الفصل الثالث دور اللغة الأم : منظور تاريخي ۱-۳ منظور تاریخی وشكلت لنفسها فرعاً من فروع العلم عرف باسم النقل اللغوى -language trans fer ، هذا لدرجة أن قبول فكرة النقل اللغوى أو رفضها أصبح رهنا بقبول فكرة نظرية أخرى أو رفضها داخل الإطار النظري للعلم ككل . كانت هناك دائماً فرضية تقول : إن المتعلم يعتمد على لفته الأم اعتماداً كاملاً في سياق تعلم اللغة الثانية، وصاغ لادو (۱۹۵۷) ص ۲) هذه الفكرة بكل وضوح في كتابه المؤثر بعنوان "اللغة عبر الثقافات Language Across Cultures ، ويحدث ذلك بشكل فاعل عندما يتكلم المتعلمون اللغة ويتصرفون في سياق الثقافة السلوكي، ويحدث ذلك بشكل سلبى عندما يتعلم المتعلم اللغة والثقافة، كان عمل لادو وأبحاثه كما كانت أبحاث الكثير من الباحثين في تلك الفترة، فقد كان من الضروري أن تقوم دراسات تحليل مقارن للغة الأم واللغة الهدف، لكي نفهم تراوح قبول هذا المفهوم ورفضه الشديدين، يجب أولاً أن نفهم الخلفيات اللغوية والنفسية التي كانت مسيطرة على البحث العلمي في المرحلة التي كتب لادو فيها، ثم سننتقل بعد ذلك للنظر في تحليل الأخطاء، وهي فكرة ظهرت كرد فعل لفكرة التحليل المقارن، وفى النهاية ستنظر في الدور الذي اصطلح العلماء على أن اللغة الأم تلعبه في العصر الحالي . ۱-۱-۳ خلفية علم النفس تتبع المصطلحات المستخدمة في مجال تعلم اللغات والمفاهيم المحيطة به من علم من القرن العشرين، أهم ادعاء في مفهوم النقل هو أن تعلم موضوع ما سيؤثر حتما على تعلم موضوع آخر المسألة المهمة هنا هي أن نعرف ما هي سرعة تعلم شيء وكفاءته بعد تعلم شيء آخر، سوف تساعدنا بعض الأمثلة على تفهم الفكرة فالنظر الآن للمسألة باستخدام مثل مادى، وتحريكه، فلتنظر الآن إلى تجربة علمية لها علاقة بمفهوم النقل في مجال تعلم اللغة، خذ مثلا دراسة سليت (۱۹۱۱) التي ركز فيها على حفظ النصوص النثرية بشكل أسهل إن كان الفرد المتعلم خبرة سابقة بحفظ الشعر، ثلاث مجموعات من الأربعة كان لها خبرة بحفظ الشعر، أما الفرقة الرابعة فلم يكن لها أي نوع من هذا التدريب، أو الخبرة المتراكمة من حفظ الشعر على حفظ النثر عن طريق نقل الخبرة؟ ولكن النتيجة لم تكن مجدية جداً، فلم يكن هناك فرق ملحوظ أما فيما يخص تعلم اللغة، فإن كان متكلمو لغة من اللغات الأيطالية في حالتنا يصوغون السؤال كما يلى: Mangia bene Il bambino? فإن نفس المتكلمين عندما يتعلمون الإنجليزية سوف يقولون: Eats well the baby? يأكل جيداً الطفل؟ والمعرفة المتراكمة بالرغم من أن المقولة التالية ليست متجهة نحو تعلم اللغات بشكل خاص إلا أننا يمكن أن نستخدمها لكي نرى كيف تطبق تلك الأفكار على تعلم اللغة الثانية يقول بوستمان (۱۹۷۱) ص ۱۰۱۹): إن التعلم عملية تراكمية، فبقدر ما يكتسب الفرد من معرفة وخبرات ومهارات بقدر ما تتشكل معلوماته ومعارفه الجديدة بواقع خبراته المتعلمة سلفا، فمن النادر أن يتعلم شخص بالغ شيئًا جديداً مائة بالمائة، فمهما كان الشيء الجديد غريبا عليه فإن المعلومات السابقة، من أجل هذا تصبح دراسة النقل مسألة مصاحبة الدراسة التعلم هناك تمييز شائع في المجال بين مفهومين هما : مفهوم النقل الإيجابي (وهو المعروف بالتسهيل، والنقل السلبي (وهو المعروف بالتدخل، وإنتاج لغوى صحيح، أو إنتاج لغوى غير صحيح، فعندما يسأل سؤالاً يقول وهي صياغة صحيحة) ذلك لأن اللغة الإسبانية تستخدم نفس نظام ترتيب الكلمات في صياغة الأسئلة تعرف هذا بالنقل الإيجابي : ولكن لو افترضنا أن نفس الشخص الإسباني يتعلم الإنجليزية مثلا ويقول : هذا ما تعرفه بالنقل السلبي . Eats well the baby ? بالرغم من أن المصطلح الأساسي الذي استخدمته الأبحاث الكلاسيكية عن النقل لم يقدم فصلاً واضحاً بين المفهومين، النقل الإيجابي، والنقل السلبي، إلا أنه كان هناك بعض التخبط في استخدام المصطلح في تعلم اللغة الثانية، إنه من المفهوم من خلال استخدام المصطلحين أن هناك عمليتان منفصلتان للتعلم، ولكننا نعرف بشكل مؤكد إن كان المتعلم قد نقل نقلاً إيجابيا أو سلبيا فقط من خلال الإنتاج اللغوى الذي يحلله المستمع، ولكن المصطلح يشير إلى عمليات وليس إلى نتيجة، فهناك عملية نقل، وفيما يخص التدخل، فهناك نوعان يظهران كثيراً في أدبيات تعلم اللغة الثانية : النوع الأول هو المنع الارتجاعي، النوع الثاني هو المنع التقدمي، ولذلك فمحاولة تطبيق نسق النقل على مجالات تعلم اللغة الثانية بشكل كلى وموسع مسألة فيها نظر ويجب أن تعامل بحذر، فليس هناك أدلة تجريبية كافية تدعم فرضية مثلاً، أن النسيان خارج جدران المعمل نتيجة لنفس المتغيرات والعوامل، وأن هذا النسيان يمثل نفس العمليات العقلية التي حدثت في سياق المعمل التجريبي، فإن كان تعلم مهمة ما يؤثر في المعمل على تعلم مهمة أخرى، فإننا يجب أن تتشكك في أن هذه هي الحالة خارج المعمل أو يجب على الأقل أن نتساءل، فإن كان من الممكن لنا أن نقود سيارة في لعبة من ألعاب الكمبيوتر على الشاشة، هل يعنى هذا أننا نستطيع أن نقود سيارة على أرض الطريق الحقيقي ؟ ۱-۳-٢ الخلفية اللغوية وجهة النظر السلوكية التقليدية عن اللغة هي أنها كلام وليست كتابة، وأن الحديث شرط أساسي يجب توفره قبل الكتابة، وجاء تبرير وجهة النظر هذه من خلال حقائق منها: أن الأطفال العاديين يتعلمون الكلام قبل أن يتعلموا الكتابة، وأن هناك شعويا في العالم ليس لديها طرق كتابة بالرغم من أنها كلها تتوفر على لغات، شعب بلغة مكتوبة وليس لغة كلام . (1) فنحن نسمع شيئًا أو نقوله ونحاكيه في منطوقات أخرى من المفاهيم المهمة في تلك الفكرة مفهوم العادة، ثم يستمر تطورنا اللغوى بمحاكاة ما تعرف أو بتقليد حديث ولكن ما الذي يجعلنا نتكلم ونتحادث ؟ لكي نفهم هذه الفكرة من داخل نسق التفكير السلوكي انظر للمعلومات التالية : فلنفترض مثلاً أن جاك، وجيل يمشيان في الشارع، جيل جائعة، ويعطيها لجيل انظر بلومفيلد ۱۹۳۳ ص ۲۲) . يقسم بلوم فيلد موقفاً كهذا إلى ثلاثة أقسام: أولاً أحداث عملية قبل فعل الكلام كرؤية التفاحة والجوع، التقسيم الثاني هو فعل الكلام الذي يمثله في المثل الصوت والفعل إلا أنه لا يقدم لنا أي معلومات عن كيفية تعلم الأطفال سلوك الكلام، فلنرجع مرة أخرى لوصف بلوم فيلد لكيفية اكتساب اللغة: يقول إن كل طفل يولد في جماعة بشرية معينة، يتعلم لغتها واستجاباتها خلال السنة الأولى من حياته (۱۹۳۳) ص (۲۹)، يضيف بلوم فيلد أنه تحت تأثير مثيرات متعددة ينطق الطفل أصواتا ويكررها من الواضح أن هذه سمة موروثة فمن الممكن مثلاً أن تجد أن الطفل يخرج من حلقه أصواتا نفسرها نحن على أنها دا، هذا بالرغم من أنها مختلفة تماما عن الأصوات المستخدمة في الإنجليزية من حيث التركيب الصوتي يسمع الطفل هذه الأصوات التي أنتجها بطبلة أذنه بينما يكرر الحركات التي أنتجتها، فتتحول المسألة إلى عادة، تدربه تلك الحركة على إعادة إنتاج ويضيف بلوم فيلد أنه إذا كررت الأم مثلاً على مسمع الطفل مقطعا من المقاطع التي كان يجرب بها جهازه الصوتي، وتقول مثلاً : "دول" فإن عادة الطفل تتدخل هنا . فيحاول أن ينتج أقرب حركة تخرج أصواتاً من جهازه الصوتي، ويبدو أن البالغين في كل اللغات قد لاحظوا تلك المسألة بدليل أن كل اللغات فيها كلمات بسيطة، وأغاني للأطفال تحاكي أصواتهم المبكرة، فهناك في كل اللغات كلمات بسيطة مثل "دادا"، و"ماما" وهي كلمات ويضيف بلوم فيلد أن الأم تستخدم كلماتها الخاصة عندما يتوفر المثير المناسب فهى تستخدم كلمة doll عندما تشير إلى دمية أو تعطيها لطفلها، ولذلك يتكرر استخدام صوت يدل على كلمة doll، وتتكرر رؤية مجموعة الأصوات معا فيرتبطان في ذهن الطفل بذلك يشكل الطفل عادة جديدة وتصبح لديه كلمة يستخدمها عند رؤية المثير الخاص بها، من الممكن أن ينظر الكبار لتلك الكلمة على أنها غريبة عن معجمهم، يخترع الأطفال كلمات خاصة بهم من عدم . فمن الممكن مع هذا أن يقول الطفل "دا" بحكم عادته، وسوف تظن الأم أن الطفل يطلب دميته،