة (مذاب) الحضرمية بمعبدها المخصص للاله (سين) الذي يرمز الى القمر. ومن درس هذا المعبد يؤكد ان حضارة حضرموت وبقية الاماكن العربية الجنوبية القديمة كانت قد تأثرت بالمؤثرات الحضارية العراقية ثم بعض التأثيرات بعد ذلك من الحضارة الرومانية . وقد وردت بعض النقوش الحيوانات تدل على فن وبراعة واتقان في معبد آخر في مكان يسمى (مشور) كذلك عثر في بعض موانى حضرموت على بقايا خزف يعتقد بعض الاثاريين أنهمستورة من موانىء البحر المتوسط في القرن الأول الميلادي . عاصرت مملكة قتبان معين وقد جاء اسمها في كتابات قتبانية وغير قتبانية ساعدت ولقد اهتم الملوك القتبانيون بفن العمارة وكان من المهندسين من انشأ الممرات الوعرة للقوافل وحفر الانفاق في الجبال ليمر منها السابلة ١٤ وبنى المعبد للالهه. وعاصمة قتبان مدينة (تمنع) في وادي بيحان في منطقة خصبة وافرة المياه والمزارع وما تزال بقايا نظم الرى القديمة قائمة حتى اليوم .