واتهمت بعض الأوساط السياسِيَّة في فرنسا حركة اعصار الحريات الديمقراطية بالمسؤولية عما يقع بالجزائر. ولم تخرج تصريحات كل من روجي ليونار" الحاكم العام للجزائر، وظل يؤكد في تحركاته وتصريحاته المختلفة بأن فرنسا ستقضي على الخارجين عن القانون بكل قوة وبأن الجزائر كانت وستبقى فرنسية. أما فرانسوا ميتران وزير الداخلية الفرنسي فقد أصدر من جهته بيانا، مؤكداً على أن فرنسا ستقضي على هذه العصابات المتمردة، وأنها لن تقبل الحوار معها مطلقاً ما دامت تريد أن تحل محل السلطة الفَرنسية، ومن ثمة ليس أمام "المتمردين سوى إدراك الحقيقة الَّتي مفادها أن الجزائر فرنسية ولا سلطة لغير فرنسا على الجزائر. وتحسين ظروفهم الاجتِمَاعِيَّة والاقتصادية، ذكر رئيس الحكومة الفرنسية منديس فرانس، لذلك يجب على الحلف تقديم يد المساعدة والإعانة اللازمة لفرنسا. اللتين تمثلان على التوالي لسان حال كل من المركزيين والمصاليين، وأحالت مسؤولي هاتين الجريدتين إلى القضاء. ومنعت بعض الأقلام الأمريكية من العرض مثل: قنطرة وادي كواي والجنرال وغيرهما عما له صلة بالمقاومة والكفاح المسلح. استخدم فيها خمس فيالق لقوات المظليين مدعمة بسلاح المدفعية، نظمت سلطات الاحتلال حملة دعائية واسعة لتمجيد المظليين وإرهاب الأهالي. بعد ذلِكَ سيحل السلم الفرنسي من جديد. أصبح جليا أن الحكومة الفرنسية قد بدأت بتطبيق قانون المسؤولية الجماعية وإعطاء التفويض المطلق للقادة العسكريين لتفسير هذا القانون كيفما شاؤوا. يرى الجنرال الفرنسي شاربار" مثلا أن المسؤولية الجماعية تعني إلقاء القبض على كل رجال القرية وإرسالهم إلى المحتشدات وتغريمهم وإجبارهم على إعادة غرس الأعمدة إذا ما قام المجاهدون بقطع أعمدة الهاتف على مقربة من تلك القرية. في حين يرى الجنرال "بوفر" (قائد القوات الفرنسية التي هاجمت مصر في حرب السويس سنة (1956) أن المسؤولية الجماعية تعني تهديم القرية بأكملها عندما يُقدم مجهول من تِلْكَ القرية على إعدام جندي فرنسي واحد. فقد انتهجت سلطات الاحتلال منذ اندلاع أحداث نوفمبر 1954 إستراتيجية هدفها قمع الثورة بكل الوسائل المتاحة، قوة السلاح والمواجهة والاشتباكات والمعارك والتعذيب، فلجأت إلى تقديم وعود إصلاحية المحاولة منع الشعب الجزائري من الانخراط في الثورة إلى جانب جبهة التحرير. وفي مبادرة وزير الداخلية فرانسوا ميتران يوم 5 جانفي 1955 عرض برنامج إصلاحات واسعة على مجلس الوزراء للمصادقة عليها قصد تطبيقها في الجزائر. ويتشكل مشروع الإصلاحات من شقين أولهما إصلاحات مستعجلة، أما الشق الثاني فهو إصلاحات على المدى الطويل مثل: - توفير القطاعات السكنية ذات الطابع الاجتماعي (سكن ممول بالكامل من طرف الدولة الفرنسية يكون مجانياً أو بسعر ومزي لأصحاب الدخل الضعيف أو الأشخاص بدون دخل). - توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين الجزائريين. وتتمة لمشروع الإصلاحات قامت حكومة مانديس فرانس بعزل الحاكم روجي ليونار وتعيين جاك سوستال، الَذي استلم مهامه الرسمية كما كم عام للجزائر في 15 فيفري 1955، وتعين حكومة جديدة برئاسة "إدغار فور" الَّذِي أبقى على "سوستال" حاكماً عاماً على الجزائر. بل وعد سكانها يجعلهم يعيشون في مستوى سكان القرى الفرنسية، وطمأنهم بأنه بإمكانه أن يجعل من الجزائر قطعةً حقيقية من فرنسا. - إصلاح نظام البلديات واعتماد مبدأ المساواة بين الهيئتين المسلمة والأوروبية. لتشجيع الفلاحين الجزائريين على الاستقرار والتعلق بالأرض وبالتالي عدم التحاقهم بالثورة. - تطوير وتوسيع النشاط الصناعي. - إصلاح نظام العقار، - استقلالية الدين الإسلامي عن الإدارة الفرنسية، وكذلك عين قاض مسلم لحل النزاعات بين المسلمين. رأوا أن هذه الإصلاحات مقدمة للمتمردين، أما في نظر الجزائريين فإن الإصلاحات التي تضمنها مشروع سوستال ليست إلا ذرا للرماد على العيون، فقد وافقت الحكومة على طلب الحاكم العام جاك سوستال الذي أراد من البرلمان الفرنسي المصادقة على قانون "حالة الطوارئ"، إن حالة الطوارئ التي طبقت في الجزائر لا تختلف عن حالة الحصار الكامل، لأنها تتضمن إجراءات تقضي على الحريات العامة والفردية مثل: - وضع الرقابة الكاملة على الصحافة والنشر بكل أنواعه. - فرض حظر التجول لمدة ليلة أو نهار كامل مع منع تحرك الأشخاص والسيارات في المناطق والساعات المحددة من قبل سلطة الاحتلال. - مداهمة المنازل وتفتيشها في أي وقت. - محاكمة المدنيين من قبل المحاكم العسكرية، بمعنى إحلال القضاء العسكري مكان القضاء المدني. - نفي أي شخص يبدو نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العام. ارتفعت عدد القوات الفرنسيين من حوالي أربعين ألفاً، في حين تم تعزيز القوات البحرية العاملة في الجزائر بوحدة من البوارج الحربية. إضافةً إلى إرسال ثلاثة كتائب من قوات المظليين إلى الجزائر، نزلت في ميناء عنابة في طريقها إلى منطقة الأوراس الَّتي كَان الفرنسيون يعتقدون أنها القلب التابض للثورة الجزائرية أرسلوا من فرنسا إلى الجزائر تلبية لطلب الحاكم العام في 16 نوفمبر 1955، ليصل العدد الإجمالي للدرك في الجزائر إلى ألف وسبعمئة دركي وثمانية وعشرين ضابطاً. وتم تحديد مهام الشرطة الريفية من قبل الحاكم العام حسب الاحتياجات الأمنية. وكمشروع مواز للإجراءات القمعية أنشأ سوستال المصالح الإدارية المتخصصة سنة 1955 وهي عبارة عن هيئة عسكرية مدنية بنفس الوقت، يقوم عليها مجموعة من الضباط المختصين تخرجوا من معاهد متخصصة في الدعاية وعلم النفس وعلم الاجتماع والشؤون الجزائرية، أسندت إليهم مهام مختلفة متمثلة في ربط العلاقات مع الأهالي واستمالتهم بمختلف وسائل الترغيب مثل إظهار العناية بشؤونهم الصحية والاجتماعية والتعلم المساعدات، يتضح أن الجزائر في عهد الحاكم العام جاك سوستال قد عرفت إعادة هيكلة حقيقية للقطاع الأمني والعسكري، ويظهر أن ردود الأفعال الفرنسية قد قامت بشكل أساسي على مبدأ العصى والجزرة العصى المتمثلة في القمع الأمني والحملات العسكرية والحرب النفسية، والجزرة المتمثلة في بعض الإصلاحات الشكلية التي لا ترتقي أن تلبي رغبات الشعب الجزائري.