5- الله يُحقق تصميمه: العناية الإلهية ولكنها لم تخرج من يدي الخالق كاملة الكمال. إنها مخلوقة في حالة مسيرة إلى كمال أقصى عليها أن تبلغه بعد، ونحن ندعو عنايةً إلهيةً التدابير التي يقود بها الله خليقته إلى كمالها. "بالغةً من غايةٍ إلى غايةٍ بالقوة، ومدبرة كل شيء بالرفق" (حك1:8). "فلذلك ما من خليقة مستترةٌ عنها، بل كل شيء عارٍ لعينيها" (عب13:4)، حتى الأشياء التي يأتي بها عمل الخليقة الحُرّ». شهادة الكتاب المقدس إجماعية: اهتمام العناية الإلهية واقعيٌ وفوري، من أحقر الأمور الصغيرة إلى أحداث العالم والتاريخ العظيمة. والأسفار المقدسة تشدد على سيطرة الله المطلقة على مجرى الأحداث:«إلهنا في السماء وعلى الأرض، وعن المسيح قيل:«يفتح فلا يُغلق أحدٌ، ويُغلق فلا يفتح أحد» (رؤ7:3)؛ «في قلب الإنسان أفكارٌ كثيرة، هكذا نرى الروح القدس، كثيراً ما ينسب إلى الله أعمالاً، ليس ذلك «أسلوباً في التحدث» بدائياً، ولكنه نهج عميق في التذكير بأولية الله وسيادته المطلقة على التاريخ وعلى العالم، وصلاة المزامير هي المدرسة الكبرى لهذه الثقة. يسوع يطلب استسلاما بنوياً لعناية الآب السماوي الذي يُعني بأصغر حاجات أبنائه:«لا تقلقوا إذن قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب؟ (. أبوكم السماوي عالمٌ بأنكم تحتاجون إلى هذا كله. بل أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله يُزاد لكم» (متى31:6-33). وليس ذلك علاقة ضعفٍ، ولكنه دليل عظمة الله الكلي القدرة وجودته؛ لأن الله لا يمنح خلائقه أن يوجدوا وحسب، بل يمنحهم أيضاً كرامة العمل الذاتي، ويشتركوا هكذا في إتمام تصميمه. والله يمنح البشر المقدرة على الاشتراك الحر في عنايته بأن يُلقي إليهم بمسؤولية «إخضاع» الأرض والتسلط عليها. وهكذا يُعطي الله البشر أن يكونوا عللاً عاقلة وحُرة لإتمام عمل الخلق، وتحقيق التناغم لصالحهم وصالح قريبهم. وإن كان البشر في كثير من الأحيان شركاء غير واعين في إرادة الله، فإنهم يستطيعون أن يدخلوا اختيارياً في التصميم الإلهي، وهم يصبحون إذ ذاك كلياً «عاملين مع الله» (1كو9:3) وملكوته. 308- حقيقة لا تنفصل عن الإيمان بالله الخالق: أنَّ الله يعمل في كل عمل لخلائقه. إنه العلة الأولى التي تعمل في العلل الثانية وبها:«الله هو الذي يفعل فيكم الإرادة والعمل نفسه على حسب مرضاته» (فيل13:2) وهذه الحقيقة بعيدة عن أن تحط من كرامة الخليقة، فالخليقة التي أنشأتها من العدم قدرةُ الله وحكمتهُ وجودته، لا تستطيع شيئاً إذا اجتُثت من أصلها، لأن «الخليقة تتلاشى بدون الخالق» ؛ وهي إلى ذلك لا تستطيع أن تبلغ غايتها القصوى بدون معونة النعمة. خالق العالم منظماً وحسناً، يعتني بجميع مخلوقاته، فلماذا الشر موجود؟ عن هذه المسألة الملحة بقدر ما هي حتمية، ما من جواب سريع يكفيها. الجواب هو مجموعة الإيمان المسيحي: جودة الخلق، أناة محبى الله الذي يسعى إلى ملاقاة البشر بعهوده، بتجسد ابنه الخلاصي، بالدعوة إلى حياةٍ سعيدة والمخلوقات الحرَّة مدعوةٌ مسبقاً إلى قبولها، كما هي قادرة أيضاً مُسبقاً، ما من حرفٍ في الرسالة المسيحية لا يدخل في الجواب عن مسألة الشر. لماذا لم يخلق الله عالماً من الكمال بحيث لا يتمكن أيُ شر من الوجود فيه؟ الله، يستطيع دائماً أن يخلق شيئاً أفضل. ومع ذلك فقد أراد الله، واختياره أن يخلق عالماً «في حالة مسيرةٍ» إلى كماله الأقصى. مع ظهور بعض الكائنات انقراض غيرها، مع أعمال بناء الطبيعة أعمال هدمها أيضاً. فمع الخير الطبيعي يوجد أيضاً الشر الطبيعي ما دام الخلق لم يبلغ كماله. بكونهم مخلوقاتٍ عاقلة وحُرة، يجب أن يسيروا نحو غايتهم القصوى باختيار حرّ ومحبة للأفضل. وهكذا دخل الشر الأدبي العالم، وإن لم يكن له وللشر الطبيعي قياسٌ مشترك، لا يدع أبداً أيَّ شر يكون في صنائعه لو لم يكن له من القدرة والجودة ما يكفي لاستخراج الخير من الشر نفسه». يستطيع أن يستخرج خيراً من عواقب شرٍ، قال يوسف لإخوته: «لا أنتم بعثتموني إلى ههنا بل الله؛ أنتم نويتم علىَّ شراً والله نوى به خيراً لكي يُحيي شعباً كثيراً» (تك8:45؛ ومن أعظم شر أدبي اقترف على الدهر، أعظم الخيور: تمجيد المسيح وفداءَنا. والشر لا يتحول مع ذلك إلى خير. «كلُّ شيء يسعى لخير الذين يحبون الله» (رو28:8). وفي شهادة القديسين المتواصلة ما يُثبت هذه الحقيقة: وهكذا فالقديسة كاترينا السيينية تقول: «للذين يتشككون ويثورون من جراء ما يصيبهم»: «كلُّ شيءٍ يصدر عن المحبة، كل شيءٍ موجه لخلاص الإنسان. الله لا يعمل شيئاً لهذه الغاية» والقديس توما مور، يقول معزياً ابنته: «لا شيء يمكن أن يحصل بغير إرادة الله. هو مع ذلك أفضل ما يكون لنا». وتقول الليدي جوليان دي نورويتش: «لقد أدركت، أنه من الواجب أن أتشبث بالإيمان تشبثاً شديداً، وأن أعتقد اعتقاداً ليس دونه ثباتاً، أن الأمور كلها ستكون حسنة . وسترى أن الأمور كلها ستكون حسنة». نحن نؤمن إيماناً ثابتاً أن الله سيد العالم والتاريخ. عندما نر الله «وجهاً إلى وجه» (1كو12:13)، ستتضح لنا السُّبل اتضاحاً كاملاً، يقود الله خليقته عبرها إلى راحة السبت النهائي، 6- الإنسان على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم» (تك27:1). فللإنسان محلٌّ فريد في الخليقة: إنه «على صورة الله» ؛ بين جميع الخلائق المرئية، الإنسان وحده «يستطيع أن يعرف خالقه ويحبه». إنه «على الأرض الخليقة الوحيدة التي أرادها الله لذاتها». وهذا هو سبب كرامته الرئيسي: وقد شُغِفت بها؛ إذ إنك خلقتها بمحبة، وبمحبة أعطيتها كياناً قادراً أن يتذوق خيرك الأزلي». بل هو شخصٌ ما. إلى معاهدة مع خالقه، ولكي يقدم له الخليقة كلها: الوجه الحي العظيم والعجيب، الأكرام في عيني الله من الخليقة كلها جمعاء: إنه الإنسان، ولأجله وُجدت السماء والأرض والبحر وسائر الخليقة، وخلاصه هو الذي علق عليه الله مثل هذه الأهمية حتى إنه لم يوفر ابنه الوحيد نفسه في سبيله. وإن الله ما انفك يسعى السعي كله لكي يرقى بالإنسان إليه ويُجلسه إلى يمينه». «إن سر الإنسان لا يفسره تفسيراً حقيقياً إلا سرُّ الكلمة المتجسد». «القديس بولس يعلمنا أن رجُلين اثنين هما في أساس الجنس البشري: آدم والمسيح . وهو يقول: إن آدم الأول خُلِق كائناً بشرياً نال الحياة؛ وأما الآخر فكائن روحاني يُعطي الحياة. الأول خلقه الآخر ومنه نال النفس التي تُحييه . آدم الثاني جعل صورته في آدم الأول عندما كان يجبله. إذ إن الأخير هو الأول في الحقيقة، على حد ما قال هو نفسه:«أنا الأول والأخير». إذا كان الجنس البشري من أصلٍ مُشترك فهو يؤلف وحدةً؛ ذلك أن الله «صنع من واحدً كل أمة من البشر» (أع 26:17): في وحدة طبيعته، المركبة عند جميع تركيباً واحداً من جسم مادي ونفس روحانية؛ في وحدة غايته الفورية ورسالته في العالم؛ بحق طبيعي، أن يستعملوا خيراتها لكي يحافظوا على الحياة ويُنموها؛ في وحدة غايته العُليا: الله نفسه الذي يجب على الجميع أن يتوجهوا إليه؛ (. ؛ في وحدة الافتداء الذي قام به المسيح لأجل الجميع». «نظام التضامن البشري والمحبة هذا»، والثقافات والشعوب، الشخص البشري، المخلوق على صورة الله، كائنٌ جسديٌ وروحانيٌ معاً. والرواية الكتابية تعبر عن هذه الحقيقة بكلام رمزي عندما تثبت أن «الله جبل الإنسان تُراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حيّة» (تك7:2). فالإنسان بكامله كان في إرادة الله. كثيراً ما ترد اللفظة نفس في الكتاب المقدس بمعنى الحياة البشرية، أو كامل الشخص البشري . ولكنها تدل أيضاً على أعمق ما في الإنسان وأثمن ما فيه]، أي ما يجعله على وجه أخص صورة الله:«نفس» تعني مبدأ الإنسان الروحاني. يشترك جسدُ الإنسان في كرامة «صورة الله»: إنه جسدٌ بشريٌ لأن النفس الروحانية تبث فيه الحياة، «الإنسان واحدٌ بجسده ونفسه، وهو بوضعه الجسدي نفسه يجمع في ذاته عناصر العالم المادي، بحيث تبلغ فيه قمتها، وترفع بحرية إلى الخالق صوت حمدها. فلا يجوز للإنسان إذن أن يحتقر الحياة الجسدية، بل عليه أن يعامل جسده بالإحسان والإكرام لأنه خليقة الله ومُعدٌ للقيامة في اليوم الأخير». وحدة النفس والجسد هي من العمق بحيث يجب أن تُعد النفس «صورة» الجسد؛ في الإنسان، ليسا طبيعتين اثنتين متحدتين، الكنيسة تعلم أن كل نفس روحانية يخلقها الله مباشرة؛ وهي تعلمنا أيضاً أنها غير مائت]؛ إنها لا تتلاشى عندما تفارق الجسد بالموت، وهي تعود إلى الاتحاد بالجسد في القيامة الأخيرة. يحصل أحياناً أن نُميَّز النفس من الروح. وأجسادكم، بغير لوم عند مجيء ربنا» (1تس23:5). والكنيسة تُعلم أن هذا التمييز لا يُدخل في النفس ازدواجية. «الروح» يعني أن الإنسان موجَّه منذ خلقه إلى غايته الفائقة الطبيعة، وأن نفسه قادرةٌ على أن تُرقى مجاناً إلى الشركة مع الله. تقليد الكنيسة الروحي يُشدد على القلب بالمعنى الكتابي لـ«عُمق الكيان» (إر33:31) حيث يُقرر الشخص أنه الله أولاً. مُساواة واختلاف أرادهما الله. الرَّجُل والمرأة خُلِقا أي إن الله أرادهما: في مساواة كاملة، لكونهما شخصين بشريين من جهة، ومن جهةٍ أُخرى بكيانهما الخاص رجلاً وإمرأة. على صورة الله. فهو ليس رجُلاً ولا امرأةً. الله روح محض ليس فيه مكان لاختلاف الجنسين. وقد أرادهما الله الواحد للآخر. وكلام الله يُسمعنا ذلك بتلميحات مختلفة في النص المقدس. «لا يُحسن أن يكون الإنسان وحده فأصنع له عوناً بإزائه» (تك18:2). ما من حيوان يمكن أن يكون هذا الـ «بإزاء» الإنسان. والتي أتى بها الرجل، تبعث من الرجل صُراخ إعجاب، صراخ محبةٍ وشركة: «هوذا هذه المرّة عظمٌ من عظامي ولحم من لحمي» (تك23:2). من البشرية نفسها. الرجل والمرأة صُنِعا «الواحد للآخر»: لا أن الله صنعهما «نصفين» و«غير كاملين»؛ إنه خلقهما لشركة شخصين يستطيع فيها كل واحد أن يكون «عوناً» للآخر، لأنهما في الوقت نفسه متساويان لكونهما شخصين («عظمٌ من عظامي» ومتكاملين لكونهما ذكراً وأُنثى. وهما «جسداً واحداً» (تك24:2)، زوجين ووالدين، في تصميم الله، «لإخضاع» الأرض على أنهما «وكلاء» الله. وهذه السيطرة يجب أن لا تكون تسلطاً تعسفياً وهداماً. فالرجل والمرأة مدعوان، على صورة الخالق الذي «يحب جميع الكائنات» (حك25:11)، إلى الاشتراك في «العناية الإلهية» تجاه جميع المخلوقات. ولكنه أقيم في صداقة مع خالقه، الكنيسة، آدم وحواء، ونعمة القداسة الأصلية هذه كانت اشتراكاً في الحياة الإلهية. بإشعاع هذه النعمة تقوت جميع أبعاد الحياة البشرية. فما دام الإنسان في صداقةٍ مع الله كان في منجى من الموت ومن الألم. فالتناغم في داخل الشخص البشري، والتناغم بين الرجل والمرأة، وأخيراً التناغم بين الزوجين الأولين وجميع الخليقة، كانت تؤلف الحالة المدعوة «برارةً أصلية». «إخضاع» العالم اذي ألقى به الله إلى الإنسان منذ البدء كان يتحقق قبل كل شيء في الإنسان نفسه بالانضباط اذاتي. كان الإنسان في كامل ذاته كاملاً ومنظماً، للتجشع في الخيرات الأرضية، وكانت علامة أُلفته مع الله أن جًعَله الله في الجنة. فعاش فيها «يحرث الأرض ويحرسها» (تك15:2): ليس العمل مشقة، الذي هُيئ للإنسان في تصميم الله، سيُفقد بخطيئة أبوينا الأوين. 7- السُّقوط الله غير متناهي الجودة وجميع أعماله حسنه. ولكن لا أحد ينجو من تجربة الألم، من تجربة شرور الطبيعة- التي تبدو شبه مرتبطة بحدود الخلائق الخاصة- ولا سيّما من مسألة الشر الأدبي. من أين يأتي الشر؟ يقول القديس أوغسطينوس:«لقد فتَّشت من أين يأتي الشر ولم أجد حلاً»، ولن يجد بحثه الخاص الأليم مخرجاً إلا اهتدائه إلى الله الحي. فإن «سر الأثم» (2تس7:2) لن يتضح إلا على نور سر التقوى. وحده، غالب الشر. أو إلقاء أسماء أخرى على هذه الحقيقة الغامضة. ولكي نحاول فهم ما هي الخطيئة، يجب أولاً معرفة صلة الإنسان العميقة بالله، إذ إنه خارج هذه العلاقة، حقيقة الخطيئة، ولا سيّما خطيئة الأصول، لا تتضح إلا على نور الوحي الإلهي. ضعفٌ نفسيّ، ضلالٌ، نتيجةٌ حتميةٌ لبنية اجتماعيةٍ غير ملائمة. إلخ. ففي معرفة قصد الله بالنسبة إلى الإنسان فقط تُفهم الخطيئة على أنها سوء استعمال للحرية التي يمنحها الله للأشخاص المخلوقين، لكي يتمكنوا من محبته ومن محبة بعضهم البعض. بنمو الوحي اتضحت أيضاً حقيقة الخطيئة. وإن عرَض شعب الله في العهد القديم لآلام الوضع البشري على نور تاريخ السقوط الوارد في سفر التكوين، فإنه لم يكن باستطاعته الوصول إلى المعنى البعيد لهذا التاريخ، الذي ينجلي فقط على نور موت يسوع المسيح وقيامته. يجب معرفة المسيح ينبوعاً للنعمة لمعرفة آدم ينبوعاً للخطيئة. الروح- البارقليط الذي أرسله المسيح المنبعث، هو الذي جاء لكي «يُفحم العالم بشأن الخطيئة» (يو8:16)، إذ كشف عن الذي افتدى من الخطيئة. عقيدة الخطيئة الأصلية هي على نحوٍ ما «الوجه المناقض» للبشرى الصالحة بأن يسوع هو مخلص جميع البشر، وبأن الجميع بحاجة إلى الخلاص، والكنيسة التي عندها فكر المسيح تعلم جيداً أنه لا يمكن المساس بوحي الخطيئة الأصلية بدون الإساءة إلى سر المسيح. ولكنه يؤكد حدثاً ذا أهمية كبيرة، حدثاً جرى في بدء تاريخ الإنسان. وراء اختيار أبوينا الأولين المعصية صوتٌ مُغرٍ معارضٌ لله يحملهما، حسداً، على السقوط والموت. الكنيسة تعلم أنه كان أولاً ملاكاً صالحاً من صُنع الله. «الشيطان وسائر الأبالسة خلقهم الله صالحين في طبيعتهم، ولكنهم هم بأنفسهم انقلبوا أشراراً». الكتاب المقدس يذكر لهؤلاء الملائكة خطيئة. وهذا «السقوط» يقوم باختيارٍ حُر لهؤلاء الأرواح المخلوقة، وإننا نجد إشارةً إلى هذا العصيان في أقوال المجرب لأبوينا الأولين: «تصيران كآلهة» (تك5:3). إن ميزة الاختيار الثابت للملائكة، لا تقصيرٌ من الرحمة الإلهية غير المتناهية، هي التي جعلت خطيئتهم غير قابلة الغفران. «لا ندامة لهم بعد السقوط، كما أنه لا ندامة للبشر بعد الموت». الكتاب المقدس يُثبت الأثر المشؤوم للذي يدعوه يسوع «من البدء قتّال الناس» (يو44:8)، وأفظع نتائج أعماله كان الإغراء الكاذب الذي جرَّ الإنسان إلى عصيان الله. ولكن مقدرة إبليس ليست غير متناهية. إنه مُجرد خليقة، قديرة لكونها روحاً محضاً، وإن عمِلَ إبليس في العالم بعامل الحقد على الله وملكوته في يسوع المسيح، وإن كان لعمله أضرارٌ جسيمة- على المستوى الروحي أحياناً، وبطريقة غير مباشرة، على المستوى الطبيعي نفسه – لكل إنسان وللمجتمع، والسماح الإلهي بهذا العمل الشيطاني سر عظيم، 8- الخطيئة الأصلية الله خلق الإنسان على صورته وأقامه في صداقته. فهو لا يستطيع أن يعيش في هذه الصداقة إلا عن طريق الخضوع الحُر لله. «فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً» (تك17:2). أن يعترف به اختيارياً وأن يقف عنده بثقة. وللنظم الأخلاقية التي تُنظم استعمال الحرّية. في ما بعد، ستكون عصياناً لله، وعدم ثقة في صلاحه. وبذلك عينه حَقَرَ الله: اختار ذاته على الله، على مقتضيات كونه خليقة، ومن ثَمَّ على صالحه الخاص. وبإغراء من إبليس أراد أن «يكون مثل الله»، ولكن «بدون الله، وليس بحسب الله». الكتاب المقدس يبين عواقب هذه المعصية الأولى المأسوية. التناسق الذي كانا عليه، والذي أولتهما إياه حالة البرارة الأصلية، قد تهَّدم؛ وسيطرة قُوى النفس الروحانية على الجسد تحطمت؛ اتحاد الرجل والمرأة أصبح تحت تأثير المشادات؛ وعلاقاتهما ستكون موسومة بسمة الشهوة والسيطرة. التناسق مع الخليقة نُقض: الخليقة المنظورة أصبحت بالنسبة إلى الإنسان غربية ومُعادية، وأخيراً فإن العاقبة التي أُنبئ بها بصراحة لمعصية الإنسان ستتحقق:«سيعود الإنسان إلى الأرض التي منها أُخذ. وهكذا دخل الموت في تاريخ البشرية. غمر العالم «اجتياح» للخطيئة حقيقي: قتل قاين أخاه هابيل؛ كذلك في تاريخ إسرائيل، فكثيراً ما تبرز الخطيئة كعصيانٍ خاصٍ لإله العهد، وكمخالفة لشريعة موسى؛ وبعد فداء المسيح أيضاً، تبرز الخطيئة بين المسيحيين على وجوه متعدد. والكتاب المقدس وتقليد الكنيسة لا يزالان يذكران بوجود الخطيئة وشمولها في تاريخ الإنسان: «ما يكشفه لنا الوحي الإلهي يتفق ومعطيات خبرتنا. فإن تفحص الإنسان قلبه وجد أنه ميال إلى الشر أيضاً، وأنه غارقٌ في غمر من الشرور لا يمكن أن تصدر عن خالقه الصالح. فكثيراً ما يرفض الإنسان أن يرى في الله مبدأه، فينقض النظام الذي يتوجه به إلى غايته القصوى، جميع البشر متورطون في خطيئة آدم. وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس لأن جميعهم قد خطئوا . وقد قابل الرسول شمولية الخطيئة والموت بشمولية الخلاص بالمسيح:«كما أنه بزلة واحدٍ كان القضاء على جميع الناس، كذلك ببر واحدٍ (برّ المسيح) يكون لجميع الناس تبرير الحياة» (رو18:5). لقد اتبعت الكنيسة القديس بولس، فعلمت دائماً أن الشقاء العارم الذي يهبظ البشر، وميلهم إلى الشر وإلى الموت لا يُفهمان بمعزل عن علاقتهم بخطيئة آدم، وبواقع أنه أورثنا خطيئة نُولد حاملين وزرها وهي «موت النفس». وانطلاقا من هذا اليقين العقائدي تمنح الكنيسة المعمودية لمغفرة الخطايا، حتى للأطفال الصغار الذين لم يرتكبوا خطيئة شخصية. كيف أصبحت خطيئة آدم خطيئة ذريَّته كلها؟ الجنس البشري كله في آدم «كأنه الجسد الواحد لإنسان واحد. وبسبب «وحدة الجنس البشري هذه» جميع البشر داخلون في خطيئة آدم، ومع ذلك فإن انتقال الخطيئة الأصلية سرٌّ لا نستطيع إدراكه إدراكاً تاماً. لا له وحده، بل للطبيعة البشرية كلها: وبانقياد آدم وحواء للمجرب، ارتكبا خطيئة شخصية، ولهذا فالخطيئة الأصلية مدعوة «خطيئة» على سبيل المشابهة: إنها خطيئة «موروثة» لا «مُرتكبة»، حالة لا فعل. وإن كان كل إنسان مخصوصاً بالخطيئة الأصلية، فإنها ليست ذات طابع شخصي عند أيٍ من أبناء آدم. إنها حرمان من القداسة والبرارة الأصليتين، ولكن الطبيعة البشرية ليست مُنفسِدة إنفساداً كاملاً: لقد جُرحت في قواها الطبيعية الخاصة، وأخضعِت للجهل والألم وسلطان الموت، ومالت إلى الخطيئة الأصلية (وهذا الميل إلى الشر يُسمى «شهوة»). والمعمودية بمنحها حياة نعمة المسيح، تمحو الخطيئة الأصلية وتردُّ الإنسان إلى الله، ولكن العواقب في الطبيعة المُضعفة والميالة إلى الشر، تبقى في الإنسان وتدعوه إلى الجهاد الروحي. إن عقيدة الكنيسة في موضوع انتقال الخطيئة الأصلية اكتسبت دقّةً خصوصاً في القرن الخامس، ولا سيّما مع القديس أوغسطينوس في دفق تأمُلاته ضد البلاجية، كان بلاجيوس يعتقد أن الإنسان يستطيع، بقوة إرادته الطبيعية الحرّة، بدون معونة نعمة الله الضرورية، وبعكس ذلك دعاة الإصلاح البروتستانتي الأولون يُعلمون أن الإنسان قد أصبح في عمقه فاسداً وأن حريته أصبحت، بخطيئة الأولين، سنة 529، وفي المجمع التريدنتيني، عقيدة الخطيئة الأصلية- مقرونة بعقيدة فداء المسيح – تُخول نظرة تمييز واضح في شأن موقع الإنسان وعمله في العالم. وإن لبث هذا حُراً. أعني إبليس. والسياسة، تصِمُ العالم، في مجمله، بهذا التعبير يُشار أيضاً إلى التأثير السلبي الذي تُلحقه بالأشخاص الأحوال المجتمعية، والبُنى الاجتماعية، التي هي ثمرة آثام البشر. «يتخلل تاريخ البشر العام صراع عنيف به قوى الظلمة، وقد بدأ مع وجود العالم وسيبقى على حد قول الرب، إلى اليوم الآخر. بعكس ذلك، يدعوه ويبشره، بطريقة سرية، هذا المقطع من سفر التكوين سُميّ «مقدمة الإنجيل» لأنه البشرى الأولى بالمسيح الفادي، البشرى بصراعٍ بين الحية والمرأة، وبالانتصار النهائي لنسل هذه المرأة. «بطاعته حتى الموت موت الصليب» (في8:2) يُعوض تعويضاً لا يُقاس عن معصية آدم. على أنها «حواء الجديدة». إنها تلك التي كانت الأولى، استفادةً من الانتصار على الخطيئة الذي حققه المسيح: لقد صِينت من دنس الخطيئة الأصلية كله، وعلى مدى حياتها الأرضية كها لم ترتكب أيّ نوع من الخطيئة، وذلك بنعمةٍ خاصة من الله. ولكن لماذا لم يمنع الله الإنسان الأول أن يخطأ؟ يجيب عن ذلك القديس لاون الكبير: «نعمة المسيح التي لا توصف وهبتنا خيراتٍ أعظم من تلك التي كان حسدُ إبليس قد انتزعها منا». والقديس توما الأكويني يقول:«لا شيء يمنع من أن تكون الطبيعة البشرية قد أُعدت لغايةٍ أرفع من الخطيئة.