هي خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي، وكيف اختار الزمان والمكان والحال المناسب لإلقاء خطبته. وتتجلى هذه الخطبة في أنها موجهة لأناس لم يسلم منهم الولاة إطلاقاً، ولم ينفع معهم أي أسلوب في ردهم لجادة الصواب، فكانت خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي الشرارة السياسية الأولى لاستبباب حكم بني أمية في العراق برهة من الزمن. يحدّث عبدُ الملكِ بنِ عميرٍ الليثيِّ وهو شاهد عيّان على ما جرى، فيصف المكان وهو المسجد الجامع بالكوفة حيث يعتبر أكبر تجمع للخطابة، وعند دخول الحجاج للمسجد، صاح بهم أحدهم منبه لدخول والي بني أمية الجديد، وهنا ذكر الليثي حالة الحجاج التي دخل بها، والجلوس على المنبر ساعة بدون كلام، وهذا النوع من المواصفات تدل على نوعية الخطاب الذي سيلقى (الأيدلوجيا)، افتتح خطبته بالبيت الشعري الشهير لسحيم بن وثيل الرياحي، أَنَا ابنُ جَلا وطَلاَّعِ الثَّنَايَا *** متى أَضَعِ العِمَامَةَ تَعْرِفُونِي وذلك في اللغة كناية عن الشخص المتعالي بنفسه، وأما العمامة فتلبس عند الحرب وتوضع عند السلم. كما تبين ذلك قصيدة البردة لكعب بن زهير عند النبي محمد عليه الصلاة والسلام في حال الرجاء. وكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى الدِّمَاءِ بينَ العَمَائِمِ واللِّحَى تَتَرَقْرَقُ". مشيراً إلى أنه حان قطع الرؤوس، حين أمر جنوده المنتشرين في المسجد بأن يقتل كل من يخرج من أي باب من أبواب المسجد عدا الباب الذي جعله آمن لخارجيه، وهذا الأسلوب الخطابي فيه صفة "درجة اليقين". ثم عاد للغة الشعر مستشهداً ببيت رويشد بن رميص العنبري قائلاً: وذكر بعد ذلك ثلاثة أبيات أخرى تمهيداً لما سيوضحه في خطابه نثراً في توجيه الناس للقتال بإمرة الملهب بن أبي صفرة، ونجد على الجملة في اختيار بعض الأبيات استشهاد صريح وواضح وانتقائي لما ينوي القيام به من تخيير الناس بين القتال أو سفك دمائهم. وتخيلوا أن هذا الكلام صادر مع وجه عبوس وصوت صاخب وجهوري، ماذا نتوقع من الجالسين أمامه غير أن يعمهم الصمت والخوف وهم يرون الحراس في كل مكان. ثم جاءت الخطبة في وسطها وخاتمتها بالجمع بين وعيد الحجاج لأهل الكوفة وبين توجيههم للقتال بقوله: وهنا نلاحظ بداية لأول أسلوب في أدبيات الخطاب السياسي وهو التقبيح لأهل الكوفة، ثم الأسلوب التالي وهو الاستعارة حيث أراد أن يوضح بأنه لا يروعه ما ليس بحقيقة كمثل الإبل يحرك أمامها القربة، ثم ذكر بعد ذلك تولية حاكم الدولة الأموية له على أهل العراق، وهذا أسلوب خطابي يدل على إضفاء الشرعية له، "وَإِنَّ أميرَ المؤمنينَ أطالَ اللهَ بقاءَه نَثْرَ كِنَانَتَهُ بينَ يَدَيْهِ، "أَمَا واللهِ لَتَسْتَقِيمُنَّ على طريقِ الحَقِّ أو لأَدَعَنَّ لكلِ رجلٍ منكم شُغْلاً في جَسَدِهِ" وفي هذه العبارات أسلوب من أساليب الخطاب السياسي المعروف بـ "القمع والقهر"، بالإضافة إلى أدوات التأكيد الأخرى، وفي ذلك قوة للخطاب بكل أنواعه. وكان حصيلة ذلك اليوم قتلى على أبواب المسجد ممن لم يستمع لكلامه، وهناك من أصابه الرهب طيلة حكم الحجاج.