ابن خلدون بين علم الاجتماع والتاريخ وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، بل إن أهميته تتمثل في المقدمة» التي وضعها لهذا الكتاب. فهو يدرس في المقدمة (1) طبيعة المجتمعات وتطورها من حال إلى حال، ويحكم عليها، فهو يرى أن الحاضر يشبه المستقبل مثلما يشبه الماء الماء. ومن ثم فإن ما يسميه علم العمران - وهو دراسة الحاضر - من شأنه أن يُلقي الضوء على التاريخ - وهو دراسة الماضي - مثلما يُزوّد التاريخ علم الاجتماع بمادته. ويُعرف ابن خلدون علم الاجتماع بأنه ما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، ومن هنا، فإن علم الاجتماع هو دراسة المجتمع البشري بأشكاله المختلفة، وتقصي الطبيعة والخصائص التي تتسم بها كل من هذه الأشكال، والتمعن في القوانين التي تحكم تطور الاجتماع الإنساني. ويرى ابن خلدون أن الاجتماع الإنساني ضروري. ويُعبّر الحكماء بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية باصطلاحهم الذي هو معنى العمران» (3) . وليس من المبالغة أن نشارك ساطع الحصري الرأي بأن ابن خلدون في الكتاب الأول من المقدمة يضع المعالم العريضة لعلم الاجتماع العام؛ وفي الرابع علم اجتماع الحياة الحضرية؛ وفي الخامس علم الاجتماع الاقتصادي، وفي الكتاب السادس يُحدّد (3) ملامح علم اجتماع المعرفة. ومنها : أولاً : إن الظواهر الاجتماعية، على ما يبدو، تخضع لقوانين قد لا تكون من الثبات كتلك التي تحكم الظواهر الطبيعية، ومن هنا فإن استيعاب هذه القوانين يمكن عالم الاجتماع من فهم اتجاه الأحداث من حوله. ثانياً : إن تلك القوانين تفعل فعلها في الجماعات ولا تتأثر بصورة كبيرة بالأفراد والأحداث المنعزلة. وفي ضوء ذلك، وقياساً على الأمثلة التي يسوقها ابن خلدون، فإن لأن جهود الفرد سرعان ما يكتسحها التيار الجارف العنيف الذي تمثله القوى الاجتماعية. هذه ثالثاً : إن اكتشاف تلك القوانين لا يمكن أن يتحقق إلا بعد جمع عدد ضخم من الحقائق، وملاحظة ما يقترن بها أو يليها من وقائع. ويتركز التفسير في هذه الحالة على إيجاد علاقة بين الترابطات التي تجري ملاحظتها من جهة، والمبادىء المقبولة في علم النفس الفردي والجماعي، الأحياء، وما إلى ذلك. على الرغم من تباعد هذه المجتمعات في المكان والزمان. فإن ابن خلدون يحرص كل الحرص على الإشارة إلى أن ما يطرحه من آراء حول البدو الرحل يصدق بالمقدار نفسه على الأعراب العرب، أو من كانوا من معاصريه في القرن الرابع عشر ، مثلما يصدق على البربر، والتركمان والأكراد. خامساً : إن المجتمعات ليست ساكنة بطبيعتها ؛ أي إن الأشكال الاجتماعية، بعبارة أخرى، عُرضة للتغير والتطور والعامل الوحيد الذي يُنوّه به ابن خلدون تحديداً باعتباره سبباً للتغيّر هو التماس والاتصال بين الشعوب والطبقات المختلفة، وما يلي ذلك من عمليات الاقتداء والاختلاط. ولا شك في أن قصره على عامل واحد يُمثل نقطة ضعف في نسقه الفكري، غير أن ابن خلدون يتميّز بإقراره بالتطور التاريخي تتكرر بالضرورة في أطوار أخرى لاحقة. ومن الملاحظات والأمثلة العديدة التي يسوقها في المقدمة أن بعض المظاهر - مثل عدد السكان ومستوى الثروة - التي قد تتجلى بصورة باهرة في عصور الانحطاط، وبتأكيده الواضح على الاتجاهات والنزعات التي نلمحها في مرحلة ما من النمو قد لا ويصدق ذلك أيضاً على الأدلة التي يعرضها عن أن تبدل المكانة لإحدى الطبقات الاجتماعية ( مثل المُرَبّين والمعلمين قد يكون واحداً من نتائج التغيرات الاجتماعية. وأخيراً : فإن هذه القوانين سوسيولوجية (اجتماعية) في طابعها، وليست نابعة من دوافع بيولوجية أو من عوامل بدنية. فإنه يشدد على هذه النقطة بكل وضوح، فيرجع الأثر الأكبر العوامل اجتماعية بحتة مثل التماسك ومستوى الصنائع المهن والحرف، والثروة وما أو مكر اليهود، لا يعود إلى أصولهم العرقية بل يرجع إلى نمط حياتهم وتاريخهم إليها. وهكذا، فإنه يحرص في معرض حديثه عن الخصائص العامة لشعوب معينة مثل العرب أو اليهود على التأكيد بأن جانباً من السمات مثل استعصاء الأعراب البدو الماضي. غير أن ابن خلدون لا يقتصر على وضع الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها علم الاجتماع، بل إنه يتجاوز ذلك إلى كشف العديد من الوسائل المنهجية للدراسة، والعوامل التي يمكن علماء الاجتماع المحدثين استخدامها كأدوات للبحث. وفي هذا السياق، يشير في أحد الأبواب المشهورة في مقدمته إلى أن الشعوب المغلوبة تميل إلى الاقتداء بالعادات والمؤسسات السائدة لدى الشعوب الغالبة؛ من قبيل الانصياع الأعمى في بعض الأحيان، أو للتدليل على كراهيتها النفسية للاعتراف بأن هزيمتها كانت نتيجة لانخفاض روحها المعنوية، أو لأن الجانب المنتصر يتمتع بأساليب ووسائل أو أسلحة أو مؤسسات متفوقة على ما لديها ؛ وأخيراً بسبب اعتقادها بأن سر نجاح الفريق الغالب إنما يكمن في منظومة معينة من العادات أو المؤسسات التي يمكن، إذا ما جرى الاقتداء بها أو محاكاتها ، أن تؤمن القدر نفسه من النصر والنجاح للآخرين. وليس بوسع أي باحث درس معتقدات الشعوب المغلوبة تجاه موجات من السيطرة البريطانية أو الألمانية أو الروسية أو الأمريكية، وما رافقها من تعظيم من جانب من الشعوب المغلوبة، إلا أن يقتنع بسلامة بصيرة ابن خلدون وبعمق تحليله للدور الذي يؤديه التقليد والمحاكاة في الشؤون الاجتماعية. ويستوي في ذلك إعجاب الشعوب المغلوبة بقوة بريطانيا ، التي تُعزى عادة إلى انتهاجها لنسق الاقتصاد والسوق الحرة أو لنظام الأرستقراطية المتوارثة فيها على سبيل المثال؛ تكمن في نظامها الاشتراكي أو ديكتاتورية الحزب الشمولي الواحد فيها. وسيكشف التحليل التفصيلي لنا عن مزيد من النقاط الأخرى التي سبق ابن خلدون فيها علماء الاجتماع المحدثين لتفسير الظواهر الاجتماعية؛ ومن الأمثلة على ذلك بعض المفاهيم الميكانيكية / الآلية مثل توازن القوى أو إشعاع الطاقة، أو بعض المفاهيم البيولوجية مثل التفسخ والنمو ؛ ويمثل مفهوم «العصبية أو التضامن الاجتماعي المحور الرئيسي في علم الاجتماع العام وعلم الاجتماع السياسي لدى ابن خلدون. فهو يرى أن الاجتماع الإنساني ضروري، لأن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء أو الدفاع عن نفسه ضد الحيوانات المفترسة أو بني البشر الآخرين. إذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه. الاجتماع ضروري للنوع الإنساني ؛ وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم ؛ وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعاً لهذا غير أن عدوانية الأفراد تحول دون قيام الحياة الاجتماعية إلا إذا كبحتها قوة وازعة. وقد يتمثل هذا الوازع في فرد واحد يستطيع فرض إرادته على المجموع - وفي هذا المجال، فإن ابن خلدون يسبق توماس هوبز (1588-1679)، أو إن هذا الوازع يتجسد في التضامن الاجتماعي - ويطرح ابن خلدون هنا مفهوماً أعمق بكثير مما عرضه هوبز. وتؤدي الحاجة إلى سلطة عامة إلى قيام الدولة أو ما يسميه الملك»، أي الدولة التي تمثل للمجتمع، بلغة الفلاسفة، ما يمثله الشكل للمادة بصورة لا تقبل الفصل أو الانفصال. لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم [. فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة؛ حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان؛ وهذا هو معنى الملك». ويتقصى ابن خلدون أصول العصبية ويرجعها إلى رابطة الدم التي تجمع المجتمعات الصغيرة، غير أنه يحرص على الإشارة إلى أن رابطة الدم لا معنى لها إذا لم يرافقها القرب الجغرافي والحياة المشتركة، كما أن العيش المشترك قد يولد درجة من التضامن الاجتماعي تعادل ما يتأتى عن روابط القرابة. فإن العلاقات بين الحلفاء، وبين الأتباع والزعماء، وبين العبيد والسادة قد تفضي آخر الأمر إلى قيام قاعدة أوسع من التضامن الاجتماعي. وتبلغ «العصبية أعلى درجاتها في المجتمعات القبلية بسبب نمط حياة البدو الرحل وحاجتهم المستمرة للعون المتبادل. كما أن نكد العيش وشظف الأحوال في الصحراء التي يعيشون فيها تدفعهم إلى الحفاظ على صلة الرحم بينهم. فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك». وذلك، بالإضافة إلى طبيعة البدو وشجاعتهم ونخوتهم، هو ما يفسر قيام القبائل الصغيرة المتماسكة بغزواتها المتكررة ضد الإمبراطوريات التي تبدو في ظاهرها أكثر قوة ومنعة. ولا تقوم الممالك والدول إلا بعد جهد وصراع، كما يؤكد ابن خلدون يكون ذا أثر فعال أيضاً. ولا يقوم دين جديد كذلك إلا بالصراع، ولا يصادفه النجاح إلا إذا تعزز بقدر عال من التضامن الاجتماعي. حتى يقوم بدوره بتعزيز التضامن الاجتماعي وترسيخه حتى ولو تم ذلك على حساب العصبية القبلية البدائية؛ ويمثل الدين في واقع الأمر الرابطة الأقوى التي ترص صفوف الجماعات المستقرة وتحفظ تماسكها. وإذا اجتمعت الروابط الاجتماعية والعصبية القبلية، وفي هذه القوى، كما يرى ابن خلدون، وإذا كانت العصبية القبلية قادرة على إقامة الممالك والإمبراطوريات، فإنها في الوقت نفسه قادرة على كبحها والحد من سيطرتها. ويقارن ابن خلدون بين سهولة الحكم والسيطرة على دولة مستقرة مثل مصر، والمصاعب التي برزت في المغرب نظراً لكثرة القبائل. فإنه يعتقد بصورة مبدئية، أن ثمة علاقة طردية بين اتساع نطاق مملكة أو إمبراطورية ما من جهة وقوة العصبية الأصلية التي قامت على أساسها ، . غير أن الدول، شأنها شأن المؤسسات الأخرى، محكومة بقوانين التغير والفساد. فالدول التي تنشأ عن العصبيات القبلية تتميز في أوائل عهدها بالتلاحم والتماسك، مما يتيح للناس والرعية أن تشارك في الحكم وتقاسم الحكام السلطة. غير أن الحاكم، مع مرور الوقت وبسبب المؤثرات التي تؤدي إلى تفسخ أنماط العيش المستقرة الباذخة ينزع إلى التفرد بالسلطة المطلقة. ذلك أن الملك إنما هو بالعصبية (5). ولتحقيق هذا الهدف، يسعى الحاكم إلى خلق طبقة جديدة من المصطنعين والموالي الذين يصبحون من أتباعه، ويستعيض بالموالي عن مستشاريه والرعيل الأول من رفاق السلاح. ويتميز الطور الثاني بالمزيد من البذخ والفخامة وبالتركز المتزايد للسلطة في يد السلطان وبازدياد الشقة بين الحاكم والرعية. ويفضي ذلك آخر الأمر إلى زعزعة روح التضامن الأولي. وفي الوقت نفسه، ومع استمرار الركود الاقتصادي، يؤدي تعاظم البذخ إلى وفي هذه المرحلة، تصبح الدولة مهيأة لتغيير حكامها ورؤسائها ،