وقوف على الإطار العام للعلاقات الدولية كحقل للمعرفة لابد أولا من تعريف العِّلم و المنهجية العلمية و المادة .العلمية  حيث عر ف بول فابر العلم بأنه بأنه نشاط اجتماعي يتم عبر سلسلة من نشأة : الآليات مجموعة علمية، إدماج العلم في مؤسسات، وضع إجراءَات لاكتساب العلم و انتقاء العلماء و الإقرار الشرعي .للنتائج  أما المنهجية العلمية فعرفها فابر بأنها : ملاحظة الوقائع، البحث في علاقات الأسباب بالآثار، و الكشف عن .القوانين  في حين استخلص فابر معيارين يتم من خلالهما تعريف و تشخيص المادة العلمية :  البحث وفق إجراءَات علمية و مقاييس معترف .بها  وجود جماعة مدمجة و مؤطرة داخل شبكة من الجامعات و المعاهد و مراكز .البحث و علي ه فإن تحديد تعريف العلم يُمَك ِّننا من طرح تساؤلات حول متى؟ و أين؟ و لماذا؟ و كيف نشأ و تكو ن علم العلاقات الدولية . حيث بشكل عام مختصر انتقلت العلاقات الدولية من مرحلة الظاهرة أو ما قبل العلمية ( المطلب الأول إلى ) مرحلة العلم ( المطلب .(.الثاني المطلب الأول : المرحلة ما قبل العلمية قبل تحول العلاقات الدولي إلى علم قائم بذاته في بداية القرن 20 ، كان هناك اهتمام بها و ثبت ذلك من خلال العديد من الوثائق و الأساطير منذ آلاف السنين :  في الكتب السماوية و بعض الأساطير نجد ذكر أحداث كالحروب و المعاهدات كان الفاعلين فيها آلهة و أنبياء و ملوك، و كانت الغاية من ذكرها استنباط العِّبر .  في كتب فلاسفة التاريخ ( كتوينبي و ابن خلدون و ماركس و غيرهم نجد ) استباط لمنطق التطور التاريخي من خلال ثوابته و متغيراته، و من المعلوم ما للفلسفة التاريخية من أهمية في علم العلاقات .الدولية  كما نجد كتابات أخرى ذات طابع علمي مثل كتابات مكيافيلي و مينشوس و الماوردي الغاية منها إرشاد الملوك و الأمراء في صياغة قرارتهم .الخارجية  ولكن ابتداءًا من القرن 16 و حتى بداية القرن 20 تكاثرت الكتابات المتعلقة بالعلاقات الدولي، حيث عرفت هاته الفترة تحولات عميقة بداية من نشأة الدولة القومية، مرورا بالحروب الأهلية و الدولية وصولا لسياسات التوسع داخل و خارج . أوروبا فجاءت المجهوداي الفكرية لتعكس و تحاول التأثير في هذا السياق آنذاك، و كانت فترة الاستقرار ما بين 1814 و 1914 الأكثر غزارة من ناحية الإنتاج الفكري في هذا الصدد . و تميزت مؤلفات السياسة الدولية في هذه الفترة بانشغال المفكرين بالانقسام الأوروبي و الفوضى الشائعة بين الدول و تَمثَّل هذا الأمر في :  التفكير في المفارقة بين حالة الطبيعة و حالة المجتمع المدني الخاضع لسلطة مركزية ( منظِّ روا العقد .(.الاجتماعي  التفكير في أسباب : الحروب الطبيعة العدوانية للبشر ( جروسيوس ) مثلا ، المجتمع الذي أفقد الإنسان طبيعته الخَيِّ رة روسو ( مثلا .(.  التفكير في إعادة الوحدة و الاستقرار لأوروبا : مشاريع الاتحاد لدى القس دي سان بيير مثلا .  التفكير في آليات تقليص الفوضى و إقرار النظام مثل الردع المتبادل و توازن القوى هوبز ( و هيوم مثلا .)  التفكير في تعزيز التعاون الدولي ( جروسيوس مثلا .)  التفكير في تضامن المصالح و التجارة الحرة ( آدام سميث مثلا (. المطلب الثاني : المرحلة العلمية إن تطبيق معايير نشأة العِّلم من منهج علمي و تأسيس مادة علمية و جماعة علمية متخصصة يُمَك ِّن من تحديد مكان و زمان نشأة العلم . بدقة بناءًا عليه فإن كل الأبحاث التي تناولت هذه المسألة و إن على قِّل تها تُجمِّع على أن علم العلاقات الدولية نشأ في الولايات المتحدة و بريطانيا ما بين 1919 و .1923 و ذلك استنادا على إعلان وفدي الدولتين في مؤتمر باريس للسلام 1919 عزمهما على تأسيس مؤسسات علمية تهتم بالعلاقات الدولية، ثم تسجيل إنشاء المعهد البريطاني للشؤون الدولية و المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية سنة . 1920 أعقب ذلك مباشرة و بشكل تدريجي إنشاء العديد من المعاهد و المؤسسات و الكراسي العلمية بالجامعات في كل من بريطانيا و الولايات المتحدة الأمركية و ألمانيا تهتم بمواضيع العلاقات الدولية و القانون .الدولي أما بالنسبة لفرنسا فلم تظهر مادة العلاقات الدولية بهذا الاسم إلا في بداية السبعينيات، بحيث احتل ت القضايا الدولية مكانة ضئيلة و كانت تأخذ طابعا استئناسيا للدراسات إلا . القانونية أنه بعد السبعينيات سيزداد الاهتمام بهذا الحقل المعرفي في الجامعات، علما أنه خارج الجامعات كان هناك اهتمام بالعلاقات الدولية حيث نجد مؤسسات متخصصة في قضايا السياسة الخارجية و الحرب، و رغم ذلك تبقى الإنتاجات الفكرية ضئيلة في فرنسا و تكاد تكون محصورة في آرون رايمون و لا تغط ِّي بصورة واضحة الدراسات .الدولية و على عكس فرنسا حظيت العلاقات الدولية في الاتحاد السوفياتي و أوروبا الشرقية باهتمام كبير خصوصا بعد عام . 1945 إلا أن المجموعات العلمية كانت خاضعة لمراقبة الأحزاب الشيوعية أو تابعة أساسا للسلطة، و بالتالي تم تأطير الإنتاج العلمي بما يتوافق مع التوجهات الماركسية، و تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الدولية لم تظهر كحقل مستقل في المعسكر الشرقي إلا حديثا و كانت كرد فعل على الإنتاجات النظرية .الغربية فنتساءل عن المراحل التي قطعها ظهور علم العلاقات الدولية و عن الأسباب التي دعت إلى ذلك . فيما يخص المراحل سنتناولها بالتفصيل في الفقرات التالية، أما فيما يخص الأسباب فنوجزها فيما يلي :  فبحسب رأي كريبندورف السبب الرئيسي هو وعي الطبقة البورجوازية بمحدودية الوسائل المتوفرة منذ القرن 16 في حل الأزمات و ضبط السلوك الخارجي للقوى الأوروبية و بالتالي كانت ضرورة إنتاج وسائل جديدة تمثلت في علم العلاقات .الدولية  أما ماكليلالند فعل ل ظهور هذا العلم بالأسباب : التالية الرغبة في تسخير معالجة عَمَلي ة لظاهرة العلاقات الدولية خدمة للسلم الدولي، و الاعتقاد بأنها ظاهرة اجتماعية قابلة للدراسة، بالإضافة إلى أن انتشار الديمقراطية حتَّم توعية الهيئة الناخبة بما يؤهلها لممارسة دورها في مراقبة الشؤون الخارجية .لدولها الفقرة الأولى : الحقبة الأولى تمتد هذه الحقبة من أوائل العشرينات إلى أواخر . الثلاثينات تمي زت ب 4 خصائص :  اُعتُبِّرت امتدادا للمرحلة ما قبل العلمية و تمي زت بازدهار التاريخ الدبلوماسي من خلال دراسة الوثائق .الدبلوماسية  ظهور ما يمكن تسميته بعلم القضايا الدولية من خلال تحليل صحفي ذو مستوى عال لأحداث تطرحها الساعة .  ات سام الدراسات القانونية لهذه الحقبة بالمثالية و التفاؤل من خلال إقرار نظام مبني على الس ِّلم و إقرار المنظمات الدولية كأداة لتحقيق ذلك ( النقاط الأربعة عشر لوردرو ويلسون و نشأة عصبة .) الأمم  تكريس اليسار العلمي للِّنين كأحدث مُنظ ِّر للإمبريالية سنة 1925 بعد إصدار لنين لكتابه الشهير " الإمبريالية طور أسمى للرأسمالية " سنة .1916 الفقرة الثانية الحقبة : الثانية تمتد هذه الحقبة من أواخر الثلاثينات إلى منتصف الخمسينات تخللها عدة أحداث ( الحرب العالمية الثانية، الحرب الباردة، التعايش الس ِّلمي، حرب الفيتنام، تمي ز الإنتاج الفكري في علم العلاقات الدولية خلال هذه الحقبة بنقد المدرسة المثالية من خلال دراسات تتبنى المقاربة الواقعية مثل كتاب " أزمة العشرين عاما - 1919 1920 " لإدوارد هاليت و كتاب هانز موركنتاو " السياسة بين الأمم " الذي انتقد بدوره المثالية و الليبيرالية العقلانية .للأنجلوسكسون و بالرغم من عدم تو َ ح د المدرسة الواقعية يمكن إجمالها في النقاط التالية :  رفض المثالية الأخلاقية و .القانونية  منهج يهدف إلى استنباط قوانين من خلال البحث في الثابت و المتكرر من الظواهر بدل السرد التاريخي .للظواهر  إقرار أن العلاقات الدولية مبنية على تضارب المصالح .القومية  رفض المقاربة الماركسية المبنية على الطبقية بتعليل أن ما يحرك التاريخ هو الصراع على السلطة و ليس .الطبقية إذن نخلص إلى أن المدرسة الواقعية محافظة و متشائمة تهدف فقط إلى تحقيق فترات استقرار مؤقتة قد تطول أو تقصر لكنها على أساس توازن القوى، و هكذا تغل ب منظور للعلاقات الدولية على منظور الولايات المتحدة .الأمريكية الفقرة الثالثة : الحقبة الثالثة تم الإجماع على ابتدائها في منتصف الخمسينات و اُختُلِّف حول نهايتها ما بين أواسط الستينات و أواخر . السبعينات تميَّزت هذه الح ِّ قبة بكونها أمريكية و عُر ِّ فَت بالثورة السلوكية التي اعتمدت على السلوك السياسي للفرد في دراستها بدل التاريخ أو .القانون نتج عن هذ التيار أزمة ابستيمولوجية؛ فمن جهة وجَّهت المدرسة السلوكية النقد للمدارس السابقة بما فيها الواقعية، و من جهة أخرى أحدثت ثورة منهجية تتجلى من خلال 3 موجات :  اقتحام علوم أخرى كعلم النفس و علم الاجتماع و الاقتصاد و غيرها لحقل العلاقات الدولية نتج عن ذلك نظريات جزئية متعددة مثل نظرية صنع القرار و نظرية الردع و .غيرها  كان الرد على هذا التحول محاولة تجميع النظريات الجزئية نتج عنه ترتيب الدراسات في فرعين هما فرع السياسة الخارجية وفرع نسق التفاعلات .الدولية  أخذت بعض الأبحاث جمع و تحليل المعطيات مستفيدة من ما قدَّمه التطور التقني المتمثل في استعمال .الحاسوب خلاصة؛ المدرسة السلوكية انتقدت المدرسة الواقعية شكلا فقط ( و ) المنهج ليس جوهرا ( ) المضمون ، و ازدهارها يُعزى إلى الدعم المادي المُقدَّم للبحث العِّلمي من طرف المؤسسات الأمريكية الخاصة . الفقرة الرابعة : الحقبة الرابعة تبتدئ هذه الحقبة من منتصف السبعينات و أطلِّق عليها الحقبة ما بعد السلوكية، و قد شهدت إثراءَات و إحياءَات و إفرازات :  فيما يخص ا لإثراءَات فتمثَّلت في إنتاج علمي في العلاقات الدولية خارج العالم الأنجلوسكسوني، أفرزت دراسات جديدة تتعلق بنظرية التبعية ( أمريكا ) اللاتينية ، دراسات تتعلق بالبيئة و التنمية و المساعدة الدولية ( الهند و ) كوريا ، طرح العلاقات الدولية من منظور ماركسي ( أوروبا الشرقية و الاتحاد السوفياتي .)  بالنسبة للإحياءَات تمث لت : في عودة الدراسات القانونية مستفيدة من دروس الواقعية و السلوكية آخذة بعين الاعتبارتعقيدات العالم المعاصر، تجديد الطرح الأخلاقي من خلال مفهوم الحرب العادلة و إشكالية التنظيم الدولي، انبعاث المدرسة الواقعية من جديد على أساس صرامة المنهجية و انفتحت على إشكالية التعاون مستفيدة المدرسة .السلوكية  أما عن الإفرازات فتمث لت في موجة من التخصصات الفرعية عن مادة العلاقات الدولية مثل الدراسات الاستراتيجية، الدراسات حول الس ِّلم، الدراسات حول العلاقات الاقتصادية .الدولية و تكمن وراء هذه الاتجاهات في علم العلاقات الدولية عدة تحولات في الساحة الدولية بداية من الانفراج بين العملاقين - 1969 ( ) 1973 ، فاتفاق هلسنكي 1975 ، فتأثير دول العالم الثالث في الأمم المتحدة، وصولا إلى نمو المبادلات التجارية بين الدول و تحديد الأوبيب OPEP لسعر البترول منذ عام 1974 ، و كذا نمو المبادلات التجارية بين الأمم و دور الشركات المتعددة الجنسية في الاقتصاد . العالمي ولكن في مطلع الثمانينات ظهرت أزمات تمثلت في احتدام التوتر بين الشرق و الغرب ( الحرب الباردة ) الجديدة ، اشتداد الأزمة الاقتصادية ( الركود الاقتصادي و الفوضى ) المالية ، المجاعة في العالم الثالث، و الكوارث البيئية، و .غير